Sunday, March 17, 2013

التيار الوطني في ليبيا وتحقيق اهداف الثورة


يتكون التيار الوطني الليبي من جميع المناضلين ضد العسف والظلم خلال الأربعة عقود الماضية ويشمل كل وطني غيور على بلاده، وهو امتداد طبيعي لأجيال الأباء و الاجداد الذين قاتلوا الاستعمار وناضلوا من أجل بناء دولة الإستقلال ورفعوا راية الحرية والكرامة على ارض ليبيا وبالتالي تناولت أيديهم عبر الأزمان مشاعل النضال والجهاد من عمر المختار ورفاقه وصولا إلى فصائل الثوار الحقيقيين الذين ألهبوا المشاعر بشجاعتهم في ثورة فبراير المجيدة.
        وقد تجسدت وحدة الرؤية الوطنية بين الأجيال في إلتفاف الثوار حول علم الإستقلال والنشيد الوطني لدولة الإستقلال ورفضهم لقوانين الطاغية وأزلامه ولقد كان حريا بنا بعد التحريرالعودة إلى دستور الإستقلال مع إجراء بعض التعديلات المطلوبة وإلغاء كافة تشريعات الطاغية لكن وصول بعض المنشقين من رجال النظام المنهار إلى دفة السفينة في غياب رؤية ثورية حقيقية حافظ على استمرارية سريان التشريعات السائدة من خلال توافقات جهوية ومصلحية مما ساهم في تدني الأداء العام للدولة.
أهداف الثورة الليبية
لقد كان إسقاط نظام الطاغية هو الهدف الأسمى للثورة الليبية، فالجماهير خرجت ضد الطاغية وممارساته في شكل عفوي غير منظم وبدون قيادة أو إيعاز من أحد ولكن حرَكت الجماهير تراكمات الممارسات القمعية والظلم والسجون والمشانق وهذه جميعا مرتبطة في ذاكرة الليبيين والليبيات بالطاغية وأزلامه الذين نفذوا له أهدافه في قمع وقهر الشعب الليبي.
 كما تهدف الثورة إلى تحقيق الحرية والكرامة والعدالة والمساواة بما يكفل حياة سعيدة للأجيال الحاضرة والقادمة من خلال التنمية الشاملة لكل قطاعات المجتمع وهذه لن تتحقق إذا إلتف الأزلام حول الثورة وتلاقت المصالح الشخصية وتغلبت على المصلحة الوطنية الكبرى في إختفاء جميع ملامح العهد الظالم ورجاله.
التيار السياسي الوطني
     لقد ظن العديد من الليبيين أن إنتخاب المؤتمر الوطني وإختيار الحكومة الانتقالية سوف يحقق الديمقراطية ويعزز الثقة بالدولة من خلال استتباب الأمن وانطلاق التنمية ولكن الذي اتضح جليا أن المشهد السياسي تحول إلى توافق مصالح بين اقصى اليمين واقصى اليسار الليبي وهذا يتنافى مع المسار السليم لأي نظام ديمقراطي تجتمع فيه حكومة منتخبة مع معارضة ديمقراطية، بل قد يؤدي هذا المشهد إلى نظام شمولي لا يستمع لرأي الشارع وهذا ما ادى بالفعل إلى ظهورالتململ وكثرة الاحتجاج من فئات الشعب الليبي.
            وهنا تبرز الحاجة إلى تيار سياسي ديمقراطي  وطني يكون همه الاول حماية اهداف الثورة وتصحيح مسارها بشكل سلمي من خلال الانتخابات ويتكون من أطياف الشعب الليبي المختلفة من ثوار حقيقيين وشباب ونساء بعيدا عن مراكز القوى التقليدية. ويقوم بنشاطه من خلال ممارسات ديمقراطية على جميع المستويات وبقيادة جماعية من جميع المناطق الليبية، بحيث لا تتكون فيه ولا من خلاله مراكز قوي ولا تتركز القيادة في يد زعيم أو شيخ أو مفكر أو قيادي بعينه. إن الشباب الليبي و المرأة الليبية وجميع أطياف الشعب قاموا بأدوار بارزة وعظيمة أدت إلى انتصار الثورة ويستحقون دورا أكبر في تشكيل مستقبل ليبيا.
       وبالفعل هناك حراك مستمر واتصالات مكثفة لجمع نخبة طيبة من الشخصيات الوطنية المعروفة بالخبرة والنزاهة والوطنية من العديد من المدن الليبية وهذه دعوة لكل من يرغب في تصحيح المسار للتفاعل مع هذا المشروع بروح إيجابية وطنية بالمشاركة فيه، فلا معنى لحراك سياسي لا يغطي جميع ربوع ليبيا من خلال عضوية فاعلة وملتزمة بأهداف الثورة ومستعدة للتنازل عن المصالح الشخصية والتضحيات إذا لزم الامر.
لماذا تبرز الحاجة إلى هذا المشروع الآن؟
       في ظل الإفرازات السياسية الحالية على الساحة الوطنية والتي تتمثل في تغول الاتفاق بين المؤتمر الوطني والحكومة في ظل هيمنة حزبية غير مقننة يحتاج الوطن لحراك سياسي يقدم بديلا في شكل معارضة ديمقراطية تسهر على مصالح المواطنين والوطن وتسعى للمشاركة في السلطة بشكل سلمي علني وطني ديمقراطي.
رسالة التيار الوطني
يتميز التيار الوطني عن بقية مكونات المشهد السياسي الليبي برسالة وطنية تشتمل على القيم الآتية:
الوفاء لدماء الشهداء وتضحيات الجرحى.
 الوفاء لأهداف الثورة في تحقيق الحرية والعدالة والمساواة.
 الوفاء للوطن الذي عرفنا العزة فيه وترعرعنا على ترابه في المحافظة على وحدته.
 الوفاء للمبادئ الوطنية التي تأسست عليها دولة ليبيا المستقلة.
الوفاء لجهاد الأجداد وإكبار تضحياتهم في ظروف صعبة.
 الوفاء للقيم الليبية التي ورثناها عن الآباء والأجداد.
 الوفاء بالوعود التي قطعناها أمام الله وللوطن لبناء صرح ديمقراطي.
 الوفاء لطموحات الأجيال في مستقبل زاهر وسعيد.
مهمة التيار الوطني
يأخذ التيار الوطني على عاتقه مهمة تاريخية تتمثل في:
تحقيق كرامة الوطن في المنعة والعزة والتقدم الحثيث.
 تحقيق كرامة المواطن في العيش الكريم في ظل حماية القانون.
 تحقيق  كرامة الطفل في طفولة إنسانية سعيدة بين أبويه وفي ظل رعاية المجتمع.
تحقيق كرامة المرأة بضمان جميع حقوقها في التعليم والعمل والعيش الكريم.
تحقيق كرامة الشباب في توفير فرص التعليم والتدريب والتأهيل والمشاركة السياسية الفاعلة والكاملة.
تحقيق الكرامة الاجتماعية في العيش الكريم والعمل اللائق والسكن المناسب والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والتعليم الحديث مدى الحياة والتدريب المستمر وضمان كل هذا من خلال سيطرة الشعب على مقاليد السلطات من خلال البرلمان.
وسائل التيار الوطني في العمل
يتبنى التيار الوطني الوسائل الآتية في العمل السياسي:
قيادة جماعية ديمقراطية من معظم مناطق ليبيا.
اعتماد النهج الديمقراطي في وضع السياسات واتخاذ القرارات ومتابعة التنفيذ على جميع المستويات.
التواصل المستمر مع فئات الشعب من خلال الكوادر التنظيمية للتيار والإعلام والتفاعل مع الشارع السياسي.
 التواصل الدائم مع البرلمان من خلال نواب الشعب ومن خلال المشاركة السياسية.
توفير قواعد سياسية فاعلة تضمن استقرار البلد واستمرارية العمل السياسي السليم من خلال حكومة وطنية منتخبة ومعارضة وطنية ديمقراطية.
المتابعة الدائمة لأداء الحكومة والبرلمان واتخاذ ما يلزم من إجراءات حيالها.
تجنب التوافقات المصلحية وتغليب المصلحة الوطنية العليا.
احترام وتطبيق جميع اللوائح والقوانين التي تنظم العمل السياسي في ليبيا.

Sunday, February 17, 2013

الليبيون والأتراك أبناء أمة واحدة


         قد يتوه المرء أحيانا في من يكونون إخوانه وكذلك الأمم والشعوب ولكن الأحداث والأيام و التاريخ كلها تدل على هذا والله سبحانه وتعالى يقول: وهذه أمتكم أمة واحدة. فإذا رجعنا للتاريخ نجد خير دليل على قوة الروابط الأخوية بين الليبيين والأتراك عبر خمسة قرون من التكامل والتعاون والتصاهر والعيش المشترك، أما إذا رجعنا للدين فالحكم واضح ولا يحتاج المرء فيه لدليل؛ فالدين واحد والرب واحد والقبلة واحدة والأمة واحدة.
ليبيا بعد سقوط الأندلس
        ما أن سقط آخر معاقل المسلمين في غرناطة في يد النصارى حتى بدأت تطلعات الفرنجة إلى طرابلس وما حولها، وبالفعل تم احتلال طرابلس من الفرنجة وعندها استنجد زعماؤها بالدولة العثمانية وذهبوا في وفد إلى هناك وبعثت الدولة العثمانية حملة إلى سواحل طرابلس نزلت بتاجوراء و لا زال مسجد مراد أغا بها خير شاهد على تلك الحملة وتدور الأيام ليأتي سليل الفاتحين رجب الطيب أردوغان ليجدد مبنى هذا المسجد بعد تحرير 
طرابلس في سنة 2011م.


جامع مراد آغا بتاجوراء
 وفي كل مدينة ليبية وفي كل قرية نجد بصمات دولة العثمانيين في المبانى والمساجد والحمامات والعادات والتقاليد واللباس والأكل.

اردوغان في تاجوراء والحنين إلى ود الأجداد
بقي الأتراك والليبيون على تواصل منذ ذلك التاريخ على مستوى الحكام وعلى مستوى الأفراد إلى آخر أيام الدولة العثمانية حين ظهرت في عالمنا الإسلامي نعرات قومية على غرار ما حدث في أوربا ساهمت في تفريق الأمة  ولكن أبقي الليبيون والأتراك على حد طيب من التعاون، فلم تحدث بينهم قطيعة واندمج الليبيون في تركيا في المجتمع التركي واندمج كل من له أصول تركية في المجتمع الليبي ولم يشعر أين منهما بوضع الأقلية.
ليبيا إبان الغزو الإيطالي
           أستغل الإيطاليون الظروف الصعبة التي تمر بها الدولة العثمانية في آخر أيامها وقاموا بغزو ليبيا فوضعوا الحاميات العثمانية في ورطة كبيرة في غياب العدة والعتاد. حاول الأتراك ترميم الوضع بتدريب المواطنين على القتال، وبقى بعضهم لمساعدة المواطنين بينما غادر معظمهم ليبيا لمواجهة التحديات على الحدود التركية مع أوربا، بل في بعض الحالات أوفدت تركيا ضباطا إلى ليبيا للمساعدة مثل ما حدث بمنطقة درنة حيث تأسس دور أنور باشا لتدريب المجاهدين وكان من بين ضباطه الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك نفسه.


مصطفى كمال في دور أنور باشا بالقرب من درنة 1912م

   شارك عدد من الضباط الأتراك في قيادة المعارك ومن بينهم مصطفى كمال ولكن التطورات العسكرية والسياسية في تركيا فرضت عليهم الرحيل، و استمرت تركيا في دعم المجاهدين حيث توالت الإمدادات والاتصالات مع المجاهدين في الشرق مع السيد أحمد الشريف السنوسي وفي الغرب مع المجاهد رمضان السويحلي.


رمضان السويحلي يستقبل ضباط أتراك 1918م في مصراتة
 ونرى في الصورة  لقاء بين زعيم الحهاد في طرابلس رمضان السويحلي مع عدد من الضباط الاتراك أتوا في غواصة لمصراتة لتزويد المجاهدين بالسلاح. ويظهر جالسا في أقصى اليسار السيد محمد نوري بن الحاج ابراهيم  الجد المؤسس لعائلة نوري في مصراتة وطرابلس حيث بقى وقاتل مع المجاهدين وتزوج من ليبية وعاش في ليبيا، ومثله فعل العديد من الليبيين الذين تطوعوا في الحرب مع تركيا وبقى من عاش منهم هناك ولهم أحفاد يعيشون الآن في تركيا.
ليبيا بعد الاستقلال
بعد الاستقلال توجهت أنظار وزير الدفاع الليبي علي ابراهيم الجربي إلى تركيا التي هاجر إليها أيام الاحتلال الايطالي ليجلب خبرات الضباط الليبيين في الجيش التركي حيث اقنع العقيد عمران الجاضرة بالعودة إلى ليبيا ليساهم في تاسيس الجيش الليبي. ويذكر أن عمران الجاضرة من مواليد درنة وبعد عام من مجيئه غادر إلى تركيا بسبب كرهه للبريطانيين الذين كان لهم نفوذ كبير في ليبيا؛ ووصل إلى رتبة جنرال في الجيش التركي في ما بعد.


السيد على الجربي مع كوكبة من الضباط الليبيين ويتوسط الصورة العقيد عمران الجاضرة

ما أحوج المسلمين في تركيا لعودة تركيا إلى الأمة الإسلامية وما أحوج المسلمين إلى تركيا، ولعل الله يجعل في رفض الغرب لتركيا وتزايد تعلق العرب والمسلمين بها وسيلة لجمع الشمل لهذه الأمة،  فتركيا اليوم تسير إلى الأمام وتحتاج إلى السوق والدعم الإسلامي.

Friday, February 15, 2013

خواطر في عيد الثورة الليبية



الثورة بريشة الفنان بشير حمودة
     في مثل هذه الايام منذ عامين التحمت مشاعر الغضب ضد الظالم وتفجر الشوق للحرية والعدالة وتعطرت الأرض بدماء الشهداء وبزغت شمس الحرية من الشرق لتعانقها جباه الصامدين في مصراتة والزاوية وجبل نفوسة وزواره وطرابلس وفي كل بيت ليبي أبيّ.
 ونحن نستقبل هذه الذكرى العطرة علينا أن نترحم على أرواح جميع الشهداء الذين لم يفكروا في دنيا ولا متاع ولا عودة إلى الاهل بل اصطفوا في طوابير الجنة في ساعات لا يعرف فيها احد كيف ستنتهي الامور ولسان حالهم بقول" مرحب بالجنة جت تدنى"، كما نتضرع إلى الله العلي القدير أن يشفي جرحانا ومرضانا وأن يلهم الصبركل مكلومينا وأن يؤلف بين قلوبنا  ويوحد صفوفنا وأن ينصرنا على القوم الضالين و يعيد هذه الذكرى علي جميع أبناء ليبيا كل عام بالخير واليمن والبركات.
حصاد العام الأول
           لو نظرنا بتعقل إلى الوضع العام في ليبيا خلال العام المنصرم لوجدنا مكاسب كبيرة تحققت في غياب مؤسسات الدولة التقليدية  فالبلاد كانت في امان رغم غياب الشرطة والجيش من المشهد العام  ومظاهر العنف بدأت في الاختفاء من الشارع بالتدريج وهذه الامور في العادة تقاس بالقياس على مناطق أخرى مشابهة مثل العراق والصومال ومصر وتونس. جميع مؤسسات التعليم والتعليم العالي عادت إلى العمل بأقصى طاقتها وإنتاج النفط عاد لأعلى مستوياته بأياد ليبية. كما تم انتخاب المؤتمر الوطني العام وانتقلت السلطة بسلاسة إلى الحكومة المؤقتة.
 وإن كان لدينا مشكلة فهي من صنع ايدينا فالكثيرون منا لا زالوا ينامون في جلابية الطاغية ويحلمون بانجازات لا يعملون من أجلها بل في كثير من الأحيان لا يحركون ساكنا؛ هذا إذا لم يشاركوا في تعطيل حركة التقدم ببث الإشاعات والفتن أو المطالبة بأشياء تعجيزية.
استحقاقات العام القادم
مع إطلالة العام الثاني بعد النصر تلوح في الأفق بعض الاستحقاقات المصيرية ومنها على الصعيد السياسي اختيار لجنة صياغة الدستور ومحطات الإستفتاء على أبرز معالم الدستور ثم  الاستفتاء عليه بالكامل مرورا بمراحل الصياغة  ومداولاتها. ثم يلي هذا صدور تشريع بالعزل السياسي خارج أو داخل مواد الدستور يؤمن استمرارية تحقيق أهداف الثورة في مأمن من أعدائها أو المتربصين بها. وكلنا يعلم أن الشيطان قد مات ولكن سمه وسحره لا زال بيننا وله بيننا أتباع وجنود وموالين يظهرون الولاء للثورة وقلوبهم لا ترى غير مصالحهم ومكاسبهم ورفقائهم بالأمس القريب.
كما أننا بحاجة ماسة لقانون الاحزاب الذي ينضم عملها وتمويلها لكي لا تمس سيادة الدولة الليبية من خلال سيطرة جهات أجنبية على أحزابنا بأي وسيلة كانت.
أما على الصعيد الإداري فالدولة بحاجة إلى تطهير دواليبها من الفساد والرشوة والوساطة والمحسوبية والجهوية والقبلية؛ ورفع كفاءة الاداء بإدخال التقنيات الحديثة وتقليص الموظفين وتوجيه طاقات الشباب نحو الانتاج والعمل الحر من أجل تنويع مصادر الدخل القومي.
وعلى صعيد الأمن تحتاج الدولة إلى تفعيل  واستحداث وحدات عصرية في مجالات الجيش والشرطة وحرس الحدود وذلك بالخروج من أزمة تغول مجموعات المسلحين واستخفافهم بمؤسسات الدولة وبالتالي تتحقق سيطرة الدولة على جميع أراضيها ويتحقق الأمن المطلوب للتنمية بعودة الشركات واستئناف المشاريع التنموية المختلفة.
أما على الصعيد الشعبي فيتوجب علينا المحافظة على المكاسب وأهمها الشرعية الدستورية المتمثلة في مؤسسات المؤتمر الوطني العام وأجهزته التنفيذية، وكذلك المحافظة على سيادة ليبيا على كامل أراضيها موحدة غير منقوصة. وعلينا أن لا نطالب بحقوقنا قبل أن نؤدي واجباتنا تجاه الوطن فيجب علينا أن نتذكر تضحيات الشهداء لكي نعطي اكثر فهم أعطوا ولم يأخذوا شيئا.
تصحيح مسار الثورة
بالرغم من كل ما تحقق حتى الآن تبقى الطموحات أعلى والتوقعات أكبر وسنكون على موعد مع تصحيح المسار كل فترة مع قدوم الانتخابات، فالنظام الديمقراطي السليم لا يخضع للابتزاز أو البلطجة ولكنه يعطي الشعب فرصته ليغير المسار والرجال مع كل استحقاق انتخابي. ولا معنى لاعتصام بعد انتخاب فالمرء حين ما ينتخب هو في الواقع يفوض غيره لينوب عنه وعليه أن يرضى بما يقدم حتى يحين موعد التعديل من خلال انتخاب عام.
     إن المطلوب منا الآن هو الاستعداد للانتخابات القادمة والتفاعل معها بجدية والتعرف على المرشحين قبل أن نتورط فيهم، ولا توجد ديمقراطية في العالم بدون معارضة داخل البرلمان وعلينا أن نستعد من الآن كأحزاب أو تحالفات لتشكيل الحكومة أو معارضتها من أجل ضبط أدائها.

Saturday, February 9, 2013

محمد مهذب حفاف شهيد الحرية



محمد حفاف
            أستُشهد محمد مهذب حفاف  في يوم مشئوم يوافق7  أبريل 1983م  حيث أعدم شنقا في ساحة كلية الهندسة بطرابلس، ويشترك في جريمة إعدامه كل من راقبه في الكلية والقسم الداخلي وفي شوارع طرابلس خلال زياراته لأصدقائه ومن دلّ على مكانه يوم إلقاء القبض عليه ومن حقق معه ومن عذبه في السجن ومن حكم عليه بالإعدام ومن شارك في التنفيذ بالفعل أو القول أو التأييد.
       دخلنا إلى منطقة الكلية في ذلك اليوم فرايت مشنقة منصوبة بالساحة حوالي الساعة الثامنة والنصف صباحا وكنت اركب مع زميل لي في الكلية فقلت له: إني ارى مشنقة. فرد علي: ربما سيستخدمون دمية. فقلت له: ضع السيارة خلف الكلية باتجاه طريق الهضبة فهؤلاء لايمثلون فهم لا يخافون احدا. ترجلنا ودخلنا الكلية من امام إدارة الكلية فشعرنا بتحركات غير عادية وأتت حافلة تحمل تلاميذ مدارس وكان معهم بعض المعروفين ثوريا ومنهم عبد الحميد بيزان من طرابلس وعدد من الشرطة العسكرية. فما كان منا إلا ان خرجنا باتجاه منطقة الهضبة الخضراء المجاورة، وفي البيت قبيل صلاة الظهر التحق بي أحد الزملاء ليبلغني باعدام زميلي العزيز محمد حفاف رحمه الله.

حفاف مع زملائه وعن يمينه محمد البشتي
   لقد عرفت الشهيد حفاف طيلة خمس سنوات بكلية الهندسة وكان صديقا مقربا واخا كريما احمل له أجمل الذكريات فهو من الناس الذين يذكرونني بالله دائما، كان صادقا في قوله وشجاعا في مواقفه ولا يخشى في الحق لومة لائم. كان يحافظ على الصلاة في وقتها وفي جماعة قدر المستطاع وكان كثير الدعاء عقب صلاته ويرفع ذراعيه للسماء وفي العادة كان يؤم المصلين من الطلبة في بيوت الطلبة.



الشهيدان محمد حفاف  ورشيد كعبار رفقاء على طريق الحق
 كان محمد محاورا مقتدرا وكثيرا ما كان يحاور زوار الكلية من أمثال الصادق النيهوم وابراهيم الغويل وأبرز المتحدثين باسم الطاغية في الكلية ومنهم سعيد راشد ومفتاح اعزوزه.  في سنة 1973 م شارك في ندوة عن القومية العربية والإسلام وقدم فيها محاضرة عن الاقتصاد الإسلامي.

أمام إدارة الكلية وعلى بعد بضعة أمتار من موقع إعدامه


    كانت مشكلة حفاف مع مقولة " من تحزب خان" وكثيرا ما كان يسال : هل هذه آية أم حديث شريف لكي تصبح قانونا يحكم الناس. لم تكن لحفاف مشكلة غير هذه مع القذافي، فهو في الثانوية كان ناصريا ويردد مقولات عبد الناصر ولكن بعد حرب 67 وهزيمة العرب وصدور كتاب "وتحطمت الطائرات عند الفجر" الذي اطلع عليه، قرر العودة إلى التيار الإسلامي وانضم إلى حزب التحرير بعد اطلاعه على كتاب نظام الحكم في الإسلام لتقي الدين النبهاني وبدا يدعو الناس لأفكاره وخاصة بين الطلاب.


مجموعة من سجناء الرأي داخل سجن  باب بن غشير
من اليمين محمد الصادق الترهوني، لطفي الحواسي، عريبي يوسف، عبد الرحمن الساعدي، عجيلي عبد الرحمن الازهري، صالح عمرو القصبي، محمد حفاف وعلي محمد كاجيجي
  دخل الشهيد حفاف السجن في ابريل 1973م بعد خطاب زوارة مع كوكبة من النشطاء سياسيا في ليبيا بتهمة الإنتماء إلى حزب سياسي وتعرض لصنوف من أنواع التعذيب من الضرب والصعق بالكهرباء والغمر في الماء وتمت محاكمته عدة مرات من اعضاء اللجان الثورية لاحقا وصدر بحقه حكم بالإعدام وبقى في السجن لمدة عشر سنوات. انتقل خلالها بين سجن باب بن غشير وسجن الجديدة عام 1977م وفي نفس الفترة دخل السجن اثنان من إخوته معه وكان أبوهم صابرا محتسبا رحمه الله.


نفس المجموعة التي بالصورة السابقة برفقة صالح النعاس الواقف في أقصى يسار الصورة
سجن باب بن غشير


داخل سجن الجديدة  في أغسطس سنة 1976م
علي كاجيجي، صالح القصبي الشرطي الطيف، عثمان صالح الهوني، عجيلي الازهري،عبد الحمبد المحيشي،محمد الترهوني،عبدالقادر الهادي(توفى داخل السجن)، محمد حفاف وفرج بالخيرات العجيلي
 ثم نقل داخل سجن باب بن غشير ضحى 6ابريل 1983 إلى حجرة أخرى فيها مجموعة من حزب التحرير حُكم عليها بالإعدام في ليلة 6 ابريل وهم سبعة عشر رجلا . حفاف كان رجلا مهذبا و على خلق كريم لم يحمل سلاحا ولم يؤذ احد في حياته ومشكلته الوحيدة أنه كان يطالب بالحرية السياسية ويحلم بقيام دولة إسلامية.
     في يوم إعدامه جاؤوا به لمقابلة القذافي قبل السابعة صباحا في مكان معروف في مكتب الطاغية والتقى به وجها لوجه فقال له الطاغية: ألم تتب بعد؟ فرد عليه: من منا يخالف كتاب الله كي يتوب؟ فقال لهم : خذوه. اتوا به إلى مقر مثابة اللجنة الثورية بكلية الهندسة حيث اجتمع اعضاء اللجنة الثورية، وقرأ سعيد راشد الحكم، ثم طلب من علي فارس ان يتلو البيان في الساحة فاعتذر متحججا ببرد ألم به فتم تكليف البحباح ليتلو البيان قبل تنفيذ الحكم.  خرجوا بعد ذلك بأخينا محمد حفاف إلى ساحة الكلية حيث تجمهر عدد كبير من طلاب المدارس وبعض طلاب واساتذة الكلية تحيط بهم الشرطة العسكرية التي كانت تمنع الناس من مغادرة المكان.
في الساحة وقف حفاف وحيدا ونظر يمنة ونظر يسرة لعله يرى شخص يعرفه فهو طالما جال في هذه الساحة فلم ير سوى وجوه الغربان وهم يصيحون ككلاب مسعورة، فبدا عليه التوتر ونزع نظارته من فوق عينيه ورماها على الارض فهو يعرف انه لن يحتاج لها بعد هذا اليوم، ثم نزع ساعته وألقى بها فهو يعرف ان الوقت لن يهمه بعد لحظات.
      وقف في الساحة مسالما كعادته واقفا كالنخيل لا يهتز ولا ينحني وأنفه مرفوع في السماء. وقام احدهم بوضع حبل المشنقة في عنقه والجموع من حوله من كلاب الدم تهتف لسيدها: الفاتح، الفاتح، وهم يتقافزون بالساحة تماما مثل ما سيفعلون على نار جهنم بإذن الله. وعلينا أن نتذكر أن بعض الذين شاركوا في القبض على السياسيين في سنة 1973م والذين شاركوا واحتفلوا بعملية إعدام حفاف الآن أساتذة بالجامعات وقد يصل بعضهم للوزارات.


شباب واعد وطموح
        فارق حفاف الحياة وحيدا ولم يك معه لا نصير ولا رفيق ولا قريب غير ملائكة الرحمن التي جاءت لتزفه إلى الجنة بإذن الله. وهنا راق لبعض المرضى ومنهم المدعو المشاي لكمه في بطنه وهو معلق في حبل المشنقة حتى تمزق قميصه، إنا لله وإنا إليه راجعون. لقد كان حفاف الفائز الوحيد في ذلك اليوم فنال الشهادة بينما يحمل كل من حضر وشاهد نصيبه في الجريمة إلى يوم القيامة، وكل من فرح وهلل في ذلك اليوم هو نادم اشد الندم حيا كان او ميتا والعياذ بالله. ولا أحد يعلم حتى الآن أين دفن أو أين وُضع جسده الطاهر.
 ينتمي محمد حفاف لاسرة مجاهدة تمتد اصولها في التاريخ إلى مكة المكرمة فشجرة العائلة تنتهي بسيدنا عمر بن الخطاب، ولد محمد في غريان بالقواسم سنة 1949م وترعرع بين جبالها ودرس المرحلة الابتدائية في غريان ثم رحل إلى الزاوية حيث اكمل دراسته في القسم الداخلي بالزاوية وفيها تعرف على استاذ فلسطيني دعاه للانضمام لحزب التحرير.
كان محمد حفاف جديا ولا يضيع وقتا ولا جهدا، حريص على الوقت وقضيته الكبرى هي الدعوة إلى الله ولحزب التحرير والتبشير بقيام دولة الخلافة،  واذكر اثناء فترة التدريب العسكري بعيد انقلاب سبتمبر المشئوم انه كان ياتي للتدريب مبكرا في صباح كل يوم وقال لي ذات يوم: انا ابحث عنها في السماء وأتتني إلى الأرض فهل اتركها. لقد كان يمني نفسه بالجهاد في سبيل الله واغلى  ما يتمنى ان يدخله الله الجنة وهكذا يكون كل من يحمل هم رسالة.
خلال فترة دراسته بالكلية كان مُراقبا من الجهات الأمنية وقد بلغنا بواسطة أحد ضباط الأمن الداخلي أن مجموعة من الطلبة سوف يتم القبض عليهم  وذلك قبل خطاب زوارة 1973م، واذكر أننا كنا في حلقة نقاش داخل حجرة حفاف بالقسم الداخلي بعيد العصر والحجرة مغلقة وإذا بأحدهم يحاول فتح الباب عنوة من الخارج وكاد أن يكسر الباب لولا مرور مجموعة من الطلبة ففر من أمامهم. سألت حفاف عن هذا الشخص فقال: أنه الفيتوري الشلفاح، لم اهتم بالأمر فأنا أعرفه طالبا معي في نفس السنة، ولكن عند ما أُلقي القبض على بعض المجموعة واجههم ضابط التحقيق بتقارير قال أنها من الملازم الفيتورى الشلفاح تفيد بتورطهم في جماعة الإخوان المسلمين المحظورة.
         وهكذا كما ترون أخواتي و إخوتي الكرام مات محمد حفاف شنقا بدون جريمة يرتكبها إلا أن يقول: كلنا بشر ونستحق أن نكون أحرارا نختار لحياتنا ما نشاء وننضم لمن نختار؛ ومثله مات الكثيرون سواء على أعواد المشانق أو في غرف مغلقة أو في دروب المهاجر وبعدة طرق، وتوزع دم كل واحد فيهم بين الواشي من الزملاء والجيران والمراقب من البوليس السري والدال على مكانه وشرطي القبض وشرطي التحقيق والسجان ورجال التعذيب وخدام المشانق والمتاجرين بها للحصول على بعثات ومزايا وبين المشاركين والعازفين والهتيفة من أعضاء اللجان الثورية كلهم له نصيب في الجريمة.  فهل لأحد من هؤلاء الذين شاركوا في الجريمة توبة؟ ومن يقبل التوبة من رجل يداه ملطختان بدماء الأبرياء؟ ومهما انشق على الأرض أو حتى في السماء فهو يبقى قاتلا لبريء.

Wednesday, January 9, 2013

فضيلة الوفاء



لقد نشرت هذا المقال في صفحة ليبيا وطننا بتاريخ 15 أبريل 2010م

قديما قالوا: الاعتراف بالحق فضيلة، و هذا يعنى الاعتراف بحق الآخرين على المرء، أو القبول بكل ما هو حقيقي من آراء و أفكار. و إذا كان هذا فضيلة فإن الاعتراف بفضل الآخرين على المرء يكون من أفضل الفضائل، و هذا يمثل أقل مستويات الوفاء لأهل الفضل علينا، و الله سبحانه و تعالى يقول في محكم كتابه:
 "و لا تنسوا الفضل بينكم ". 

و الوفـــاء في مجمله هو اعتراف بالفضل و أداء ما يترتب من واجبات علينا نحو أولى الفضل سواء بالنسبة لهم أو لمن يهمهم أمره. و كل منا ناله نصيب من فضل ممن عاش معهم أو بينهم أو بهم و لهم، و ينبني على هذا الفضل حقوق و التزامات يجب الوفاء بها.

فالوطن الذي ترعرعنا بين ربوعه و امتزج حبه في قلوبنا مع كل نفس و كل خطوة مشيناها فيه؛ له علينا دين كبير و حق يجب أن لا ننساه، و العلاقة بالوطن لا تتحدد بالمكاسب الشخصية ، بل هو قضية انتماء جذري، و حب الوطن واجب في أحلك الظروف و أصعبها ناهيك عن أوقات الرفاهية و السعة. و لو أدرك كل واحد منا وفكر ملياً في أفضال وطنه عليه لأدينا الواجب و زيادة . كيف لا و قد ضحى أجدادنا وآباؤنا بأرواحهم في سبيل عزة هذا الوطن و كرامته
وعلى دربهم سار أحفادهم الذين سطروا تاريخ نضالهم بدمائهم الزكية خلال الثورة المباركة سنة 2011م.
 و أفضل الوفاء هنا يكون في الاحتفال بيوم الشهداء أو يوم الوفاء، و ليكن ذلك في السادس عشر من سبتمبر من كل عام في ذكرى إعدام شيخ الشهداء عمر المختار.  وقد من الله عليّ بأن كنت حاضرا في اجتماع مجلس الوزراء الموقر في حكومة السيد الكيب يوم تحديد العطلات الرسمية واقترحت هذا على المجلس ووافق بالإجماع والاستحسان للفكرة.
 و كي يكون الاحتفاء بالذكرى كاملا؛ أرى أن نخصص ذلك اليوم لزيارة قبور الشهداء و مواقع المعارك في كامل التراب الليبي و داخل معسكرات القوات المسلحة، بحيث تنظم زيارات مدرسية و مهرجانات بهذه المناسبة و بهذا نعلم أجيال المستقبل درسا في الوفاء و قدسية الاستشهاد و الشهداء في قلوبنـا.

ولقد كان تعلق الإنسان الليبي بوطنه  واضحا عبر الأجيال ، إذ ترويها حكايات الأولين وترنموا بها في قصائد و بيوت الشعر الشعبي ، و منها ما قاله( مواطن ليبي في المهجر) عندما اضطرته ظروف الحرب إلى أن يهاجر إلى العراق بعد استشهاد عدد كبير من أفراد عائلته إثر هجوم إيطالي مدبر على بيت عائلة جعودة في مدينة بنغازي.

حيث قال المواطن أبو بكر جعـودة:

على وطنكن نا ما ننهاكن ... سيلن بدم كان فاض إوعاكن

 كلمات تسيل منها الدموع شوقا و حنينا إلى الوطن الحبيب في كل وقت و حين  عند كل من يجرى في عروقه حب البلاد و كل من تغرب يعرف هذا الإحساس في نفسه. و خلاصة البيت المذكور أن الشاعر يأمر عينيه أن تسيلا بالدم إن جفت مآقيها عن الدموع بكاء على وطن مزقته الحروب واستباح دياره الطليان و عملاؤه.

ثم بعد الوطن يأتي دور الوالدين في رعاية و تنشئة المرء طوال حياته، و هنا يكون الحد الأدنى للوفاء في رعايتهما عند الكبر و عدم استغلال ضعفهما في نهاية العمر للاستيلاء على أموالهما و أملاكهما بغير حق ، و بالتالي حرمان بقية الأخوة و الأخوات من حقوقهم. أما بعد و فاتهما أو و فاة الأب بالذات يجب على الأبناء رعاية الأخوات و حماية مصالحهن و عدم استغلال نقاط الضعف فيهن لفرض قرارات قد تضيع حقوقهن.
 كما يأتي الإحسان أيضا إلى أصدقاء الوالدين و من أحبوا من الناس كنوع من الوفاء لذكراهم و الرسول صلى الله عليه و سلم كان يكرم صويحبات السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها بعد و فاتها، إنه رمز الوفاء للرفقة و العشرة.

و أتم الوفاء للوالدين بعد الموت يكون بالتصدق عليهما و الدعاء لهما بالرحمة و المغفرة في كل صلاة، و الإحسان إلى أقاربهم و أرحامهم و أصدقائهم و المثل الليبي يقول:
صاحب بوك خير من صاحبك؛ فصاحب الوالد دائما يعد العشرة. و بعد الوالدين يأتي الوفاء لأسرة المرء نفسه سواء كان ذلك للإخوة و الأخوات أو الأزواج و ذلك في الدنيا و بعد رحيلهم عنها. فرعاية أبناء الأخوة و الأخوات و زيارتهم و السؤال عنهم و تفقد أحوالهم واجب في حده الأدنى ووفاء عند كماله. كذلك بين الأزواج ؛ يكون الوفاء بحفظ الأسرار و رعاية الحقوق الواجبة و استحضار الفضل بعد الافتراق بموت أو حياة. فقد أحل الله بالزواج الاتصال بالأنساب و الأرحام بميثاق غليظ يكتب فوق الأرض و يحفظ في السماء، و حسن التبعل يكون بعد الفراق ولا معنى للأدب و التلطف في المعاشرة الذي ينتهي بالجفوة و المعاداة. 

و هنا كذلك لا ننسى من كان له دور فاعل في تربيتنا و تعليمنا و بناء قدراتنا ، ألا وهم  أساتذتنا و مدربينا و موجهينا في مرحلة الشباب و كل من كان له دور في تنمية معارفنا من أهل العلم و الأدب و الوعظ، كل هؤلاء لهم حق الوفاء علينا بالدعاء لهم و ذكرهم بالخير و السير على خطاهم في بناء الأجيال القادمة. و خير الوفاء ما كان وفاء لأهل الفضل و أهل الخير صادقا لوجه الله لا يرجو منه المرء جزاءاَ و لا شكورا. و خير الوفاء للجيل المربى يكون باستحداث
يوم المعلم و المربى تقدم فيه هدايا رمزية لكل معلم و مربى في مكان عمله في يوم من أيام السنة، و لتكن مع بداية العام الدراسي. و هذا بطبيعة الحال تكريم لرسالة المعلم الذي كاد أن يكون رسولا، و تذكير لكل معلم بالأمانة المنوطة  به في المجتمع.
و هنا يحضرني بيت من الشعر حفظناه أيام الصغر:

قم للمعلم ووفه التبجيل ... كاد المعلم أن يكون رسولا

و قد حصر الشاعر هنا الرسالة بين الأنبياء، و لكن المعلم في واقع حاله يحمل رسالة التربية و التعليم و هو يبلغ فيها عن الرسول الأكرم و العلماء هم ورثة الأنبياء كما يعرف الجميع، و بالتالي يكون كل معلم مخلص في عمله رسولا لرسول الله إلينا. و إلى زمن قريب كان المسجد هو المدرسة و الشيخ هو المعلم كما كان التعلم و التعليم عبادة لله سبحانه و تعالى كما كان العلم سلعة شريفة لا تعطى إلا لمن يستحقها.

ثم يأتي الوفاء للأصدقاء و الرفاق و زملاء العمل و هو الوفاء للصحبة و للعيش و الملح على رأى المصريين. و قد يشمل هذا كل الرفقاء في الحياة بكافة دروبها و اقل الوفاء هنا يتجلى في تجنب ذكر العيوب و التركيز على ذكر الفضائل؛ أما أفضل الوفاء فيكون بدوام المواصلة مع الرفاق و مع أبنائهم بعد وفاتهم و تقديم النصيحة لهم و تذكيرهم بفضائل آبائهم. و كلنا يعرف أن طبيعة حياتنا الاجتماعية تجعل بعض الرفاق أكثر إلماما و معرفة بالرجل من أبناء أسرته و هنا تبرز أهمية التواصل بين الأجيال.
 و تحضرني في هذا المقام حكاية وزير في أوائل السبعينيات من القرن الماضي عندما كان الوزير أمينا و لا مكان للرشوة و الوساطة عنده، كان بيته في أيام الأعياد و المناسبات لا يكاد يسع الزوار و بعد أن استقال من الوزارة و كان العيد بعد ذلك بأسابيع قليلة وجد نفسه لوحده بالبيت يوم العيد و لم يزره في ذلك العيد من خارج الأسرة سوى أثنين من رفاقه القدامى. سمع الوزير سابقا الجرس ففتح الباب فوجد كلا من المهندس فتحى بن عامر و المهندس مرعى القنين فاغر ورقت عيناه بالدموع و قال لهما: كنت اعرف أنه لن يفعلها غيركما. هكذا يكون وفاء الرجال فوق المصالح و المناصب و ما كان لله دام و اتصل.

و أخيرا و ليس بآخر يأتي الوفاء بالعهود و الله سبحانه و تعالى يقول في كتابه العزيز: وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا. و الوفاء بالعهود من شيم المؤمنين و نقض العهود و خيانتها من خصائص المنافقين. و كم من دولة سقطت و شعوب دمرت و حضارات زالت بسبب خيانة العهود على جميع المستويات من الموظف البسيط المسؤول عن المحفوظات إلى قادة الأمم و الجيوش.
 و كثيرا ما نغفل أو نتناسى عهودا في رقابنا أمام الله و أمام القانون وأمام الناس مثل؛

العهد الذي يعطيه الطبيب لخدمة المرضى لأسباب إنسانية

العهد الذي يقسم به رجال القانون و القضاء للعدل بين الناس

العهد الذي يقطعه الضابط على نفسه للدفاع عن الوطن

العهد الذي يتعهد به رجل الشرطة لحماية المواطن و تطبيق القانون

العهد الذي يتحمل به الوزير  أمانة حماية مصالح الشعب

العهد الذي يتعهد به الحاكم لشعبه بالعدالة و المساواة و الحياة الكريمة 

العهد الذي يحمله المعلم في ذمته لبناء جيل أفضل 

العهد الذي قطعه الثوار بتحرير ليبيا وتأسيس دولة القانون

              وقبل أن نطلب من شعوبنا الوفاء لنا علينا أن نفى بعهودنا، فالشعوب قد تنسى من يسيء إليها بسرعة خروجا من المآسي و الآلام ،و لكنها تظل عبر السنين تذكر فضائل من أحسن إليها أو ضحى في سبيلها و التاريخ خير شاهد على ذلك. و كلنا يعرف أن الناس عيال الله و أدوات مسخرة لإيصال فضله بين بعضهم و من لا يشكر الناس لا يشكر الله، ووفاؤنا لأهل الفضل علينا هو من تمام الحمد و الشكر لله الذي سخر لنا من يقوم على أمورنا و يرعاها.