Wednesday, October 17, 2012

الموروث الشعبي ذاكرة الليبيين الجمعية

الدكتور يونس عمر فنوش

 

سبتمبر 2007

 
تمهيد

منذ استقرار الإنسان في الكهوف أو قرب الأنهار صاغ أداءً فنيا يتوسل العين أو الأذن وسيلة للتواصل، أو يردف أداء اليدين في إنجاز مهام العيش بأدوات ومقتنيات أدخل عليها لمسة الفن، سواء بأشكاله الفطرية البسيطة، أو بأنماط من الصنعة والتجويد لاحقاً، ولكنه ظل في كل الأحوال يحقق إجماعا لتذوق وأداء الجماعة البشرية المتجددة في بقعة جغرافية معينة، وشكل بذلك مع مر الزمن ذاكرة جمعية تسند حركة كل مجموعة بشرية ذات تجانس اجتماعي وثقافي داخلها وفي حوارها المعلن والمضمر مع غيرها من الجماعات البشرية.
وبالنسبة لنا -نحن الليبيين- تضرب هذه الذاكرة بجذورها بعيداً جداً في أعماق التاريخ، حيث وجدت على أرض ليبيا، في صحرائها الكبرى وفي كهوف أكاكوس وتاسيلي وكهوف ومغارات الجبل الأخضر وجبل نفوسة، مفردات مما خلفه الإنسان على هذه الأرض، من رسوم وتصاوير ومن لُقًى وآثار، استطعنا من خلالها أن نعرف ونتصور كيف دبر حياته وكيف تناول علاقاته مع مختلف عناصر الوجود من حوله. وهي ذاكرة متصلة الحلقات عبر العصور، ظلت تنقلها لنا بصدق وأمانة وشمول ودقة أنماط من الموروثات التي صيغت في قوالب فنية شتى، من غناء ورقص وشعر وحكايات، ما زالت باقية حتى الآن نبعاً من المعرفة، مذهلاً بغزارته ونقائه، وبدقته وشموله، حول تفاصيل وأبعاد حياة الليبيين السياسية والاجتماعية والثقافية.
وقد ثبت أن مفردات الموروث الشعبي، بمختلف أنماطها وقوالبها وتشكُّلاتها، تمثل مصدراً فريداً لمعرفتنا بتطور حياة الإنسان على هذه الأرض، إذ نجد من خلالها من التفاصيل والأبعاد والمضامين الفكرية والفلسفية ما لا يوجد في وثائق التاريخ أو مدوناته المكتوبة، حتى أنه يصح القول إن معرفتنا بتاريخ الإنسان على الأرض الليبية سوف تظل ناقصة نقصاً معيباً ما لم تعتمد كمادة أولية لها مختلف المأثورات الشعبية، فتعكف عليها بالتأمل والدرس والفحص، لتخلص منها بتلك الصورة البديعة والشاملة لما حفظته لنا الذاكرة الجمعية عبر التاريخ.

أولاً- الحالة الراهنة لجهود توثيق الموروث الشعبي :

من أجل الحفاظ على التوازن النفسي لمواطن هذه البقعة من الأرض، حيث تسند الذاكرة الجمعية التراثية عبر تراكمها التاريخي الأداء الاجتماعي والثقافي وتحفظه من التأزم والاغتراب، انطلقت في الثلث الأخير من القرن المنصرم محاولات شتى للعناية بالتراث في مختلف تجلياته المعنوية والمادية، فاتجهت إلى البحث عن مادته واستكشافها، وبذلت جهوداً لجمعها وتوثيقها، وجهوداً أخرى لإذاعتها ونشرها والتعريف بها، رفدتها أخرى لدراسة بعض جوانبها دراسات تاريخية ونقدية وعلمية.
وفي عجالة لا تهدف إلى الحصر يمكن أن نشير إلى أن تلك الجهود قد توزعت إلى الأنماط التالية:
        1-   جهود فردية قام بها كتاب ومثقفون ودارسون، بمبادرة ذاتية منهم، واعتماداً على جهودهم وإمكاناتهم الشخصية، مثل كتابات على مصطفى المصراتي ومصطفى كمال سلام ومحمد سعيد القشاط وأحمد النويري والدكتور يونس فنوش وعبد السلام قادربوه، ومحاولة محمد بودجاجة إقامة معرض للمقتنيات التراثية في مدينة بنغازي سماه (دار جادو)، وهي محاولة جيدة لم تلق للأسف الشديد ما تستحقه من العناية، فتعرضت للاندثار.
        2-    جهود شبه رسمية مثل تلك التي قامت بها (لجنة جمع التراث) التي شكلت بكلية الآداب بجامعة قاريونس في بداية سبعينيات القرن الماضي، وقد تمكنت رغم قلة إمكاناتها من وضع لبنات علمية جيدة لخطة منهجية للتقصي عن المادة التراثية وتوثيقها، أثمرت جمع مادة أدبية غزيرة، استخلصت منها اللجنة مختارات مثلت مادة الجزئين الأول والثاني من (ديوان الشعر الشعبي).
                   3-      جهود رسمية : تمثلت في إنشاء مراكز متخصصة لجوانب من الموروث الشعبي، أهمها:
                                ‌أ-          المركز الوطني للمأثورات الشعبية بمدينة سبها (ولأهميته سوف نخصه ببعض التفصيل فيما يلي).
            ‌ب-    المركز الوطني للحرف التقليدية بمدينة غريان، وبه شعبتان واحدة للنسيج وأخرى للخزف تقومان بتدريب عناصر وطنية في هاتين الحرفتين.
                              ‌ج-         أجهزة صيانة ورعاية المدن القديمة، مثل تلك القائمة في طرابلس وبنغازي وغدامس وغيرها.
        4-   جهود أهلية: بدأت تظهر في تسعينيات القرن الماضي تمثلت في تكوين جمعيات أهلية للتراث، تضم متطوعين من أفراد يدركون قيمة الموروث الشعبي وأهميته، يتنادون للتعاون فيما بينهم للمساهمة في جهود ومساعي توثيقه وحفظه، فيسعون لجمع الموروث الشعبي في مناطقهم، عن طريق جمع الروايات الشفهية والمقتنيات وإقامة معارض دائمة لها في مقارها، والمشاركة في المعارض الموسمية التي تقام على هامش المهرجانات التراثية على الصعيد الوطني. وقد ظهرت مثل هذه الجمعيات –على سبيل المثال- في كل من غدامس وهون ونالوت ومزدة ودرنة وجالو وغيرها من المناطق. وإقامة مهرجانات للتراث اعتمدت في مفرداتها على فنون الرقص والغناء والألعاب الشعبية في محيطها وبالتعاون فيما بينها، منها مهرجانات غات وغدامس وهون ونالوت وكاباو وصرمان وغيرها.
حول هذه الجهود الرسمية والأهلية يمكننا أن نبدي الملاحظات التالية:
     1-   رغم أن الجمعيات الأهلية قد قامت بجهود مشكورة في المجال، إلا أن أداءها اتسم بالعشوائية والموسمية والجزئية، حيث كان القائمون على العمل بها من الهواة والمثقفين غير المؤهلين علميا ومهنيا للقيام بهذه المهام، وقد خلطت بعض هذه الجمعيات بين مهامها في مجال توثيق الموروث الشعبي ورعايته وإحيائه، وبين مهام أخرى على صعيد العمل التطوعي في مجالات البيئة والتكاتف الاجتماعي. وفي جميع الأحوال ظلت جهودها محصورة في محيطها الجغرافي، ولم تجد مكانها الذي كان ينبغي لها في إطار وطني شامل.
             2-      لم تكن لهذه الجمعيات القدرة المالية المساعدة على انجاز ما تطرح على نفسها من مهام.
             3-      لم يتوفر لها الهيكل المؤسسي الذي ينظم عملها وعلاقتها بغيرها من المؤسسات والجهات ذات العلاقة.
     4-   وفرت المهرجانات التراثية فرصة وإمكانية لإحياء الموروث وتقريبه من ذائقة الأجيال الناشئة، إلا أن طابع الارتجال والاستعجال وضعف القدرات المالية جعل هذه المهرجانات لا تدقق كثيرا في عرض لوحات الموروث وإعطائها شكلها الجمالي الأصيل.

المركز الوطني للمأثورات الشعبية:

في ظل تلك الصورة التي اتسمت بالقصور الشديد في مواجهة الغاية الوطنية الكبرى للتعجيل والمبادرة بإنقاذ الموروث الشعبي من عوامل النسيان والإهمال، ومن ثم جمع مفرداته وحفظها ثم خدمتها وإعدادها لتكون مادة للمعرفة والبحث، تقرر إنشاء "المركز الوطني للمأثورات الشعبية"، وكان يفترض أن يكون هذا المركز هو الجهة الوطنية التي تتكفل بإنجاز تلك المهمة الوطنية الكبرى، ولكنه، للأسف الشديد، لم يقم بما كان ينبغي ويمكن أن يقوم به على هذا الصعيد، فاتسم أداؤه بنواحي القصور التالية:
     1-   لم يقم المركز الوطني للمأثورات الشعبية بوضع أي خطط أو مشاريع عمل تركز على إجراء مسح علمي كامل لمفردات الموروث، ومن ثم وضع الخطط لجمعها وتوثيقها، تمهيداً لإعدادها وتجهيزها للدراسة والبحث.
     2-   لم يسع المركز لوضع خطة عملية مخصوصة توجه لإعداد كوادر متخصصة في عمليات البحث والتنقيب عن المادة التراثية، وفي توثيق وتسجيل الروايات الشفهية، والتعامل مع المخطوطات وما في حكمها من مادة تراثية أخرى كالمقتنيات واللقى وغيرها. وعلى هذا الصعيد أخذ على المركز حصر جهوده في منطقة واحدة هي منطقة سبها حيث يوجد مقره الرئيس، وتقصيره في تكليف الباحثين والمراسلين في المدن والقرى لموافاته بمخزوناتها من مفردات الموروث ومادته.
     3-   لم يقم المركز الوطني للمأثورات بالدور الذي كان جديراً به أن يباشره بأن يكون حلقة اتصال بالجمعيات الأهلية والمهرجانات التراثية، وأن يكون البؤرة المركزية التي تلتقي عندها كافة الجهود الفردية والأهلية والرسمية، فيمارس مهمة التنسيق بين تلك الجهود لكي تتكامل فيما بينها، ولا تستهلك جهودها وإمكاناتها في تكرار الأعمال نفسها.
     4-   لم يقم المركز الوطني للمأثورات الشعبية بما نظن أنه كان ينبغي أن يقوم به على صعيد تطوير الجهود العلمية في مجال دراسة الموروث الشعبي، ولم نسمع أنه نجح في إقناع أي جامعة بالاعتراف بالموروث كمادة علمية صالحة وجديرة بأن تضمن في المناهج والمقررات الدراسية.
في ضوء ما تقدم يمكننا أن نخلص بالملاحظات التالية:
             1-      لا توجد حتى هذه اللحظة خطة وطنية لجمع موروثنا الشعبي وحفظه ودراسته وطرحه للاستفادة منه بشكل علمي.
             2-      لا يوجد جسم وطني ذو فروع أو شعب في مختلف المدن والقرى الليبية لجمع وحفظ موروثنا.
     3-   تعاني المؤسسات والجمعيات الأهلية القائمة من ضعف القدرات المالية المساعدة على انجاز ما تطرح على نفسها من مهام .
     4-   أغلب الجهود التي اشتغلت على موضوعة الموروث كانت فردية أو أهلية تطوعية يقوم بها متطوعون غير مؤهلين علميا. وعلى ما لهذه الجهود من أهمية وما قامت وتقوم به من جهد مشكور، إلا أنها تظل محدودة وجزئية وعشوائية تفتقد إلى الضبط العلمي الدقيق، وإلى شمولية النظر التي تجعلها ترتقي إلى أفق النظرة الوطنية التي تتسع لتحتضن كل التراب الوطني، وكل مكوناته الاجتماعية.
     5-   أن الجهود الرسمية والهياكل التي يفترض أنها أقيمت من منظور وطني شامل اتسمت بعجز القائمين عليها عن الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية التاريخية، ومن ثم كانت قاصرة ومحصورة، ووقعت ضحية الارتجال والموسمية والعشوائية وقصر النظر.
     6-   أنه لم يتم حتى الآن الاعتراف بالموروث الشعبي كمادة للبحث والدراسة العلمية الأكاديمية، بحيث يدخل ضمن المقررات والمناهج الدراسية في المؤسسات الجامعية، ويوجه الباحثون والدارسون للعكوف عليه بالدراسة والبحث العلمي.

ثانياً: استحقاقات ملحة وعاجلة لحفظ الموروث الشعبي وتوثيقه:

ولعله بات جلياً من خلال استعراضنا لمختلف جوانب النقص التي شابت عملية توثيق موروثنا الشعبي، وجمع ما لا يزال بالإمكان العثور عليه من مواده الأولية الأساسية، منذ أن بدأت أوائل الجهود في هذه السبيل وحتى الآن، أننا بحاجة إلى جملة من الخطوات التي نرى أنها ملحة وعاجلة لتدارك ذلك النقص، والإسراع بفعل ما ينبغي فعله لتعويض ما فات من قصور وتخبط في الجهود المبذولة، في إطار خطة وطنية شاملة لتكثيف جهود التوثيق وجمع المادة الخام، ثم تصنيفها وحفظها، وإعدادها لتكون في متناول الباحثين والدارسين، ثم استثمارها وتوظيفها في المجالات والأغراض التي سنعرض لها فيما بعد.
ونعتقد أن هذه الخطة، التي ينبغي أن توضع من منظور وطني شامل، يجب أن تحظى بأولوية مطلقة، لما تتسم به من إلحاح التسابق الحثيث مع الزمن الذي لا يمهل الحفاظ والرواة، وتبادر يد الموت إلى تخطفهم، فتضيع مع كل من يتوفاه الله منهم ثروة ثمينة من المحفوظات لا يمكن تعويضها بأي ثمن أو وسيلة، إضافة إلى التسابق الحثيث أيضاً مع عوامل الإهمال التي تعرض الكثير من مواد الموروث المادية للضياع والفقدان لعدم العناية بحفظ نماذج منها.
ونرى أن العامل الأكثر تأثيراً في تكييف هذه المسألة هو كون المادة التراثية المراد توثيقها تتسم بالآتي:
1-  أن مصادرها ومظانها في الغالب ما زالت مجهولة، فتحتاج من ثم إلى جهود خاصة ودؤوبة للتقصي عنها واكتشافها والتعرف إليها، ويتبين دائما أن ثمة حفاظاً ورواة يملكون ثروة قيمة من المحفوظات التراثية مجهولون، لا يعرفهم أحد إلا مواطنوهم الذين يعيشون معهم في المكان نفسه، وقد يكون قرية أو نجعاً نائياً بعيداً عن مواطن العمران، وأن ثمة مفردات من الموروث المادي كالحلي والملابس والصناعات والسلاح وأدوات العمل واللعب وغيرها ما زالت مبعثرة في أماكن وجودها الأصلية، وهي بدورها ظلت عبر السنوات معرضة للفقدان والضياع.
2-  أن هذه المصادر تحتاج إلى السعي إليها في مواقعها التي توجد فيها، من حيث إن كثيراً منها، كالروايات المحفوظة في الصدور، وبخاصة ما يتصل بحقب قديمة نسبياً، توجد لدى أشخاص طاعنين في السن، أو مقعدين عن الحركة، ومن ثم فلا بد من التحرك للاتصال بهم حيث يوجدون، وأن الحاجة ما زالت قائمة، بل ملحة جداً، لاستكشاف المفردات المقصودة بالبحث، لاستنقاذ ما لا يزال ممكنا العثور عليه منها من يد الضياع والفقدان، وبخاصة أن كثيراً من هذه المواد قد يوجد لدى أفراد، ربما يكونون قد ورثوه عن آبائهم وأجدادهم، وهم لا يدركون ما له من قيمة تاريخية عظيمة، فلا يحرصون على اقتنائه، ومن ثم فهم لا يعتنون بالمحافظة عليه وصيانته.
إن هذه السمات أو العوامل تفرض أن تكون أولى الخطوات الملحة في هذا السياق هي وضع خطة عملية مدروسة بدقة لمسح كل أنحاء البلاد، لبلوغ قدر مرض من الثقة في الوصول إلى كل أو جل ما يمكن الوصول إليه من هذه المادة. وهذه العملية من هذا المنظور  عملية شاملة ومتسعة الآفاق متشعبة الأبعاد، ونرى أنها ينبغي أن تشمل الآتي:
   1-   إنشاء هيئة وطنية، يكون لها الموقع الذي نرى أنها تستحقه في مراتب الأهمية، لكي تخصص لها الإمكانات المادية والبشرية اللازمة لإنجاز الأهداف المحددة لها. ولعلنا لا نبالغ مطلقاً إذا قلنا إن هذا الموقع ينبغي ألا يقل عن موقع "لجنة شعبية عامة" أو "هيئة وطنية عليا" تتبع أعلى جسم في هيكلية الإدارة: "أمانة اللجنة الشعبية العامة" أو "أمانة مؤتمر الشعب العام".
       2-      مباشرة هذه الهيئة عملها باستقطاب وتأهيل العاملين لديها في مختلف الجوانب والمجالات المطلوبة لأداء المهام التنفيذية، التي تنقسم أساساً إلى نمطين من المهام:
أ - مهام عملية ميدانية، وتتجه إلى البحث عن مفردات الموروث والتقصي عن أماكن وجودها ومظانها، وهذه تنقسم بدورها إلى مجموعات متميزة بحسب أصناف المفردات التراثية المقصودة بالبحث، مثل: فنون القول، الموسيقى والغناء والفنون التشكيلية، المقتنيات والصناعات التقليدية.
ب- مهام عملية مكتبية، وتتجه إلى استقبال المواد التي تتمكن فرق العمل الميداني من تجميعها، في صورها المختلفة: موجودات مادية، تسجيلات بالصوت والصورة للمفردات المحكية أو المروية: أشعار، روايات تاريخية، حكايات وأساطير، أمثال وأحاجي، موسيقى وغناء ورقص..إلخ، ثم تتولى تصنيف هذه المفردات، ووضع الفهارس اللازمة لتوثيقها، لتسهيل الوصول إليها فيما بعد من قبل الباحثين والدارسين والمكلفين بشتى المهام ذات الصلة.
       3-      مباشرة فرق العمل التي تم إعدادها وتأهيلها في تنفيذ المطلوب منهم، كل في مجاله المخصص له: ميداني أو مكتبي.
ونرى أنه سوف يكون من الملح أن تضع هذه الهيئة على الفور خطة لتجميع مختلف مفردات الموروث الشعبي الموثقة بإحدى صور التوثيق المتاحة (تسجيلات صوتية ومرئية، مدونات ومخطوطات) والموجودة في الوقت الحاضر مشتتة عند الأفراد وعند بعض الجهات ذات الصبغة العامة مثل (الإذاعات والصحف ومراكز البحوث والجمعيات الأهلية للتراث..). ولبلوغ هذه الغاية نرى أنه سوف يكون مفيداً أن تخصص هذه الهيئة ميزانية سخية مفتوحة لأداء ما قد يكون لازما من مقابل مادي أو تعويض يقدم للأفراد أو العائلات التي لا تتبرع بما لديها من مادة تراثية مجاناً. وسوف يكون مفيداً في تقديرنا أن تنظم حملة إعلامية مدروسة ومنظمة لرفع مستوى الوعي العام لدى أفراد المجتمع بقيمة المفردات التراثية التي قد يوجد لديهم نماذج منها، ولحث من يملك منها شيئاً إلى المبادرة بالاتصال بالهيئة لاتخاذ الإجراءات المناسبة لاقتنائها أو استنساخها إن كانت مما هو قابل للنسخ.
وفي مسار مواز تنطلق الحملة الوطنية الشاملة لمسح كل أنحاء البلاد، للتقصي عن مفردات الموروث المستهدفة، وتحديد أنواعها وأماكن وجودها، تمهيداً لتوجيه فرق العمل المتخصصة، للقيام بما يلزم من أعمال التوثيق، من قبيل: تسجيل أنماط المرويات من فنون القول بالصوت والصورة، توثيق أنماط الفنون (موسيقى، غناء، رقص) بالتصوير المرئي، وتصوير المقتنيات واقتناء نماذج منها.
في هذه الأثناء تشرع فرق العمل المكتبي في التهيؤ لاستقبال المادة التي يتم جمعها من خلال فرق العمل الميداني، ومن ثم تشرع في تنفيذ مهامها التي تتمثل في الآتي:
1-  تصنيف المواد التي ترد إليها بحسب أنواعها وأنماطها، مع توثيق كل البيانات المتعلقة بها: أسماء المؤلفين بالنسبة للمواد التي يعرف مؤلفوها وقائلوها، وأسماء الرواة فيما يتعلق بالمواد التراثية الجمعية التي يتداولها الناس دون معرفة قائليها، الأماكن التي وجدت فيها المادة أو تم فيها التسجيل والتوثيق.
2-  توظيف العدد اللازم من العاملين المؤهلين لإدخال المادة المجموعة في منظومات حاسوبية معدة للتعامل معها، بحسب مختلف أنماطها وأصنافها، وذلك لتسهيل الرجوع إليها واستعادتها والتعامل معها حسب الحاجة.
3-  توظيف عدد آخر من العاملين المؤهلين للتعامل مع مفردات التراث المادية، بأعمال الصيانة والحفظ والتصنيف والتخزين، تمهيداً لاستثمارها فيما بعد في أغراض البحث والدراسة والعرض في المعارض والمتاحف وما إلى ذلك.

ثالثاً: آفاق تطوير الجهود الوطنية الرسمية والأهلية لرعاية الموروث الشعبي ودراسته:

بعد الاطمئنان إلى اتخاذ ما يلزم من إجراءات عاجلة وملحة على صعيد العمل الميداني والمكتبي الموجه للبحث عن المادة الخام واقتنائها، ثم تصنيفها وفهرستها وحفظها بوسائل الحفظ الإلكترونية المتطورة التي باتت تتيحها وسائل تقنيات المعلومات الحديثة، يكون بالإمكان النظر إلى الآفاق التي نراها متاحة للتعامل مع هذه المادة، وينبغي وضع الخطط لارتيادها على صعيد:
1-      رعاية مفردات الموروث التي تم جمعها وتوثيقها.
2-      إجراء الدراسات والبحوث حولها.
3-      إحياؤها والترويج لها والتعريف بها محلياً وعالمياً.
4-      استثمارها كأحد عوامل الجذب السياحي.
1- الأفق الأول هو الذي نسعى فيه إلى القيام بما يلزم لرعاية وصيانة مفردات الموروث التي تم جمعها وتصنيفها وفهرستها. وفي هذا الإطار سوف نحتاج إلى نمطين من العمل:
          أ- الأول تجهيز المادة الخام في الصور الملائمة التي تيسر الاطلاع عليها ودراستها، من قبيل نشر المادة الأولية لفنون القول، مصنفة بحسب موضوعاتها ومؤلفيها، في إحدى صور النشر المتاحة (ورقي، إلكتروني).
          ب- صيانة مفردات الموروث المادية، وحفظها مصنفة بحسب أنماطها في الأماكن المناسبة لمثل هذا الغرض، كالمتاحف وقاعات العرض المختلفة.
          2 – الأفق الثاني هو أفق الدراسات والبحوث: وفيه نسعى إلى وضع الخطط والبرامج الملائمة لإجراء البحوث والدراسات العلمية حول المادة التراثية التي تم جمعها. وفي هذا الصدد نرى أنه سوف يكون من المفيد أن نقوم بالآتي:
          أ- إنشاء مركز للبحوث والدراسات في إطار "الهيئة الوطنية للموروث الشعبي"، يشرف عليه أكاديميون متخصصون في مناهج البحث العلمي، لتوجيه ناشئة الباحثين والدارسين للقيام ببحوث علمية حول موضوعات بعينها، يتم اختيارها من قبل إدارة المركز، في إطار خطة بحثية معدة مسبقاً.
          ب- إدخال مادة "الموروث الشعبي" في المقررات الدراسية في الجامعات، وخاصة في مرحلة الدراسات العليا، وتوجيه الباحثين لاختيار موضوعات للأطروحات التي يقدمونها لاستكمال متطلبات الحصول على الإجازتين العليا والدقيقة من بين المادة التراثية المتوفرة، التي ينبغي أن تكون قد تم تهيئتها للبحث والدراسة من قبل الهيئة.
وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أننا بحاجة على الصعيد الوطني إلى جهود مركزة ومقصودة لمحاربة التوجهات المضادة للاهتمام بالتراث الشعبي، والرافضة للاعتراف به كقيمة وطنية ثقافية وعلمية كبرى، التي ظلت تسيطر على جامعاتنا في كل أنحاء البلاد، بدليل أننا لا نجد أي جامعة تعترف بالموروث الشعبي أو تقر دراسته والعناية به ضمن مناهجها ومقرراتها الدراسية، ومن ثم فإننا لم نر حتى الآن أطروحة تقدم في إحدى جامعاتنا الوطنية يكون موضوعها مادة أو جانباً من الموروث الشعبي. ووجدنا بعض باحثينا من المهتمين بهذا الجانب يتجهون لإعداد أطروحات حول موضوعات تراثية في جامعات عربية خارج الوطن، في مصر والمغرب على وجه التحديد.
وبالطبع سوف يكون من الضروري أن توجد في الهيئة الوطنية للموروث الشعبي إدارة للنشر، تتولى تشجيع الباحثين والمؤلفين، وتعنى بنشر أبحاثهم وأعمالهم المختلفة، مقابل مكافآت مشجعة وحوافز معقولة.
3 – الأفق  الثالث هو الذي نسعى فيه إلى إحياء مفردات الموروث الشعبي والترويج لها والتعريف بها محلياً وعالمياً. ونعتقد أننا سوف نحتاج على هذا الصعيد إلى ما يلي:
أ- إقامة الاحتفاليات والمهرجانات التي تخصص لجوانب مختلفة من الموروث: الشعر الموسيقى والغناء والرقص. ولعلنا نبدأ بأشكال من المهرجانات على الصعيد الوطني، تمهيداً لتطويرها حسب الحاجة إلى مهرجانات على صعد أوسع، إقليمية وعالمية. ونرى أنه سوف يكون من الضروري تخليص هذا المجال من الآثار السيئة التي نجمت عن المفهوم السطحي للتطوير والتحديث، الذي رأينا كيف أدى إلى تشويه الأنماط التراثية التقليدية في مجالات الغناء والرقص بنوع خاص، وتحويلها إلى تراكيب من الحركات خالية من السمة التراثية الشعبية المميزة، التي ما زلنا نراها تمارس في مواقعها الأصلية، بحسب الأصول التي توارثها الناس عن الأجيال الماضية.
ب- إنشاء المتاحف وقاعات العرض التي تعرض فيها المفردات المادية من الموروث. ونرى أهمية أن نضع ضمن أولويات جهودنا للتنمية الثقافية للمجتمع ككل، ضرورة أن يوجد في كل تجمع سكاني مكان يخصص لعرض مفردات الموروث المادية، لكي تتاح فرصة التعرف عليها للأجيال المتعاقبة، فينمو وعيهم العام بتاريخ بلادهم وثقافة شعبهم، وتكون زيارة تلك المفردات ومعاينتها معاينة مباشرة جزءاً مكملاً للعملية التربوية التي يتلقاها التلاميذ في مدارسهم ضمن مقررات مواد التاريخ والتربية الوطنية.
هذا على الصعيد المحلي، أما على الصعيد الخارجي فيمكن أن يكون من ضمن برامجنا ما يلي:
أ-وضع خطط للتعريف بموروثنا الشعبي خارج حدود الوطن، من خلال المطبوعات والنشرات والشرائط الوثائقية، التي توزع على الجهات ذات العلاقة في الدول المختلفة: الجامعات والمعاهد ومراكز البحوث، المكتبات الوطنية والجامعية، الهيئات الثقافية، المراكز المتخصصة في التراث الشعبي، الجمعيات الأهلية المهتمة بالموروثات الشعبية.
ب-الحرص على المشاركة في المهرجانات والاحتفاليات التي تقام في مجالات الموروث الشعبي، من خلال إدارة خاصة تنشأ لهذا الغرض في إطار الهيئة الوطنية للموروث الشعبي، والاتفاق على صيغة لإقامة أيام التراث الشعبي الليبي في الدول التي تقام معها في هذا الصدد علاقات واتفاقات ثقافية محددة.
ج- السعي لإقناع الدول بإنشاء أقسام أو أركان في متاحفها العامة أو المتخصصة تخصص للموروث الشعبي الليبي، تعرض فيها أنماط مختارة من المفردات التراثية الليبية، مثل الحلي والملابس والمقتنيات والصناعات التقليدية.
وبالطبع سوف يكون على رأس هذه الوسائل للترويج للموروث الشعبي الليبي محلياً وخارجياً الموقع المخصص له على شبكة المعلومات العالمية، حيث تتيح الإمكانات التقنية للشبكة وسائل ممتازة لتخزين قدر هائل من البيانات عن مفردات الموروث الشعبي، تكون ملائمة لأن يتعرف عليها المتصفح، سواء من داخل البلاد أو من أي بقعة في العالم. وسوف يكون من الملائم للوفاء بغرض الترويج والدعاية توفير البيانات عن تلك المفردات بأكبر عدد من اللغات الحية العالمية.
4 – أما الأفق الرابع فهو ذلك الذي تكون فيه المادة التراثية قد بلغت الحد المناسب من التجهيز العلمي والمادي، بحيث تصلح لأن تكون عامل جذب مهم في إطار السياحة الثقافية، ونرى أننا يمكن أن نبلغ مستويات ممتازة على هذا الصعيد من خلال التالي:
أ-إنشاء متاحف ومعارض لمفردات الموروث في المناطق السياحية أو بالقرب منها، والتنسيق مع شركات السياحة لوضعها في برامج زياراتها التي تعرضها على السائحين، وبهذا نخدم غرضين في آن معاً هما: الترويج للتراث الشعبي الليبي والتعريف به، والحصول على عائد مادي من خلال الرسوم التي تجبى على الزيارات.
ب-إنشاء أحياء أو تجمعات تمارس فيها بشكل حي أنماط من الأعمال المتصلة بالصناعات التقليدية (الغزل، النسيج، الصناعات الجلدية، الصناعات القائمة على المواد الخام المستخرجة من شجرة النخيل، الصناعات الجلدية..إلخ)، تدرج ضمن برامج الزيارات المنظمة للسائحين الأجانب.

توصيات :

في ضوء ما سبق عرضه نخلص إلى توصيتين محددتين هما:
     1-   إنشاء هيئة وطنية عليا للموروث الشعبي، تكون لها صفة اعتبارية مميزة في أعلى سلم الجهات التنفيذية، تخصص لها ميزانية كافية لمواجهة متطلبات الخطط العملية المستعجلة التي سلفت الإشارة إليها في البندين ثانياً وثالثاً.
     2-   اتخاذ القرار الذي لم يعد من المقبول التأخر في اتخاذه على صعيد تكريس الاعتبار للموروث الشعبي باعتباره مقوماً أساسياً وجوهريا لهوية الشعب الليبي، بمختلف مكوناته القومية (العربية والأمازيغية والتارقية)، ومكوناته القبلية والجهوية، ومن ثم إدخال مادة الموروث الشعبي ضمن المناهج والمقررات الدراسية التي تقدم للطلاب والدارسين، على الأقل في المرحلتين الجامعية والعليا، كبداية يستهدف تعميمها في مستقبل منظور إلى كل المراحل الدراسية.

  
    

Thursday, October 11, 2012

تنمية مدينة درنــــــــه استحقاق وطني


 د.حسني بن زابيه

      تقع مدينة درنه في موضع متوسط بين مدينة طبرق في الشرق ومدينة البيضاء في الغرب، بمعنى آخر بين امتداد مناطق شبه جافة شرقا ومناطق أخرى شبه رطبة غربا مما اكسبها تنوع طبيعي واقتصادي فريد. موقع المدينة على ساحل البحر وامتدادها الحضري على طول ضفتي وادي درنه الغني بالينابيع العذبة وشلاله الشهير، اُستقطب السكان من مختلف الأطياف عبر العصور. وأضفى التنوع الثقافي للمدينة ميزة ثمينة إلى المكان قلما توجد في كثير من المدن في ليبيا.
      عانت المدينة بوجه خاص أبان حكم الطاغية المقبور شتى أنواع التعسف والتهميش الذي كانت له تبعات وخيمة على مستوى المعيشة وفرص العمل والبنية التحتية للمدينة. افرز الوضع المتردي الذي عاش فيه سكان مدينة درنه حالة من الإحباط والاحتقان أدت إلى تعاطي أعداد كبيرة من الشباب الممنوعات أو الانخراط في التطرف، أو الهجرة.
سكان المدينة
      حسب تعداد 2006 بلغ عدد سكان مدينة درنه وضواحيها تقريبا 155 ألف نسمة بمعدل نمو سنوي 1.3%، علما أن فئة صغار السن (اقل من 14 سنة) حوالي 48% من السكان. كما تمثل  قوة العمل(من 15-65) 33% من السكان، وأن  نسبة غير العاملين من الذكور 37%، ومن الإناث فهي 63%. معدل البطالة العام يفوق المعدل الوطني. أما البطالة المقنعة، فهي سائدة في المجال الوظيفي للقطاع العام والحكومي وفرص العمل تتلاشى تحت وطأة النمو السكاني والهجرة المتصاعدة إلى المدينة من محيط الريف.
      مستوى التعليم في مدينة درنه عادة مرتفع ومميز عن غيره بالمنطقة الشرقية، بالرغم إلي ما تعرض إليه من إفساد  خلال الحقبة المظلمة التي عمت البلاد فيما مضى. بلغت نسبة الخريجين الجامعيين 10% مقارنة مثلا بطبرق والبيضاء 4 و7% على التوالي. ارتفاع نسبة تعليم المرأة في المدينة  -كانت درنه دائما سباقة في هذا المضمار- أدي إلي ارتفاع نسبة مشاركة المرأة في مجال العمل حيث بلغت حوالي 37% مقابل العاملين من الذكور.
      نويات التنوع الاقتصادي موجودة في درنه مما يميزها عن كثير من المناطق المناظرة. فالصناعة تستحوذ على 11% من القوة العاملة والزراعة 5% والأعمال الحرة للقطاع الخاص 19%، ولكن قطاع الخدمات الحكومي(65%)، فهو المهيمن ويمثل حاليا المصدر الرئيسي لتوفير فرص العمل.
فرص التنمية للمدينة
      للنهوض بمدينة درنه وخروجها من التدهور و الركود الاقتصادي التي تعانى منه لعقود طويلة، وإنقاذ شباب المدينة من براثن التطرف والانحراف الاجتماعي، تحتاج المدينة إلى تدخل سريع وفعال عن طريق إعداد خطة طارئة قصيرة المدى (contingency plan)  تتناول استحقاقات المدينة  وتنمية وتطوير مواردها الطبيعية والبشرية المتوفرة وهي في تقديري تشمل الأتي:
المدينة القديمة
 مساحتها  حوالي 45 هكتار  وهي واضحة ومحددة المعالم بنمطها المعماري الأندلسي والتركي والايطالي الكلاسيكي، كذلك يتوسطها المسجد العتيق المميز بقبابه المتعددة، وكذلك مجاور له مبنى سابق لكنيسة كاثوليكية وآخر كان معبداً يهودياً، كذلك عدد من زوايا الطرق الصوفية في منظومة متناغمة تعكس أطياف التنوع الثقافي والتعايش السلمي التي مر به تاريخ المدينة. الأسواق التركية المسقوفة والساحات والميادين ايطالية الطراز، أضفت إلي المدينة رونق وطابع البحر المتوسط الخلاب. إن صيانة وترميم المباني الآيلة إلى السقوط وتعويض سكانها من اجل الحفاظ عليها. فالمدينة القديمة رصيد لمدينة درنة واستثمارها سياحيا مورد غير نابض لسكان درنه.
الواجهة البحرية
 الامتداد العمراني للمدينة امتداداته طولية موازيا لساحل البحر، فالمدينة ممتدة علي شريط ساحلي ضيق محصور بين البحر والجبل بمناسيب ارتفاعات مختلفة، إضافة إلى تقطعه بعديد من مصبات الأودية مما أعطى المدينة لاند سكيب متنوع الأشكال والأبعاد. الواجهة البحرية طولها يزيد عن 15 كيلو متر قابلة للتطوير والاستثمار السياحي.
 بساتين المدينة
 درنه مدينة مميزة بمزارعها وحقولها الزراعية المحصورة داخل محيطها الحضري. المساحات الزراعية المتبقية تقدر بحوالي 15% من مساحة المدينة، ولكن مهددة بالفناء تحت التوسع العمراني. حاليا المحاصيل النقدية المنتجة تصل إلى أسواق طبرق والبيضاء وحتى بعضها إلى مدينة بنغازي.
الشواطئ البحرية
 تتمتع درنة بشواطئ نظيفة خلابة متنوعة تمتد لعشرات الكيلومترات منها الصخرية حيث يقابل الجبل البحر للغوص وهى تمتد ال الغرب من المدينة. وأخرى رملية للسباحة والاسترخاء، وهى منتشرة بدون انقطاع في اتجاه الشرق.
مدينة درنة وإقليمها المحيط مركز جذب للاستثمار وبيئة واعدة للتطور والنمو، فالمقومات البشرية مؤهلة والطبيعية مشجعة.خصوصا لمثل الاقتراحات الآتية:
تطوير المظهر الحضري للمدينة
تحتاج المدينة إلى صيانة وتطوير البنية التحتية، كما ينبغي تحسين المظهر الحضري للمدينة وإضفاء مسحة عصرية للمراكز الخدمية. الاستفادة من التلال والأودية والمرتفعات في تجميل المدينة، ومد الجسور والكباري ذات الطراز المعماري المميز يكون له اثر بالغ علي الاستثمار.  
  تنمية التراث الفكري
توطين المعرفة وذلك بإنشاء دار للثقافة والفنون والمسرح تكوين معهد عال للموسيقي ودعم كلية الفنون الجميلة بجامعة درنه. إنشاء متحف للفنون التشكيلية ومركز للطباعة والخدمات الإعلامية. كما حث جامعة درنة لفتح أقسام للغات الأجنبية وتنشيط حركة الترجمة.
مراكز طبية متقدمة
توطين الخدمات الصحية كإنشاء مستشفى تخصصي لأمراض الدم حيث تفتقر البلاد لمثل هذه المستشفيات، كذلك مستشفي لأمراض السرطان يكون مركزا منافسا في المنطقة الشرقية مع تنمية مراكز الطبية للتصوير والتحليل بالتعاون مع كلية التقنية الطبية بالجامعة.
تنشيط وتطوير النشاط الاقتصادي
توطين الصناعات والمشروعات الصغيرة فهي كثيفة والبعض منها عريق وواعد إن قدم لها التمويل والتشجيع منها صناعة الأثاث على سبيل المثال. كذلك تنشيط التجارة المحلية والإقليمية بإنشاء مجمع تسوق حديث (مول) تجارى ضخم متعدد الطوابق بمختلف الوسائل الترويحية يجذب المتسوقين من خارج المدينة.
     تنشيط الحركة السياحية المحلية بنشر المطاعم والمقاهي والأندية الترويحية والفنادق الصغيرة والمتوسطة، ودور الشباب والمسارح ودور العرض المفتوحة في المدينة القديمة وعلى امتداد الواجهة البحرية.
    تشجيع الأعمال الحرة واستقطاب رجال الأعمال والشريكات بتوفير مقار لها عن طريق بناء برج متعدد الطوابق ويكون رمز إلى ازدهار المدينة الاقتصادي.
    إنشاء الملاعب وأحواض السباحة المفتوحة والمغلقة والحدائق العامة، وإعادة تعمير الأراضي الزراعية المتروكة والحدائق السابقة المهملة.
     انفراد ميناء مدينة بخدمة معينة تدعم وضعه التنافسي مع بقية المواني المحيطة كما كان فترة احتكار حركة شحن السيارات إلى البلاد. هناك وجهة نظر تنادي بإنشاء منطقة حرة في درنه.

     مدينة درنة غنية بمواردها الطبيعية والبشرية وتنمية هذه الموارد بأسلوب التنمية المستدامة والاعتماد على القطاع الخاص يجعل منها نموذجا يحتذي به في تنمية المدن في ليبيا.  

 
   

Thursday, August 16, 2012

د محمود ج الورفلي


يعتبر د محمود جبريل الورفلي ظاهرة فريدة في الحياة السياسية الليبية فهو تنقل من عضو بارز ومقرب في   اللجان الثورية  إلى مستشار للقذافي وبعدها رائدا ومروجا لمشروع  الغد لسيف القذافي. وبعد ثورة 17 فبراير دخل الحياة السياسية من أوسع أبوابها حيث قاد المكتب التنفيذي عن بعد طوال مدة التحرير، ثم استقال فجأة وتفرغ لحملة انتخابية لا يجوز له خوضها مباشرة فتحول إلى حصان طروادة في الإنتخابات الاخيرة حيث مر من خلال هذا الحصان أكبر عدد من أتباعه ومعجبيه إلى المؤتمر الوطني وأنفق من أجل هذا البرنامج الإنتخابي مصاريف باهضة لا يعرف الشعب الليبي حتى الآن قيمتها أومن أين أتت.
كل هذا دفعني للبحث في سيرة هذا الرجل البارز لمعرفة كنه ما حدث ولكي أعرفه أكثر عن قرب.



فكانت البداية مع بداياته الأكاديمية من خلال أطروحة الدكتوراه في السياسة الأمريكية تجاه ليبيا من 1969-1982م حيث تحصلت على نسخة منها مؤخرا وتفحصتها على أمل أن أجد بعض الإجابات لتساؤلات عديدة حول الصورة التي رسمتها وسائل الإعلام للسيد دمحمود ج الورفلي كخبير استراتيجيات عالمي والتي لم نر منها شيئا ملموسا أثناء مراحل التحرير.
         أطروحة الدكتوراه هذه تمثل خلاصة خمس سنوات من البحث والدراسة وفي العادة ترسم أطروحة الدكتوراه معالم شخصية كاتبها وتحدد توجهاته العلمية والبحثية، وفي هذه الحالة يتضح من المطالعة للكتاب الأتي:

أولا: التخطيط الإستراتيجي

لايوجد في الرسالة ذكر للتخطيط أو التخطيط الإستراتيجي على الإطلاق وبالتالي يتضح أنه لا علاقة له بهذه الرسالة أو موضوع الدراسة أو مجال الكاتب، وهذا يتناقض مع الحملة الإعلامية التي قدمته كأحد أهم مخططي الاستراتيجية في العالم؛ فهل كان الأمر كذبة إعلامية أم مقدمة لمخطط أكبر من هذا.

ثانيا: ذكر القذافي ومواقفه

ورد ذكر معمر القذافي في أكثر من اثنين وتسعين صفحة وهذا يعني أن شخصية معمر القذافي كانت المرتكز الفكري لهذه الأطروحة، فهي تتناول دور الإعلام في تحديد صورة القذافي والموقف العام منه. وعلى سبيل المثال في صفحة رقم 43 يصف د الورفلي تكوين فكر وتوجهات القذافي بانها اندماج لثقافتي وشخصيتي النبي محمد والزعيم العربي جمال عبد الناصر ولم يذكر الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وفي الصفحة 44 يتناول طرح بيرلا بيانكو للقذافي كصوت نبوي من الصحراء أو كنبي الصحراء.
وفي المقابل ذكر الكاتب هنري كسينجر سبع مرات، وذكر الملك ادريس مرتين مشيرا إليه بالملك الموالي للغرب متناسيا دوره المفصلي في تحرير ليبيا واستقلالها.

ثالثا: علاقة ليبيا بحركات التحرر ومناطق النزاع في العالم

ورد ذكر ليبيا وعلاقتها بمناطق التوتر من خلال ما يعرف بحركات التحرر المتعاونة مع القذافي والمرتبطة به شخصيا في أكثر من مئتي صفحة وشملت جميع القارات ومعظم حركات التحرر المعروفة بأساليبها الإرهابية.



على غلاف الكتاب ذكر الكاتب أنه كان دبلوماسيا سابقا واستاذا (بروفيسورا) سابقا بجامعة قاريونس والشق الاخير لم يثبت لدينا فهو لم يكن استاذا في هذه الجامعة قط قبل أو بعد حصوله على الدكتوراه ولم يباشر فيها العمل أصلا. و الادعاء بأنه كان استاذا سابقا في جامعة قار يونس غير صحيح ومخالف للأعراف العلمية فلا يعقل أن يكون شخص حديث التخرج بدرجة استاذ سابق في جامعة عريقة. فبعد تخرجه من جامعة القاهرة عمل محمود الورفلي في الوفد الليبي في الأمم المتحدة ثم تحصل على قبول اكاديمي من جامعة بتسبرق فصدر له قرار إيفاد من جامعة قاريونس حيث قضى في جامعة بتسبرق ثمانية سنوات في الدراسة، كما ثبت انه لم يكن استاذا بجامعة بتسبرق أو جامعة قار يونس خلال تلك الفترة أو بعدها.

رابعا: الاستنتاجات

وفي  استنتاجه خلص د محمود الورفلي إلى أن علاقة ليبيا بالإتحاد السوفيتي وتوتّر علاقة الاخيرة مع أمريكا كانت محدد العلاقة بينهما وقد غذاها الإعلام الأمريكي ورسمها. وهذا الاستنتاج لا تؤيده القرائن العملية فالولايات المتحدة واسرائيل استفادت من الأدوار التي لعبها القذافي في العالم بشكل مباشر.
 ولكن الاستنتاج الأهم من هذه الدراسة هو اهمية البروز الإعلامي ودوره في رسم صورة المنقذ او الزعيم التي استعملها السيد جبريل في حملة التحالف الانتخابية والتي أخلت بتكافؤ الفرص بين الكتل في الانتخابات الليبية الأخيرة ، بالرغم من تعهده في السابق بعدم استثمار ظهوره الإعلامي سياسيا، ناهيك عن تسخيره لمؤسسات المجتمع المدني في خدمة أغراض سياسية باقحامها في العمل السياسي بدل النشاط التوعوي المستهدف من وجودها.
       من خلال رسالة الدكتوره وطوال مدة دراسته كان الكاتب يبرز إنتمائه الورفلي بوضوح لدرجة أنه لم يعرف إلا بهذا اللقب وقد أشارت بعض الصحف الغربية لهذا، ولكنه مؤخرا استخدم لقب جبريل الذي عرف به وربما كان هذا الخيار لأسباب سياسية ومهنية بحتة كجزء من التسويق السياسي.

         وفي الختام لا يسعني إلا أن اطرح تساؤلات كبيرة عن اهداف هذا الرجل الحقيقية ومن يقف وراءه بدعم مالي لا ينضب وتحرك مؤسسي سخر طاقات الدولة واربك سير اعمال قطاعات كبيرة فيها من خلال نشاط أتباعه وحلفائه في داخل وخارج الدولة فهو يذكرنا بتصرفات وتحركات وأطروحات الطاغية لعنة الله عليه.

Thursday, August 9, 2012

متابعة تنفيذ القرارات


الســـادة المحــترمون / رؤســــاء الجامعـــات العامـــة         
تحية طيبة وبعد ،،،
     بالاشارة إلى العديد من مراسلاتنا ومحضر اجتماع مجلس الجامعات المطلوب فيها اتخاذ إجراءاتكم بشأن موضوع كل منها ، وإفادتنا بإجراءاتكم الفعلية بالخصوص – ومن أهم المطاليب فيها ما يلي :-
1)     استحداث مكتب البحث العلمــــي .
2)     استحداث مكتب خدمة المجتمــــع .
3)     استحداث مكتب إدارة المعلومات .
4)     إعــــادة النـــــــــظر في المناهج .
5)     تطــــــــــــــــويــــــــر الإدارات .
6)     تطوير المواقع الالكترونية (باللغتين : العربية والإنجليزية) .
7)   حصر الأجهزة البحثية بالجامعات ، وإعدادها في كتيب خاص – لتكون الجامعات على بينة منها وإمكانية الاستفادة منها .
8)     حصر المعيدين في جميع التخصصات .
9)     حصر المعيدين وأعضاء هيئة التدريس الذين تجاوزو ا سن الإيفاد .
10)وضع تصور لمناهج التربية الوطنية لطلاب مرحلة التعليم الأساسي ومناهج الثقافية الوطنية بمؤسسات التعليم الثانوي والجامعي والمعاهد العليا والكليات التقنية .
11)تفعيل مكاتب الجودة بالكليات الجامعية ، وإنشاء مجلس الجودة على مستوي الجامعة .
12)إنشاء مركز لدراسات الطفولــــة بجامعة طرابلــــــس .
13)إنشاء مركز للدارسات الرومانية بجامعة المــــــــرقب .
14)إنشاء مركز للدارسات الليبيــــــة بجامعة سبهــــــــــــا .
15)إنشاء مركز للدارسات الإغريقية بجامعة عمر المختار .
16)إنشاء مركز للتعريب ونقل العلوم بجامعة بنغـــــــازي .

عليـــه ،،،
     يطلب ،،، منكــــــم إفادتنـــــــا بإجـراءاتكم الفعليـــــــة بشـــــأن كل ما ذكر أعلاه . 
والسلام عليكـم


                                                     د. فتحي رجب العكاري
                                                    وكيـــل الوزارة لشؤون التعليم العالـــي



    

Wednesday, August 8, 2012

ذكريات من سجن أبوسليم



د الطاهر الصادق الشريف

هذه بعض الذكـــــريات فــي معتقــل أبو سليــــم، أكتبهــا تحت إصـــرار أخـــي العزيز فتحي رجب العكارى الحريص علي تسجيل حقبة الباغي القذافي، فقد طلب منى الأخ  فتحي في كل لقـــاء مــــعه كتـــابة مذكــراتي لتبقى ذكرى للأجيـــال القادمــــة. وها أنا أستجيب إلى طلبه . واسرد قصتي ..

أخي العزيز :
         تم اعتقالي في سنة 1984، مع مئات الليبيين في قضية جبهة الإنقاذ                     بعد أن وُجد اسمي ورقم هاتفي مع المرحوم أحمد إحواس. وتعود بي الذاكرة لسرد تفصيل هذا الاعتقال .
اليوم الأول
 في يوم الأثنين السابع من شهر مايو لسنة 1984، عند رجوعي من العمل بمركز البحوث النووية وكنت متعاوناً فيه ، حيث أن عملي الرسمي هو عضو هيئة تدريس بكلية العلوم جامعة طرابلس. وبعد تناولي وجبة الغذاء، دق جرس الباب  ، وبالسؤال عن الطارق تبين أنه شخص يريد معرفة عنوان أحد ساكني الحي، وعند خروجي من البيت وجدت شخصان لم أكن اعرفهما قد وقفا في الصف المقابل لمنزلي ، وقطعت الطريق وقمت بمصافحة الشخص الأول ، وبمجرد مصافحتي للشخص الثاني أمسك بيدي وقال أنا الرائد النعاس وعندي أمر بالقبض عليك، طلبت منه أن يسمح لي فقط بتبليغ الأسرة فرفض، وقام الشخص الثاني بتبليغ الاسرة بواسطة سماعة جرس الباب، وقال لهم خمس دقائق وسوف يرجع الدكتور، نحن جهة أمنية . ولكن تلك الدقائق استمرت أربع سنوات. سألت الرائد النعاس عن سبب أمر القبض ، فكانت إجابته" هل تحسبني خائن حتى أفشى لك السر، أنت تعرف شن عامل"، وكانت معاملته في غاية العنجهية والقسوة، وانطلقت بنا السيارة إلي مقر الأمن بشارع الجمهورية سابقاً ، وكانت الساعة حوالي الخامسة مساءً، ولما وصلنا إلى ذلك المقر كانت هناك حركة غير عادية وعدد المقبوض عليهــم في تزايد مستمـــر، ومـــن ضمـــن هــــؤلاء الأخ حسن نشنوش وهنا عرفت أن الموضوع يخص جبهة الإنقاذ. وبدأ السؤال عن الاسم  وعنوان السكن للتأكد من أن الشخص المقبوض عليه هو المطلوب فعلاً. وعلى تمام الساعة الحادية عشر ليلاً تم نقلي إلى سجن أبو سليم. وعند وصول السيارة إلى السجن كانت سيارة أخرى قد وصلت وكان بها بعض النساء تم القبض عليهن كذلك ..

وجدنا حارس على بوابة السجن قصير القامة بيده عصا غليظة أطول من قامته، كانت مهمته شتم وضرب الداخلين الى السجن كاستقبال ساخن ، وأعترف أنه قد أجاد دور الاستقبال بدرجة ممتاز. بعد ذلك تم وضعي منفرداً في زنزانة لايوجد بها نافدة أو إضاءةً .
كان لزبانية النظام الفاسد خطط مدبره حيث تأتى  كل  ساعة علي مدار اليوم مجموعة مكونة من اثنان وأكثر لتسجيل أسماء المعتقلين وشتمهم وضربهم  وكان القصد من ذلك زرع الخوف ومنع النوم عنا حتى ننهار أمام التحقيق .
اليوم الثاني
في مساء اليوم الثاني من اعتقالي فتح باب الزنزانة وقام الحارس بإلباس كيس قماش أسود على رأسي لمنعي من الرؤية، واقتادني إلى حجرة التحقيق، وفي الطريق كان الحارس يشتم ويضرب ويقوم بتوجيهي الى حائط أو باب حتى أصطدم به ،فأسمع عندئدٍ ضحكات بصوت عالي ، والله إنها السادية التي تربى عليها زبانية النظام ، وكنت أسمع صراخاً كلما اقتربنا من مكان التحقيق زاد الصراخ الصادر من شخص تحت التعذيب          مما يزيد في النفس رعباً وخوفاً. وصلت إلى مكتب التحقيق وهنا كان التسأول والتركيز عن نوع السلاح الذي أملكه ؟ وما هي الأوامر التي تم تكليفي بها ؟ والأماكن الإستراتجية التي سوف استهدفها ؟ . ورغم التهديد والوعيد ، الا اني  لم أتعرض إلى التعذيب الجسدي في هذه الجلسة. وأثناء التحقيق كان هناك محققون من السودان ومصر عرفت ذلك من لهجتهم. وبعد حوالي ثلاثة ساعات طُلب من الحارس إرجاعي الى السجن بنفس الطريقة التي أحضرني بها. قادني  الحارس الى   حجرة أخرى بها نافذة. واستمرت عملية الاستفزاز وعدم السماح بالنوم طوال فترة التحقيق الذي استغرق                عدة أيام .
اليوم الثالث
في اليوم الثالث فُتح باب الزنزانة، ثم دُفع بشاب يدعى /خالد ابن الشيخ         يحي معمر. ولقد حكى لي عن أحداث العمارة المشهورة التي حصلت في اليوم الثامن من شهر مايو 1984 التي لا علم لي بها. وعلمت أن مجموعة أفراد من جبهة الانقاذ دخلوا إلى باب العزيزية في سيارة جمع القمامة، وكان غرضهم اغتيال الطاغية المقبور القذافى، ولكن لم يتم النجاح لهذه العملية. فاحتمى الأفراد في عمارة بشارع النصر ، حيث حصلت واقعة العمارة المشهورة وقد استشهد  فيها بعض أفراد الجبهة.
 في اليوم التالي ليلاً، تم سحبي بنفس الطريقة  السابقة إلى التحقيق للمرة الثانية. وكــــان في استقبالى كـــلب النظـــام السابق الهــــالك العقيـــد خيري خالد والمجــــرم خليفة حنيش، الذي كان متخصصاً في شتى فنون التعذيب، فقد قام بضربي و جعلني مثل كيس الملاكمة. وتحت التعذيب اعترفت أني أتبع جماعة التبليغ، لأنها كانت أقل ضرر في ذلك الوقت وغير مطلوبة من النظام. وفي نهاية جلسة التحقيق مع المتخلف الهالك خليفة حنيش الذي لم يتحصل مني علي أي معلومات عن المعارضة في أمريكا، طلب من أتباعه عبدة الطاغوت القيام بالواجب معي حتى الاعتراف أو الموت .
لم أتصور انه يوجد أُناس بهذه القسوة أبداً. لقد استجابوا الزبانية لطلب                المجرم // حنيش وبدت رحلة العذاب، وكان أول أنواع العذاب الفلقة المعروفة. ولقد سبق لي أن تحصلت علي فلقة في الكتًاب من الشيخ، ولكن في أبوسليم كانت الفلقة من نوع أخر لم تتوقف إلا بعد أن انفصل جزء من إصبع قدمي، وأصبحت الدماء تسيل،            هنا فقط توقفت الفلقة. ودخل نوع ثاني من العذاب وهو الركل بالأقدام حتى تم كسر ضلوع القفص الصدري الأيمن. بعد هذه الجلسة جاء رجل الاسعاف لوقف نزيف الدم من قدمي . وقد قام هذا المسعف وهو في غاية السعادة برش إصبع قدمي من علبة مبيد حشرات ، وهو يقول انه أفضل اكتشاف توصل إليه لوقف النزيف. أما بالنسبة لضلوعي المكسورة قال المسعف أنه لا يوجد علاج لها حتى خارج السجن سوى الراحة. وبعد هذه الجلسة الساخنة تم سحبي إلي الزنزانة مرة أخرى .
بعد يومين من الجلسة الثانية تم اصطحابي الي التحقيق بعد وضع كيس على رأسي كالعادة حتى لا أتعرف علي المحققين. وفي الطريق إلي مكتب التحقيق قام مرافقي بضربي بواسطة هراوة علي ضهري مم سبب لي ضمور في عضلة الكتف التي أعاني من آلامها إلي الآن. وفي حجرة التحقيق في هذه المرة كان التركيز علي السلاح ،            وما هي الأهداف التي تم تكليفي بها؟ .وبعدها انتقل التحقيق  إلي ما هي علاقتي بالمرحوم احمد احواس؟ .وكانت هذه الجلسة مساءً. وبنفس طريقة الإحضار كانت عملية الارجاع الى الزنزانة ضرب وشتم واهانة. وتم إرجاعي إلى زنزانة أخرى.
    في اليــــوم التالي فُتح باب الزنزانــــة ودُفع بشاب اسمــه خالد الفيتوري،        والأستاذ محمد فنوش. كانت تهمة الاخ خالد ان عمه ظابط فى الجيش انشق عن النظام وانضم إلي المعارضة. أما تهمة الأستاذ محمد أنه أخ عبد البارى عمر فنوش الذي تم إعدامه في شهر رمضان الكريم بتهمة الانضمام الى جبهة الانقاذ.

كانت الجلسة الرابعة قبل شهر رمضان المبارك صباحاً وفي هذه الجلسة تعرضت إلى شتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي. وكما هو الحال في كل مرة يتم إرجاعي إلى زنزانة مختلفة. لم أعرف سبب ذلك ؟.
كــانت الجلســة الخامســـة ليلاً مع اللجنة العليا للتحـــقيق بقيــادة المجرم عبد النظام العقيد خيري خالد. هذا المجرم عاش طوال حياته في السجن لخدمة سيده .ويكفيه إخلاصاً إن أبوه اللواء نوري خالد من رجالات العهد الملكي، مات فى السجن السياسي، وكان المجرم خيري خالد هو آمر السجن أنذاك . وذلك حتى يرضى عنه الطاغية. ولكن كيف كانت نهايته. لقد عاش طوال حياته وهو يرعب عباد الله، ويتفنن في أساليب التعذيب منها استخدامه الكلاب البوليسية. أين هو الان؟.
وبعد هذه الجلسة لم استدعى للتحقيق إلا بعد أربعة سنين .
لقد مكثت في الزنزانة لمدة أربعة سنوات لم أخرج منها حتى للساحة، إلا يومين قبل خروجنا من السجن .

نحن نعيش في عالم به أبعاد للزمان والمكان. لكن في أبوسليم توقف بنا بعد المكان، وبقى بعد الزمان، واستمر هذا البعد وحده مما يسبب العذاب النفسي العظيم. وبقيت في ثابت المكان لمدة أربع سنوات. ولم أجد أمامي سوى الانتظار الرهيب.
رمضانيات
كانت الشائعات تدور بأنه سوف يُفرج عنا في شهر رمضان الكريم. وكُنا ننتظر قدوم شهر رمضان بفارغ الصبر، وجاء الشهر الكريم ونحن لا زلنا في السجن، واعتقدنا لعل المعاملة تتحسن في هذا الشهر، ولكنها زادت قسوةً وعنفاً. ومارسى علينا حملة تجويع لا استطيع وصف هذا النوع من العذاب إنه اشدُ ألماً من العذاب الجسدي. لقد كانت وجبة الإفطار عبارة عن مرق في صحن صغير فقط وقطعة خبز، وفي السحور نحصل علي صحن صغير يوم رز والأخر مكرونة ، وهذا كان  نظام الأكل طوال فترة السجن. وعند طهي الأرز أو المكرونة باللحم نعرف أنه يوجد حالة طوراي لأن الجنود سوف يتناولون     الأكل معنا.

أخي العزيز :
بعد انتهاء التحقيق تم إعادة توزيعنا فأصبح في كل حجرة من حجرات السجن 14 شخصاً  وكانت حجرتنا بها الإخوة :
1- المرحوم الشيخ  حميده الحامي وهو كفيف وعمره كان  67 سنة عند اعتقاله مدرس قرآن وحاصل علي شهادة الماجستيرفي اللغة العربية، تم تعذيبه وآثار التعذيب بقت في قدماه الى غاية وفاته ،هاجر الشيخ الى كندا بعد خروجه من السجن .
2-الشيخ سعود المنصوري - حاصل علي شهادة بكالوريوس رحمه الله قضى 17سنة في السجن.
3- د.سمير الاطرش  -طبيب بيطري.
4- د.حسن شوبار - رحمه الله - طبيب بشري.
5- د.أمحمد الفورتيه طبيب بشري.
6- الشيخ محمد البركولي - رحمه الله.
7- المهندس عبدالله بن عبدالله - بكالوريوس هندسة.
8- الشيخ حسين شعبان تاجر.
9-مسعود القبلاوي - ضابط أمن.
10- خالد أبوعلي - بكالوريوس تجارة.
11- ناصر خليف - طالب جامعي - رحمه الله.
12- على بن عمران - طالب جامعي .
13- على المقدمي - مهندس.
14- الطاهر الصادق الشريف - دكتوراه فيزياء.
وتوجد بالحجرة  أسرّة من طابقين فكانت مساحة بسيطة نتحرك فيها. حيث كانت أبعاد الحجرة 6*5متر مربع. وحصلت حادثة في العنبر الذي يحوي 14 حجرة، وذلك أن احد الإخوة عند دخول وقت صلاة الضهر قام برفع الآذان مما أثار حفيظة زبانية النظام، فاقتحموا الحجرة وقاموا بضرب الاخوة في تلك الحجرة، فصاح احد الإخوة فيهم             وقال لهم يا يهود. هنا تم معاقبة كل العنبر برفع جميع الاسرّة، وتم وضع الفرش على الأرض مباشرة وأصبحت الحجرة لايوجد بها مساحة فارغة نستطيع أن نتحرك فيها             إلا في وقت الصلاة حين يتم رفع الفرش للصلاة .
أخي هذه بعض الذكريات سوف أكتب اليك عن تفاصيل بعض الأحداث.
والسلام عليكم  ...