Sunday, August 21, 2011

صفحات مطوية من تاريخ مأساة ألقذافي ليبيا

بعد بروز عبد السلام جلود على شاشات الجزيرة وخروجه من عزلته و صمته بعد أن حرره ثوار 17 فبراير، و خوفا من نسيان الماضي و تناسي حجم الخداع الذي مارسه ألقذافي و رفاقه على الشعب الليبي و خوفا من طوابير المطبلين و المزمرين الذين يبحثون عن صنم يستظلون بظله بين صفوف الثوار رأيت الحاجة إلى فتح صفحات مطوية من مأساة ليبيا.
 و أنا رغم ترحيبي بخروج جلود أرى أنه من الضروري أن يعتذر علنا  و يعترف بالجرائم التي شارك فيها و أن يعلن استعداده لرد الحقوق و تحمل المسئولية القانونية عن كل أعماله و يطلب العفو و يترك الساحة للثوار و لا يبخل عليهم بالنصيحة و المعلومات التي يعرفها.
فعبد السام جلود كان يعتبر نفسه الرجل الأول مكرر وقالها بنفسه في عدة مرات و هو شريك كامل الشراكة في ما حدث من اغتيالات و تصفيات للضباط و السياسيين و هو مؤسس الاتحاد الاشتراكي و مؤسس اللجان الثورية و لن ننسى له هجومه على جامعة طرابلس و إطلاق الرصاص فيها.
و لكي يعرف شباب 17 فبراير حقيقة ألقذافي و رفاقه رأيت أن اعرض عليهم بعض صفحات من كتاب عبد الناصر و ثورة ليبيا لرجل المخابرات المصري فتحي الذيب و الذي لعب دور الذيب في قطاعات الجيش الليبي و 
ساهم في تدمير ليبيا.




و أهم درس نأخذه من هذا السرد الدقيق أن الطيبة وحدها لا تكفي و أن المراقبة الشعبية الواعية ضرورية لكي لا
 تسرق الثورة ، كما يجب ان لا نترك الساحة للإقصائيين أو ضعاف النفوس.
 يجب على الثوار إزاحة كل من يحاول التفرد بالقرار أو بالسلطة كائنا من كان. دولة المستقبل بحاجة إلى علم و خبرة و حزم و متابعة مستمرة، فدور الثوار و قادة الفكر الثوري هو استباق الأحداث، و تأمين المسيرة كي لا تنحرف مثل ما حدث في السابق و نتحول من حكم عائلة ألقذافي إلى حكم قبيلة أخرى.

Thursday, August 18, 2011

صفحة من جهاد طرابلس


              لقد تعودت طرابلس عبر تاريخها على تلقي الصدمة الكبرى في كل المعارك التي خاضها الليبيون فهي تمثل قلعة الوطن إذا سقطت سقط الوطن و إذا تحررت ينعم الوطن كله بالحرية. و قد بدأ الإيطاليون غزوهم بطرابلس ثم منها انتشروا في ربوع ليبيا، و لكن نسق الحياة في طرابلس سريع و قد تتابع الأحداث و لا يذكر الناس الوقائع و لا نجد الكثير عن ما حدث فيها و بالتأكيد دارت معارك فيها و اشهرها معركة الهاني و معركة قصر بن غشير. و عند ذكرها نذكر ميدان الشهداء حيث تم إعدام العديد من أبطال طرابلس، كما يجب أن لا ننسى المئات من الشهداء الذين سقطوا في شوارع طرابلس في اللحظات الأولى للغزو و لم يذكرهم أحد، فالقتال دار زنقة زنقة و بيت بيت.
 في هذه الأيام ما أحوجنا إلى أخبار الأجداد أيام الجهاد كي نستخلص العبر و الدروس. و في هذه الصفحة نتحدث بعجالة عن أحد أبطال الجهاد في مدينة طرابلس ألا و هو المجاهد سالم أزوييليمة.
سالم إزويليمة
ولد سالم أزويليمة في قصر بن غشير و هو ينتمي إلى قبيلة عكارة. كان سالم ميسور الحال غنيا و كان شهما كريما و فارسا شجاعا لا يرضى بالذل لبلده أو أهله، كما كان مسموع الكلمة بين أبناء قصر بن غشير. و عند ما غزت إيطاليا ليبيا كان من أوائل من لبى نداء الجهاد فشارك في معارك عديدة منها معركة الهاني و معركة قصر بن غشير و معركة زوارة و معركة القرضابية.
 و كان من أقرب الثقات إلى المجاهد الكبير رمضان السويحلي الذي كان ينزل بقصر بن غشير كلما زار طرابلس.
 و في يوم زوارة أنشد أحد الشعراء الشعبيين أبيات في تخليد شجاعة سالم فقال:
يوم زواره
يوم فيه التفاح الشين
 وين الجار يخلي جاره
سالم يضرب بالوجهين
 فوق فرس مختارة
و سرج مكلف بالبارة
فرس سالم
      أتى بهذه الفرس الحاج محمد إزويليمة من المغرب مهرة، و كان يتاجر بين المغرب و الإسكندرية. و تتميز هذه الفرس بتناغمها مع فارسها سالم عند ركوبه عليها و عند ما يبدأ في إطلاق النار. فعند الركوب تخفض ظهرها كي يصعدها بسهولة و كان سالم قصير القامة، أما عند الرمي فتسوي ظهرها و تنخفض قليلا كي يصيب هدفه بدقة كما كانت سريعة عند السباق. و في إحدى زيارات المجاهد الكبير رمضان السويحلى لقصر بن غشير تسابق مع سالم في وادي المجينين بقصر بن غشير و سبقت فرس سالم حصان رمضان. و أعجب رمضان بالفرس و طلب منه أن  تكون له، فقال له سالم: إنها موقوفة للجهاد، فرد عليه رمضان: هي لما أوقفتها له، لتبقى عندك تعينك في جهادك. و من المعروف أن المجاهد رمضان السويحلي كان ينام في بيت سالم إزويليمة كلما أتى إلى طرابلس.
و مما يذكر عن هذه الفرس انها وجدت ميتة في مربطها منخنقة برباطها عند ما أسر سالم، و بذلك لم يركبها أحد بعده.
 و بهذه المناسبة لا زال أبناء عكارة و قصر بن غشير يعشقون ركوب الخيل الأصيلة و يبرزون في ساحات السباق في أطراف طرابلس.
مواقف في حياة سالم
  - في إحدى المعارك أسر سالم ضابط إيطالي و لكن بعد أن ابتعد عن أرض المعركة أخذته شفقة بهذا الضابط فأطلق سراحه، و هنا يتجلى العفو عند المقدرة.
  - في أحد الأيام سمع صياح امرأة ليبية وقعت في الأسر عند بعض جنود الطليان من المصوع، فخرج بمفرده و أخذ يهاجمهم من عدة مواقع ليوهمهم بوجود عدد من المقاتلين ثم اغار عليهم بعد ما قتل عدد منهم و انتشل المرأة من ذراعها و حملها على فرسه و هرب بها. و هذه المرأة تعرف بالدرعية و قد نذرت في حياتها أن لا تزغرد إلا لعكاري، و كانت كلما مر عليها أحدهم تزغرد إكراما لبطولة سالم إزويليمة الذي أنقذ حياتها و أنقذ شرفها.
  - في يوم صلح سواني بن يادم قرر سالم أن يكون غداء كل المجاهدين عند قبيلة عكارة و كان عددهم بالألوف و قد جاءوا من مختلف مناطق غرب ليبيا و تحمل هو معظم التكلفة و كان ذلك في أرض الرحايمية أخواله.
   - عند ما وقع في الأسر و حكمت عليه المحكمة بالإعدام قال له القاضي ما هي أمنيتك، فرد عليه: كنت أتمنى لو قابلتكم أنتم في المعركة و ليس الشباب الصغار. و هنا يجدر بنا أن نذكر أن الضابط الإيطالي الذي عفا عنه سالم شفع فيه بعد أن رأى الحكم و طلب تحويله إلى مؤبد فكان ذلك.
  - حكمت المحكمة بمصادرة أملاك سالم إزويليمة و التي تقدر بالملايين بأسعارنا الحالية. فكانت تشمل ذهبا و حوالي ألفي رأس من الأغنام و حوالي خمسمائة جمل و حوالي أربعمائة راس من البقر و أراضي و مزارع في مناطق من طرابلس. و بعد خروج الطليان اقترح عليه بعض الناس أن يطالب باستعادتها أو طلب التعويض عنها، فقال: لقد ذهبت في سبيل الله و لن أطلبها و لن أقبل فيها تعويضا، إنه إخلاص النية لله.
  - تنقل سالم بين المعارك من ألهاني إلى قصر بن غشير ثم إلى زوارة ثم  إلى القرضابية في نسق وطني  لا يعرف حدود و لو لم يقع في الأسر لذهب لمساندة شيخ الشهداء عمر المختار، فالليبي الحر لا يعرف للوطن حدود إذا ما دعا داعي الجهاد و قد ذهب بعضهم إلى فلسطين مجاهدا عند النكبة.
        و في الختام ندعو الله أن يتقبل شهدائنا في كل زمان و في كل مكان، و أن يجعلنا خير خلف لهم في ساحات الوغى و أن يختم لنا شهر رمضان بعيدين، عيد الفطر و عيد النصر.

Tuesday, August 9, 2011

عند ما تنتصر الثورة في قلوبنا

تفجرت الثورة الليبية في 17 فبراير و بتوفيق من الله حققت انتصارات عظيمة على الأرض الليبية و هي الآن تزحف نحو العاصمة و كل يوم تزداد قوة، و لقد التف حولها معظم الناس بلا تردد و لكن كثير من بقايا الذل و الخوف لا زالت تعشش في النفوس و المثل يقول " الملدوغ يخاف من الحبل". فلا زال الناس يرددون مقولات الطاغوت و يخافون من بشائر النصر بطريقة غير مباشرة.
فالثورة قامت لتحقق الحرية على أرض الواقع، و الحرية أنواع و أولها الحرية الشخصية في اختيار ما يراه المرء مناسبا له و اتخاذ القرار السليم في ذلك و منها اختيار الموقف السياسي الذي يقتنع به. و هنا تبرز رواسب العقود الأربعة فكثير من الناس لا زال يخاف من اتخاذ القرار، فلا يريد الحزبية و لا يريد الأحزاب بل ويتهم من يدعو إليها بأنه يريد أن يسرق منه نصيبه في الثورة أو يسيطر على مجرى الأحداث. و لقد شارك في زرع هذه المخاوف الحكام و شاركهم في هذا العديد من شيوخ المساجد على جهل في تهويل أخطار الحزبية و محاربتها.
الحزب في حقيقته تجمع لعدد من الناس لهم رؤى متقاربة في العديد من المواقف و ليس بالضرورة نسخة واحدة و متطابقة من الآراء و المواقف فهو ليس إله جديد و إنما وسيلة قد تتغير مع الأيام.
 و لقد وصف الله سبحانه و تعالى في كتابه فئات من البشر بلفظ حزب الله كما وصف نقيضهم بلفظ حزب الشيطان، و كان في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم أعظم فئتين في تاريخ الإسلام ألا و هما المهاجرين و الأنصار فما ضرهم التمييز بينهم بمواقف أو أعمال قاموا بها. و عند وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم تفاوض قادة المهاجرين و الأنصار في من سيخلفه و قرروا الاتفاق على سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
 و الحزبية لا تفرق الناس و ليس مطلوبا أن يكون كل الناس في أحزاب و لكن النخب المثقفة و النشطاء من المواطنين يلتقون في أحزاب و كل حزب يطرح برنامجه السياسي و الناخبون يختارون ما يصلح لهم من البرامج لمرحلة معينة ثم لهم الحق في التغيير بعد ذلك.
و المشكلة عندنا لا تكمن في الحزبية و لكن في عقدة الخوف من التآمر على مصالح الناس و سببها عقدة الأنا، فكل واحد فينا يريد أن يكون حاضرا في كل شيء و هذا لا يمكن، فعلينا أن نثق في المواطن و خاصة إذا اجتمع منهم مجموعة فكل واحد له الحق في المشاركة و هو مؤتمن على الوطن. وهذا لن يحدث حتى تنتصر الثورة في قلوبنا و نهزم الخوف من المجهول و نتعاون في بناء المستقبل.
ثم يأتي دور حرية التعبير و هي من الحقوق الأساسية للإنسان، و لكن بشروط و أهمها  أن لا يعتدي المرء على حقوق و خصوصيات الآخرين، و لكي يتمكن الآخرون من الدفاع عن أنفسهم أو حماية حقوقهم فيجب على من يكتب أو يتحدث أن يظهر معلوماته الشخصية. فلا يجوز الكتابة لعامة الناس باسم مستعار بل في بلاد الحريات يطلب من صاحب الرأي أن يوضح اسمه و عنوانه لكي تنشر له الصحيفة رأيه. و عند التعليق يجب الالتزام بمناقشة فكرة أو رأي الكاتب و ليس الهجوم عليه شخصيا و الطعن فيه بل قد تتحول الردود إلى معركة جانبية في مواضيع لا علاقة لها بالمقالة.
 لماذا نفترض سوء النية و لا نقبل الرأي و الرأي الآخر بصدر رحب، كل هذا سوف يتغير إذا تساوى المواطنون في عقولنا و لن يحدث هذا حتى تنتصر الثورة في قلوبنا.
بعد ذلك يأتي الاختلاف في المواقف السياسية و هنا تبرز مشكلة تقبل الرأي الآخر و تقبل النقد، فالبعض يعتقد أنه إسلامي أو محافظ و البعض الآخر يرى في نفسه تقدمي أو علماني و يلعب سوء الظن بالرؤوس و نتحول إلى أعداء داخل قلوبنا بالرغم أننا نتصافح و نلتقي أمام الناس و السبب الرئيس في هذا هو أننا لا نجيد الحوار الأخوي و بعضنا يلجأ إلى الحوار المسلح قبل أن يفهم.
 كلنا ليبيون و من أصول واحدة، ديننا في العموم واحد و لغتنا الأم واحدة و عاداتنا واحدة فلماذا لا نتصرف بخلق رفيع و نحترم الاختلاف، ففي الشعوب الحرة يعيش العديد من الأديان و المذاهب و اللادينيون في سلام و وئام. بالتأكيد هذا سيحدث إذا انتصرت الثورة في قلوبنا و أصبحنا نحب لأخوتنا ما نحبه لأنفسنا، و لا نرضى لأخوتنا بأقل مما نرضاه لأنفسنا من حقوق.
و في الآخر كيف سيكون موقفنا ممن وقف ضدنا من أبناء وطننا و قاتلنا، فبعد أن تسكت المدافع و يسكن الرصاص في المخازن يجب عاينا أن نتصالح مع من قاتلنا بالأمس بسبب أو بدون سبب و بعلم أو بدون علم. و هذا هو التحدي الأكبر عند ما ننجح في إثبات قدرتنا على العفو و قدرتنا على التسامح و تأكيد حق كل ليبي في العيش بكرامة إنها رسالة الثورة و الثوار فنحن لا نقاتل من أجل أنفسنا فقط و لكن من أجل سعادة الجميع في هذا الوطن. صدقوني لن نستطيع إقناع إخوتنا بسلامة مواقفنا إذا لم تنتصر الثورة في قلوبنا و نتحول إلى دعاة للحرية و الكرامة لكل مواطن ليبي.
 و بعد النصر يجب علينا أن نعمل بكامل جهدنا لتوفير حياة أفضل لكل طفل و طفلة في ليبيا و مستقبل أفضل لكل شاب و فتاة في ليبيا  و ذلك عند ما ندوس على جراحنا و نتسامح و يغفر بعضنا لبعض عند ما تنتصر الثورة في قلوبنا و ذلك هو النصر العظيم.

Sunday, August 7, 2011

مارد القلعة... من أبطال 17 فبراير

    القلعة هي إحدى مدن جبل نفوسة و تقع بين ككلة شرقا و يفرن غربا، و من اسمها يفهم المرء أنها حصينة فلا يطلق اسم القلعة إلا على مكان حصين بطبيعته و لا تصل إليه أيدي الأعداء بسهولة . في القلعة ولد هذا المارد بعد انقلاب أيلول الأسود و عاش ظروف التجهيل و التهميش و الإهمال فدارت به الأيام لينتهي في السجن أثناء تفجر ثورة 17 فبراير و لهذا لم يشارك فيها في أيامها الأولى.
 مارد القلعة شاب أمازيغي بعروق زنجية ولون بشرته يدل على ذلك و لكنه يحمل في قلبه روحا ليبية حرة أبية لا ترضى الضيم و عزيمة قوية لا تلين في مواجهة الأخطار و صدق رسول الله عند ما قال "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام" فهذا المارد كان شديدا أيام الطاغوت و تحول إلى بطل مع هبوب رياح الثورة المباركة. و عند ما قام النظام الفاسد بإطلاق سراح جميع السجناء بعد قيام الثورة لعلهم يساهمون في ترويع الشعب مع كتائب الشيطان أطلق سراح هذا المارد فاختار أن ينحاز إلى جانب المحرومين و المظلومين من أبناء وطنه فالتحق بكتائب الثوار و انضم للثورة و شارك في المعارك كمقاتل ثم كقائد منطقة ككلة و القلعة و يفرن و خاض المعارك جبهة جبهة و قرية قرية و زنقة زنقة.
 بدأ الثوار بعتاد قليل و تمكنت كتائب الشيطان من الاستيلاء على ككلة و نصف يفرن و قامت بحصار القلعة ستة و خمسين يوما كان الثوار يقاومون مقاومة بطولية رغم قلة السلاح و الرجال. و في تلك الفترة قام الثوار في الزنتان بإمداد إخوتهم في القلعة بالسلاح و تم توصيل الصواريخ المضادة للدبابات و الأسلحة و الذخيرة على ظهور الحمير بين الجبال الوعرة. و كان الثوار يحصلون على تموينهم من بيوت القلعة، فعند ما غادر أهلها إلى تونس تركوا تموينهم و أغنامهم تحت تصرف الثوار و بهذا تمكن الثوار من العيش تحت الحصار. وفي تلك الفترة كان المارد يقود كتيبة بها حوالي 400 من رجال الجبل و هم خليط من الأمازيغ و العرب من عدد من القرى و المدن المجاورة. و نجحت هذا الكتيبة في قتل و اسر عدد من كتائب الشيطان بينهم ثلاثة برتبة عقيد و تم أسر ضابط برتبة عميد و آخر برتبة عقيد مع عدد من الجنود.
حاول الثوار فك الحصار بطلب العون من بقية المناطق لكن كتائب الشيطان حاولت تحطيم جبهات الثوار في الرياينة و العوينية و زاوية الباقول كي يتم عزل المناطق عن بعضها البعض و استردادها واحدة تلو الأخرى. حاولت الرياينة و زاوية الباقول فك الحصار فلم ينجحوا.
 وصلت أنباء إلى الثوار في القلعة عن وصول سيارات تحمل ذخيرة لككلة للكتائب تم وضعها داخل مركز الشرطة في ككلة، فقام الثوار برسم خطة للهجوم على مركز الشرطة بككلة و قاموا بمحاصرة المركز و تمكنوا من الحصول على الذخيرة و على سيارات و غنائم أخرى و بعد ذلك تمكنوا من تحرير ككلة بالكامل و اسروا مجموعة كبيرة من كتائب الشيطان. و بعد ذلك قرروا الهجوم على يفرن فقاموا بمهاجمتها عند الساعة الثانية ظهرا و تمكنوا من تحريرها بفضل هجومهم المفاجئ و شجاعة المقاتلين فليس من المعتاد الهجوم عند الظهيرة.
      بعد ذلك نزل الثوار من جادو و شكشوك و الرجبان إلى قصر الحاج و نزل ثوار الزنتان إلى بوابة بير عياط و بذلك تم تأمين الطريق السفلى تحت الجبل و التحمت الجبهة على طول 40 كم و اشتعلت الجبهة من الزنتان إلى ككلة و تم دحر جيوب الكتائب و تحررت العوينية و فتحت الطريق إلى طرابلس.
 كان هذا موجز لما وصفه لي أحد الذين شاركوا في هذه المعارك و التقيت به في تونس ، و نحن الآن بانتظار تطورات جوهرية حول طرابلس و بداخلها تمكننا من القضاء على آخر معاقل الطاغية و كتائبه و بذلك يكون النصر الكبير بإذن الله في القريب العاجل.

هل نحن نستحق كل هذه التضحيات؟

في الثمانينيات من القرن الماضي كان لي صديق عسكري في الجيش الليبي يحمل رتبة عقيد، و كان يتمتع بخلق رفيع و استقامة و كثيرا ما كنا نتحدث بأسلوب التورية عن الأوضاع في ليبيا و ذات يوم أظهرت له حاجة الوطن إلى التضحية في كل وقت. ففهم ما أقصد و رد علي فقال: يا دكتور أنا والدي قال لي كلمة لن أنساها أبدا: الشعب الليبي لا يستحق التضحية.
 عندها فهمت ما قصد و تجنبت  الحديث معه في مثل هذا الموضوع، و الآن و بعد حوالي ستة  اشهر من تفجر الثورة الليبية و سقوط عشرات الآلاف من الشهداء و أضعاف هذا العدد من الجرحى و المصابين طرحت هذا السؤال على نفسي: هل نحن نستحق كل هذه التضحيات؟
في 17 فبراير تفجرت ثورة الشعب الليبي دفاعا عن النفس في وجه القمع الوحشي لكتائب الشيطان يوم خرج الناس بطريقة سلمية يطالبون بالكرامة للمواطن و العدالة لضحايا أبي سليم و الدستورية لليبيا. و كان بالإمكان أن تنتهي الأوضاع مثل سابقاتها في السنين الماضية و يتم وأد التحرك في مكانه و لكن الله سبحانه و تعالى استجاب لدعاء الثكالى و الأرامل و الأيتام و المساجين على مدى أربعة عقود ففتح أبواب جنانه للشهداء و كأني بالسماء و قد ملئت بالملائكة و هي تستقبل أرواح الشهداء و تلبسهم أكاليل الشهادة و تدعو لنا بالانتصار. فهؤلاء الشهداء هم من كسر حاجز الخوف و لبى نداء الله و نداء الوطن و هم المنتصر الحقيقي في هذه الثورة، أما الأحياء فقد تدور برؤوسهم الدنيا و يعودون لضلالهم إلا من رحم ربي. و في الوقت الذي اندفع فيه الثوار لمواجهة كتائب الشيطان و لا زالوا يتحركون من موقع إلى موقع و من خندق إلى خندق باتجاه طرابلس بدأ المتسلقون و أصحاب المصالح و النوايا الشخصية و الوصوليون في ركوب الموجة و بأشكال مختلفة و بالتالي بدا الرماد يلون مسيرة مشاعل الثوار باللون الأسود. و كأننا نعيش مقولة" الحاج موسى هو موسى الحاج"، برزت قيادات وطنية نظيفة و لكنها محاطة بطبقات من رجال الطاغية و ابنه فهل نكون بهذا وفينا حق دماء الشهداء فعلا.
الثوار على كل الجبهات يواجهون الموت و يطلبون الجنة في صبر و ثبات و طوابير المتفرجين و المنشقين يبحثون لأنفسهم عن مواقع في هرم السلطة الجديدة. و الخطر الأكبر يكمن في العناصر التي تحمل السلاح في شوارع المدن المحررة بدل أن تتوجع به إلى الجبهات أو المجموعات المخترقة و العميلة للشيطان التي تتحرك تحت ستار الثورة، و تجار السلاح و الباحثين عن الغنائم الشخصية من أسلحة و سيارات و قد يجر الطمع بعضهم إلى سلب ممتلكات الشهداء و الجرحى، أو الذين يستغلون الأحداث للانتقام و تسوية حسابات شخصية قديمة. و أضف إلى هؤلاء دور المحبطين الذين لا يتحملون أي جزء في الصراع و لكنهم يتذمرون لأتفه الأسباب أو يشككون في النوايا بحجج واهية و لا يريدون دفع ثمن الحرية مع بقية الشعب، ناهيك عم من يبحث عن مصالحه مع الطاغوت و يدافع عن سفينة غرقى لا محالة. قد نختلف معهم و لكننا لا ننسى أنهم أخوة لنا في هذا الوطن و لهم علينا حق النصيحة، فمتى يستفيقون من سباتهم و ينتبهون لمؤامرات الطاغوت.
الكثيرون منا خرجوا في المظاهرات و هتفوا بشعارات الثورة و أغلاها" دم الشهداء لن يضيع هباء" و لكن ماذا فعلنا لتحقيق هذا العهد لشهدائنا. و كيف نبرهن على أننا نستحق كل هذه التضحيات.
الوفاء لدم الشهداء يعني الالتحام بالثورة و الدفاع عنها و الاستعداد لتطوير و تحسين الجهود المبذولة.
الوفاء لدم الشهداء يعني الالتفاف حول المجلس الوطني و دعمه بالخبرات و العمل على تطوير و تحسين أدائه.
الوفاء لدم الشهداء يعني الدفاع عن مبادئ الثورة في الحرية و الكرامة و العدالة و المساواة في كل لحظة و في كل موقع.
الوفاء لدم الشهداء يعني وضع الرجل المناسب في المكان المناسب و الاستعداد لاستبعاد من يخطئ أو يحاول أن يستفيد أكثر مما يفيد.
الوفاء لدم الشهداء يعني تأدية الواجبات قبل المطالبة بالحقوق، فكيف نطلب من الثوار الموت في الجبهات و نحن نقصر في أداء أعمالنا في القرى و المدن المحررة.
الوفاء لدم الشهداء يعني تحويل الشعارات إلى حقيقة و نبذ الفتن و الانقسامات.
الوفاء لدم الشهداء يعني وحدة الصف و تماسك الجبهات في كل موقع و الاستعداد للتضحية.
الوفاء لدم الشهداء يعني التصرف بحكمة و مسئولية و عدم استغلال الظروف و تجنب الإسراف فالمعركة قد تطول و عندها سنفتقد كل رصاصة لعبنا بها.
الوفاء لدم الشهداء يعني احترام القوانين و خاصة التي تحمي حقوق الآخرين فيجب أن لا نعتدي على حق أحد فذلك يعني ردة عن مسار الثورة.
الوفاء لدم الشهداء يعني الانتباه لأخطار المرحلة و اليقظة في مراقبة الغرباء و المشبوهين في كل مدينة تحسبا للاختراق من طرف كتائب الشيطان.
الوفاء لدم الشهداء يعني رعاية أبناء الشهداء و الأرامل و المصابين و تقديمهم على أنفسنا في كل شيء.
الوفاء لدم الشهداء يعني الاستعداد للتضحية بالتدرب على حمل السلاح و تجهيز المقاتلين و رفع الروح المعنوية للمواطنين بنشر الأمل في النصر و محاربة الإشاعات المغرضة.
لقد دفعنا ثمنا كبيرا و ليبيا تستحق هذا الثمن و الحرية تستحق هذا المهر و مشوارنا لم ينته بعد فنحن لا زلنا نحتاج إلى تضحيات أكبر لاستكمال التحرير لكامل تراب الوطن، فعلينا أن لا نضيع ثمرة هذا الكفاح و علينا الوفاء لدماء الشهداء و ليكن شعارنا" الوفاء الوفاء لدماء الشهداء"و لعشرات السنين.

Sunday, July 17, 2011

رسالة الشباب في ليبيا المستقبل


لقد أظهر شباب ليبيا في كل المناطق بالداخل و الخارج خلال الشهور القليلة الماضية مدى جودة معادنهم الأصيلة و في عدة أشكال من قدرة على التضحية بالنفس  أو المال أو الجهد أو الوقت في سبيل إنقاذ البلاد من الطاغية و أزلامه و هذا الكلام ينطبق على الشباب و الفتيات على حد سواء.
 إن الذين واجهوا آلة الحرب و الموت من أول يوم و حتى هذا اليوم هم شباب ليبيون ولدوا و عاشوا في ظل نظام جائر حرمهم أبسط مقومات الحياة الكريمة خلال أربعة عقود من ضنك في العيش و سوء في التعليم و رداءة في الخدمات، و لا زال أمامهم دور كبير و رسالة تاريخية في إعادة بناء هذا الوطن على أسس سليمة من خلال استكمال مشوار التحرير و المحافظة على النصر و بناء هياكل الدولة على أسس من العدالة و المساواة بين كل الناس و كل المناطق الليبية و هذا العمل يحتاج إلى تنظيم الشباب و إعادة تأهيلهم و تدريبهم و توجيه طاقاتهم في مسيرة البناء. إن هذا العمل يحتاج إلى تخطيط  و عمل على مستوى البلاد في الداخل و الخارج من الآن لكي يكون الشباب على استعداد للمشاركة و الإسهام في الحراك السياسي بعد النصر.
المؤتمر الوطني للشباب الليبي
و كخطوة أولى في هذا المشوار نحتاج إلى عقد مؤتمر وطني للشباب و ربما على عدة مراحل لوضع الخطط لمنتديات و لقاءات شبابية على مستوى جميع المدن الليبية و يمكن أن ينعقد أول هذه الملتقيات في تونس بسبب وجود جالية كبيرة فيها و بسبب قربها من طرابلس و المناطق الغربية و بالتالي سهولة الوصول إليها من الداخل، ثم ينعقد المؤتمر الثاني في بنغازي ليكمل جهود اللقاء الأول و يتولى التخطيط لعقد ملتقيات شبابية محلية تفرز قيادات مرحلية كي تساهم في تنظيم العمل الشبابي. و في الختام ينعقد المؤتمر الوطني العام للشباب الليبي في طرابلس بعد تحريرها و عندها تبدأ مرحلة التنفيذ الكبرى لهذه الرسالة.
أهداف المؤتمر الوطني للشباب
          يمكن لهذا المؤتمر أن يطرح العديد من القضايا التي تشغل بال الشباب و لكن للبدء بالعمل نقترح بعض الأهداف العامة و التي تغطي مشاكل واضحة للجميع في الأربعة عقود الماضية و منها:
أولا: تيسير التعليم بمراحله المختلفة
 و هنا لا يخفى على أحد مشاكل مناهج و برامج التعليم الأساسي و العالي و المهني، و بالتالي نحتاج إلى تيسير في اللوائح و المناهج و مرونة في المداخل و المخارج أو العودة بعد الانقطاع و بناء برامج التعليم المستمر مدى الحياة. و لتكوين فكرة أشمل أنصح الشباب بدراسة بعض الأفكار الأساسية في هذا المضمار في مقالات سابقة منشورة في مدونة باقات ليبية بعنوان:
معالم التيسير في برامج التعليم النموذجي 1،2،3.
إصلاح التعليم العالي.
ثانيا: ربط الحاضر بالماضي من أجل مستقبل أفضل
            الكل يعرف ما حدث من تزييف للتاريخ و طمس للبطولات و النضال الليبي سواء خلال مرحلة الجهاد ضد المستعمر أو في مرحلة البناء الوطني و بالتالي نحن بحاجة لمعرفة تاريخنا و رجالنا و نضالنا لنبني مستقبلنا على وعي من ماضينا. و لمن يحتاج من الشباب لبعض الخلفية الأولية أنصح بدراسة بعض المقالات في هذا المجال و منها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:
قراءة في سيرة شيخ الشهداء عمر المختار.
التربية الوطنية أساس النهضة.
دور النخبة الوطنية في بناء ليبيا.
الأحزاب و الحركات السياسية في ليبيا قبيل الاستقلال.
مقدمة في مقومات الديمقراطية.
صناعة المستقبل1،2،3.
كما توجد بمدونة باقات ليبية مقالات عن شخصيات وطنية ليبية يمكن أن تمثل نماذج من النضال الوطني و السياسي منها عبد الله سكتة، و عبد الكريم لياس و علي الجربي، و الصالحين بن سعود، و محمد الإمام الزنتاني و إبراهيم الأسطى عمر.
ثالثا: إعداد برامج الاكتشاف و التأهيل
منذ انطلاق المؤتمر الأول يجب التفكير جديا في برامج تدريبية متطورة نقوم من خلالها باكتشاف المهارات الفردية و وضع خطط لتطويرها و تنميتها و تسخيرها في مراحل البناء. و يمكن أن تنطلق هذه البرامج من خلال دورات تدريبية فنية متخصصة في مجالات بعث و تطوير القدرات و المهارات الفنية و القيادية في جميع التخصصات و تيسير سبل التفاعل بينها و خلق أجواء صحية للحوار الوطني بين الشباب. كما نحتاج إلى دورات على مستويات مختلفة لنشر تقنية الحسابات و المعالجات الرقمية للمعلومات بما يسهل التواصل الإلكتروني الثقافي و الاجتماعي بين قطاعات الشباب. ثم يأتي دور الإهتمام الخاص بالمبدعين و أصحاب القدرات البارزة و ذلك بتخصيص جهد مناسب لمساعدتهم على قيادة قطاع الإبداع و تكوين نماذج وطنية لأجيال المستقبل.
رابعا: تيسير مشاركة العنصر النسائي في الحراك الوطني
يحتاج العنصر النسائي الليبي إلى اهتمام خاص لتيسير دور المرأة في بناء المجتمع من خلال تيسير ظروف المشاركة في العمل الوطني و العام بجميع أشكاله من خلال إصدار تشريعات تسهل عليها المشاركة بدون إلحاق الضرر بدورها في الأسرة. و بإصدار قوانين تحميها من التمييز في العمل أو الاستغلال أو الاعتداء أو التحرش بجميع أشكاله كي تتمكن المرأة من أخذ حقها و أداء واجبها دون خوف من أحد. و المجتمع في السابق كان يقف على رجل واحدة أما الثانية فمقيدة سواء في البيت أو خارجه بانعدام الحماية و التيسير اللازمين للمرأة من أجل المشاركة.

Tuesday, July 5, 2011

لننزع فتائل الفتن قبل أن تنفجر

       تبدأ الفتن صغيرة في أصلها بعادة سيئة أو تجاوز أو إشاعة أو ممارسة خاطئة و لكنها تكبر مع الأيام بفعل من يستفيد من ورائها بغير حق. و الفتن لا تعدو عن كونها قنابل موقوتة يفجرها من يريد إعاقة تطور المجتمع عند ما يشاء. و هي كالقنابل تماما لها فتائل يمكن نزعها قبل فوات الأوان و التخلص من خطرها إذا توفرت النوايا الطيبة و الحزم المطلوب.
 و نحن في ليبيا هذه الأيام نمر بمخاض عسير يسبق ميلاد الدولة الفتية و التي نتطلع إليها مع انهيار النظام الفاسد و كتائب الغدر التي تحميه.
أولا: إفراط الذات أو الأنا
الأنا هنا تعني سيطرة إفراط الذاتية الشخصية على المواقف و الآراء بحيث يتصور المصاب بها أنه الأكثر حرصا على مصلحة الوطن و الباقون أقرب إلى الخيانة منهم إلى الإخلاص و هذا الشعور يتولد من شدة الخوف على المكاسب التي تحققت و يكرر استخدام لفظة أنا الإخلاص و أنا الوطنية، و أنا الثورة.  كما تبرز عند ما يشعر المرء انه هو الأكثر فهما و الأصدق رؤية لما يجري و بالتالي لا يسمح لغيره بإبداء الرأي و يتمحور كل شيء في نظره حول ذاته هو، و المشكلة تتعاظم مع محدودي الفهم و الخبرة و الإطلاع في ظل ضعف التجارب السياسية لدينا. و وصل الأمر بالبعض إلى تأليف قصص بطولاتهم للتأكيد على ما يزعمون من قدرات وطنية.
 و هذه المشكلة كبيرة و سوف تعيق الحوار الوطني الهادف، و علينا جميعا محاربتها بالسماح للجميع بإبداء الرأي و طرح الأفكار و لو كانت مخالفة لرأي الجميع. فطرح الأفكار و التدافع بينها يفرز الأفضل أما الرأي الواحد و الوحيد فلا يقود إلا إلى التهلكة، فهو يحمل جذور الديكتاتورية بين جوانبه.
ثانيا: القبلية
القبيلة رابطة نسب بالدم بين العائلات و العشائر و هي اجتماعية بالدرجة الأولى و تلتصق جذورها بالماضي من علاقات و عادات و تقاليد، و يكون دورها أكبر في حالات التخلف السياسي و الاجتماعي، أما في دولة المواطنة وسيادة القانون فهي جزء من الموروثات الاجتماعية و لا دور لها في رسم سياسات المستقبل. و لقد سبق للمستعمر الإيطالي أن استخدمها في السيطرة على بلادنا مستخدما شعار فرق تسد، الذي استخدمه غرسياني بجدارة في حملته على دواخل ليبيا.
 والقبائل تنظيمات تعتمد على النسب التاريخي أكثر من الكفاءة و المعرفة و بالتالي ضررها اكبر من نفعها إذا ما أتحنا لها فرصة التفاعل السياسي. أما القبائل المكونة على أساس تحالفات بين عدة عشائر مثل ما هو الحال في قبائل مصراتة و ورفلة و ترهونة، فهذه القبائل ليس بينها رباط دم و لكن تجمعها مصالح و بالتالي تحركها المصالح بالرجة الأولى.  و يكفي أن نذكر أهم أسس تعاملات القبائل السياسية التي تقول" اليد اللي ما تقدر تقطعها حبها"، و لقد كانت في كل الأزمان أداة طائعة في يد الطغاة في الغالب. فهناك قبائل معروفة بدورانها في دوائر السلطان في كل زمان و مكان.
 و لا توجد قبيلة ليبية واحدة وقفت مع هذه الثورة من أول يوم و لكن في المقابل توجد قبائل لا زالت تراهن على مصالحها مع نظام الطاغية حتى يومنا هذا.
ثالثا: صلب المبادئ
لقد مارس الطغاة و أتباع الباطل صلب الصالحين تماما كما حاول الكفار صلب المسيح ليتحول النصارى بعد ذلك إلى عبادة الصليب عوضا عن عبادة الله. و لقد مارست الأجهزة القمعية العربية صلب مبادئ الحرية و الوحدة و العدالة الاجتماعية عل الجدران و اللافتات، فمارست السجن باسم حماية الحرية و التفريق بين الشعوب باسم الوحدة و نشر الفقر باسم الاشتراكية و هذه لعبة و مؤامرة دولية للقضاء على طموحات هذه الأمة أيام حرب التحرير العربية.
 و الذي نخشاه الآن مع تعلقنا بالتحرر و الثورة أن نقع في دوامات ثورية قاتلة تديرها القوى المضادة لتعطل مسيرة المجتمع العربي من خلال المسيرات و نحريك الشارع، أو ندخل في دوامات فوضوية يفجرها الغوغائيون باسم الديمقراطية تقضي على جميع مكاسبنا فلا تتحقق الديمقراطية و لا تتحقق التنمية و ذلك من خلال تعطيل إجراءات التحول نحو الديمقراطية بالطعن في مؤسساتها. و بالتأكيد لن تتحقق الديمقراطية في بلادنا من أول يوم و لكن علينا أن نساهم في نموها و نحافظ علي كل خطوة نخطوها على دربها.
 و أنا هنا أتحدث عن خيوط مؤامرات دولية لتوجيه الثورة العربية و تدجينها بما يحقق أهداف الغرب و أعوانه، و علينا استحداث منظومات استشراف لاستقراء الأحداث و التطورات السياسية لكي لا نقع في هذا المطب مرة أخرى.
رابعا: المحسوبية
المحسوبية هي تمكين من لا يستحق من موقع بعينه إما لعجزه عن أداء المطلوب منه أو وجود من هو أفضل منه، و هذه الممارسة سمة واضحة في أنظمة الطغاة التي تقدم الولاء على الكفاءة، و هذه الظاهرة من أكبر الأخطار على مسيرة الثورة.
  نرى الكثير من النقد يوجه إلى المجلس الوطني الانتقالي و لكن لا أحد يرد و لا أحد يصحح الأخطاء. فعلى سبيل المثال يوجد بالمجلس الموقر أختين شقيقتين و أزواجهما أعضاء بالمجلس و السؤال هنا: هل انعدمت القدرات خارج هذه العائلة؟ ثم ماذا عن تعيين أقارب الأعضاء و أصدقائهم في مراكز حساسة أو ضم أعضاء إلى المجلس من المحسوبين على النظام الفاسد، و في نفس الوقت لم يتم ضم قيادات المعارضة الليبية في الخارج التي دفعت ثمنا كبيرا بسبب مواقفها الرافضة لسطوة ألقذافي.
 و ماذا عن تعيين بعض أعضاء المكتب التنفيذي لأقارب لهم في المكاتب؟ هل قامت الثورة لكي يكون العنصر المناسب في المكان المناسب أم هي التوافقية الفوقية و الكولسة و مراكز القوى الجديدة؟
و أنا هنا أدعو إلى تقييم أداء المجلس الوطني الانتقالي و أعضاء المكتب التنفيذي و تصحيح المسيرة قبل أن تصطدم السفينة بالصخور على شواطئ طرابلس. وعلى المجلس أن يكسب الثقة كل يوم يمر، و الواقع يظهر انحسار هذه الثقة مع التخبط و عدم وضوح الرؤية مع تحول المجلس إلى جهاز فوقي سلطوي معزول عن القواعد الثورية، و لقد حذرت شخصيا من مغبة تجاهل القوى الثورية المقاتلة على الجبهات أو تجاهل الأغلبية الصامتة.
خامسا: ركوب الموجه
بسبب المحسوبية و القبلية يقع ركوب الموجه بأشكال مختلفة فنجد العديد من رجال القذافي و ابنه سيف يتصدرون المواقع بالتدريج و يتحدثون على منابر الإعلام، لدرجة أن بعضهم بدأ يشكك في هدف الثورة من خلال دفاعه عن انقلاب أيلول الأسود. بل ووصل الأمر إلى الإبقاء على الكثير من المفسدين في مراكزهم في الخارج. و يبدو من الصعب التخلص من بعض المتمكنين في الداخل من بعض المشروعات و الشركات. و نجد القنوات تستضيف بعض المجرمين و تبيض وجوههم للناس. و أنا هنا أحذر من مؤامرة يقودها بعض الإعلاميون لخلق فتن داخل صفوف الثوار بتمكين من عليه شبهة و منع من عرف بالمعارضة طول حياته.
و الصحيح أن لا نعتدي على أحد من رجال العهد الماضي و لكن لا نتيح لهم الفرصة للمشاركة قبل المحاسبة. و لكي لا تضيع حقوق احد و لا نظلم أحد يجب علينا فتح سجلات لجمع المعلومات عن كل من أفسد و ساهم في الفساد في الفترة السابقة لعرضها على المحاكم بعد النصر القريب.
سادسا: الصنمية
عند ما يتعود الناس على حاكم وحيد و طاغوت مثل ألقذافي  يستمرأ البعض منهم السجود له  بطاعته طاعة عمياء، و عند ما تتغير الأحوال قد يشتاق البعض من هؤلاء لصنم يوفر له هذه الحاجة. و هذه الحالة ذكرها لنا الله في القرآن عند ما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يجعل لهم إله أو صنما يعبدونه كبقية الكفار، و قد طلبوا هذا الطلب بعد ما نقلهم إلى سيناء و حررهم من العبودية لفرعون الذي استخف بهم و أطاعوه ثم تعودوا علي ذلك فاشتاقوا إليه.
و هنا أنا أنبه إلى بعض الأخوة الذين لا يريدون لأحد أن ينتقد الأمور بأن الساكت عن الحق شيطان أخرس في عرف المسلمين.  فعلينا محاربة الأصنام و الصنمية و روح العبيد بيننا لكي نحقق ما نصبو إليه، و على إخوتنا المسئولين تقبل النقد و تصحيح المسيرة فكلنا في نفس القارب و مستقبلنا معقود عليه.
سابعا: التسيب
مع انهيار النظام بسرعة في المناطق الشرقية و تباطوء مسيرة تشكيل المجلس المحلي برزت مظاهر عديدة للتسيب، و منها التسيب الأمني بسبب انهيار الأجهزة الأمنية و التسيب الإداري بسبب انهيار الهيكلية العامة للدولة و لولا الروح الوطنية العالية التي فجرتها الثورة لكانت النتائج أسوء مما نتصور.
الآن و بعد مرور أكثر من مئة يوم على تأسيس المجلس لا زلنا نرى تسيب، فالأمور لم تضبط بعد و لا توجد رقابة حقيقية على سير الأمور و لولا تدخل قوات الحلف لكانت البلد على كف عفريت كما يقولون. و هنا تبرز الحاجة إلى وجود جهة رقابية تحمي مصلحة الشعب و الثورة فالمجلس هو المشرع و المراقب و المنفذ و بدون تحديد صلاحيات أو حدود للمسئولية بينه و بين المكتب التنفيذي و الأمور تدار من باريس و روما و الدوحة و بنغازي بدون تفاهم كامل بل و تصل المعلومات إلى الإعلام قبل أن يناقشها المجلس و هذا خطأ استراتيجي بالرغم من أننا نتشدق بالتخطيط الاستراتيجي.
و هنا أنا أدعو لتشكيل كيان يراقب أداء المجلس و المكتب التنفيذي و يكون مستقلا عنهما و يمكن اختياره بالانتخاب من بين عدد من الخبراء في هذه الشؤون. فالمرحلة قد تطول و الأخطاء سوف تتعاظم و تصحيحها سوف يكون مكلفا جدا إذا لم نتحرك الآن.
ثامنا: غسيل الأيادي
لاشك أن غسيل اليدين عملية صحية هامة و لكن غسيل الأيادي يتعلق بمحو آثار الجرائم، و هذا قد يحدث بعدة طرق إحداها الاجتماع مع الشرفاء و مصافحتهم أملا في ان يتوزع أثر الجريمة بين أيدي الجميع كما يحدث في مؤتمرات الكولسة، أو أن يبدأ المجرم في تلميع صورته بتوزيع بعض المساعدات على النازحين في تونس و مصر و بالانضمام لركب الثورة من خلال هذا العمل أو شراء الوقت على وسائل الإعلام المرئي.
 و في منهاج الثوار لا وسيلة لغسل الأيادي من الأموال إلا بإعادتها إلى الشعب في مهلة يحددها المشرعون بعد النصر، أما الدماء فلا وسيلة لغسلها إلا عن طريق المحاكم العادلة و تسوية المظالم. وأنا هنا أقول أن نسبة العمولات كانت معروفة في ليبيا على كل المستويات و بالأسماء و دور مراكز القوى في النفط و الإسكان و التعليم و المصارف و الاستثمارات معروفة و معلنة في رسائل يمكن الكشف عنها في حينه. أما الإعدامات و المشانق فموثقة بالصوت و الصورة و لن نتنازل عن دم الشهداء.
 و نرجو ممن ولغ في أموال الليبيين و دمائهم أن يبتعد عن المشهد إلى حين تنتهي المعركة و يحين وقت المحاسبة العادلة.
تاسعا: تزوير التاريخ
العديد ممن ركب الموجة أو حاول غسيل يديه من الماضي بدون دفع للثمن يحاول تزوير التاريخ و تطويع الحقائق، و الحمد لله يوجد من بين الأحياء من يذكر أدق التفاصيل لاغتيالات و تصفية بعض المعارضين أو جرائم ضد الشعب الليبي و أقول لمن يتحدى: إننا قادرون على إظهار الحقيقة عن الجرائم المدنية و العسكرية و الاقتصادية التي وقعت في ليبيا على مدى أربعة عقود، و لا داعي للحديث عن بطولات وهمية. و كل من بقى مع القذافي طوال هذه المدة شريك في الجرائم التي ساهم فيها أو علم بها و سكت عنها من وزراء و ضباط و مسئولين على مختلف المستويات في الداخل و الخارج.
و في الختام أقول لمن يرفض الدعوة للتصحيح و الإصلاح قبل أن يفوت الأوان: أن الثمن سوف يكون باهظا و الشعب الذي اسقط معمر بكل ما يملك من دهاء و عدة و عتاد في الحقيقة قادر على التصحيح في أي لحظة.