Showing posts with label اسلاميات. Show all posts
Showing posts with label اسلاميات. Show all posts

Friday, October 14, 2011

تمام الدين في حسن المعاملة


الدين في اللغة هو أسلوب الحياة، و الدين في الشريعة هو شرع الله الذي أنزله الله سبحانه و تعالى على رسله، و يشمل كل عمل و قول و اعتقاد يتقرب به العبد إلى ربه و خالقه. و جوهر الدين في حقيقته هو الانصياع و الاستسلام لأمر الله و حكمه طلبا لرضاه و خوفا من غضبه و عقابه و هو ما يعرف بالإسلام.
 و يتدرج المسلم حسب تمام تدينه من مرتبة الإسلام إلى مرتبة الإيمان ثم إلى مرتبة الإحسان وهي مراقبة الله في كل لحظة، و يأتي هذا التدرج حسب تعلق المرء بخالقه و إقباله على الطاعات و اجتنابه للمعاصي.
و كما نعرف جميعا فإن أركان الإسلام خمسة و هي موضحة في الحديث النبوي الشريف، حيث يقول الرسول صلى الله عليه و سلم"بني الإسلام على خمس" إلى آخر الحديث. و هي بالتالي أركان الإسلام التي يبنى عليها الدين و ليست الدين في حد ذاتها. إنما هي وسائل يتقرب بها العبد إلى ربه و يزكي بها نفسه و جسده و ماله من خلال ممارستها، و لو توقف عندها المسلم ما كان له فضل على أحد من الناس. أما تمام الدين و كماله فهو أكبر و أعم و أهم بطبيعة الحال و لكن من لا يؤدي هذه الأركان كما ينبغي لها هو أبعد ما يكون عن تمام الدين بل قد يخرج من دائرة الإسلام إذا تركها جاحدا منكرا.
 و لقد ورد وصف الدين بعدة صيغ جامعة و منها و أجملها " الدين المعاملة"، و هذه المقولة ليست بالحديث الشريف و لكنها قاعدة و عرف بشري تراكمت معانيه عبر السنين من تجارب الناس في الحياة. وهذه القاعدة في الحكم على مستوى التدين عامة تنطبق على جميع الناس بغض النظر عن مواقعهم في الحياة و قدرتهم على التأثير بين الناس.
و كم من مصل ليس له من عمله أجر يذكر فصلاته لا تنهاه عن الفحشاء و المنكر، و كم من ملتح ليس له من عمله أجر يذكر فلحيته مظهر خارجي ينتهي عند جذور الشعر و لا يلامس قلبه و لسانه، و كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع و العطش و هذا بطبيعة الحال إذا لم ينتبه إلى حقيقة الدين في حسن المعاملة.
 فدين المرء يوزن بناء علي طريقته في معاملة الناس و بحسب أسلوبه في التعامل مع الآخرين، ففي التجارة و التعاملات المالية يكون الدين في صدق المعاملة و الوفاء بالالتزامات و الأمانة في التعامل مع حقوق الآخرين. و كذلك يكون نوع النوافل، و هنا يحضرني حال أحد الأصدقاء الذي كان يعمل في التجارة و نمت أعماله من متجر صغير إلى سوق مجمع و عدد كبير من العاملين فقال لي ذات مرة:إني أخشى أن تكون الدنيا قد ألهتني عن أعمال الآخرة و انشغلت عن تفقد المحتاجين و عن النوافل. فقلت له: أنت في وضعك الحالي نافلتك تشغيل الشباب و أداء حقوقهم بما يضمن لهم حياة كريمة و زكاتك بالتأكيد ستكون أكثر من ذي قبل و ستعم عددا أكبر من المحتاجين، و هكذا تتحول النوافل و أعمال البر لتشمل توفير فرص العمل و تدريب العاملين و إعانتهم على العيش الكريم و مساعدة بعضهم على الزواج و الإحسان إليهم و إكرامهم في الأعياد و المناسبات.
أما دين الموظف في الإدارة العامة فيكون في عدله بين الناس إتباعا لقوله تعالى"اعدلوا هو أقرب للتقوى"، و في سرعته في قضاء حوائجهم تطبيقا لقوله صلى الله عليه و سلم"خير البر عاجله" و أن يقوم بعمله على أحسن وجه امتثالا  لقوله صلى الله عليه و سلم "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"، و أن يستقبل الناس بوجه طلق بشوش و له في ذلك الأجر و الثواب فرسولنا الكريم يقول:تبسمك في وجه أخيك صدقة. و لو تعذرت الخدمة فأقلها أسلوب حسن و كلام لين و رفق في المعاملة، و زكاة الموظف و صدقته الحقيقية تكون في استعمال الوقت و الجهد لتجهيز معاملات الناس قبل حضورهم و تفقد الأشياء المطلوبة منه بصفة دورية و تيسير الإجراءات.
أما دين المسئول أو الرئيس أو المدير فيكمن في حسن خدمة العامة، فهو مؤتمن على مصالحهم و أول ما يسأل يوم القيامة عن هذه الأمانة، و هنا يحضرني موقف رأيته بأم عيني في إحدى المدن الليبية ذات يوم حينما مر عميد البلدية على عمال البلدية يجلسون في وقت العمل الرسمي يعدون الشاي و يتجاذبون أطراف الحديث في أحد الشوارع فجلس معهم لفترة و شاركهم في الحديث. هذا بطبيعة الحال سوء تفسير لمعنى حسن المعاملة فهو بهذا ضيع حقوق العامة و التي تكمن في أداء الخدمات أو صيانة الطريق و مرافقها كما أقرهم على تضييع الوقت. كما يحضرني مشهد يتكرر في الكثير من الإدارات عند ما تتحول المكاتب إلى مجالس للحديث و استقبال الأصدقاء أو قضاء الحوائج الشخصية و ينشغل الجميع عن الواجبات المطلوبة و رعاية مصالح الناس.
الدين الكامل يكمن في المعاملة الحسنة في البيت مع الأسرة و مع الجيران و في الشارع مع المارة، و الدين في   العمل يتحقق بأداء الحقوق للآخرين و الدين في المدرسة أو الجامعة يتجلى  في تسخير كل جهد و وقت للإعانة على طلب العلم و تحصيله. و الدين في المسجد يكون بالنصح و النصيحة و الرفق و التراحم و الدعاء بالخير و التعاون على البر والتقوى.
و لكي نحقق مقولة" الدين المعاملة" علينا بدوام التواصي بذلك و الصبر عليه عملا بقوله تعالى" وتواصوا بالحق و تواصوا بالصبر"، و الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم يقول"الدين النصيحة" و هذا الحديث يضع لنا وصفا جامعا للدين في النصيحة. و النصيحة بين المسلمين هي رسالة كل المسلمين و خاصة المصلحين و المتعلمين و المثقفين و الدعاة إلى الخير منهم.
 و خير النصائح ما كانت برفق و لين و أسلوب سليم بحيث لا تخرج من دائرة النصح إلى دوائر الإيذاء أو الاعتداء على الآخرين سواء ماديا أو معنويا. و العرب تقول" لكل مقام مقال" و النصح لا ينبغي له أن يصل إلى مستوى التغيير المخل بالقوانين و التشريعات، فهناك تصرفات و إجراءات لا تجوز لأحد لا يحمل صفة رسمية مشروعة، كما أنها قد تسيء إلى سمعة الإسلام و المسلمين. و لنا في رسولنا الكريم صلوات الله عليه و سلامه أسوة حسنة، فلقد صبر على عبادة الله في مكة و الأصنام قائمة حول الكعبة و لم يمسسها بسوء إلى أن فتح الله على يديه مكة المكرمة فهدم الأصنام و هو يكبر الله و يسبح بحمد الله و يستغفره.

Sunday, February 6, 2011

الظلم و نصرة المظلوم

عمر حسين الخذراوي

جاء عن أبي ذر الغفاري أن رسول الله  قال فما يرويه عن ربه عز وجل: ((يا عبادي، إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا..)) رواه مسلم والظلم هو التعدّي بوضع الأمور في غير موضعها. والظلم يُعد من الكبائر التي أجمعت على ذمّها الأديان والتي حاربها الإسلام على مرور الأزمان، قال عنه النبي : ((اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)) رواه مسلم.
و لأن الله حرم الظلم على نفسه و جعله بين عباده مُحرما فقد تعهد بأخذ الحق للمظلوم من الظالم, كما قال الله سبحانه في الحديث الإلهي: ((وعزتي لأنصرنّك ولو بعد حين)).
وقد أجاد من قال:
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرًا          فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
تنام عينـاك والمظلوم منـتبه         يدعو عليك وعين الله لم تنم

فعلى المسلم أن يتقي الظلم،  لأن النبي  أخبر أن الدنيا تملأ في آخر الزمان ظلمًا وجورًا, وها نحن نشهد صدق ما أخبر به ، بأم أعيننا فإن الظلم قد فشا وشاع بين الناس، في الدماء والأموال والأعراض، حتى صدق في سلوك كثير من أبناء هذا الزمان ما قاله الشاعر الجاهلي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد                   ذا عـفةٍ فلـعلةٍ لا يظلـم
إن العالم باتت تحكمه شريعةُ الغاب وسياسات التهديد والإرهاب ولغة التحدّي والإرعاب، مصالح ذاتية، ونظمٌ أُحاديّة، وإدارة فرديّة، تتعامل مع الغير معاملةَ السيّد للمسود والقائد للمقود، سياسةُ مصالح لا قيم، سياسة لا تحكم بالسويّة، ولا تعدل في قضيّة، ولا تتعامل إلا بحيف وازدواجية. ديكتانوريات تتحكم في العباد ، و تسعى في الأرض بالفساد ، تخلت الأمة عن حكم الشورى الذي أمر به الأسلام و خضعت لحكم الفرد يسومها سوء العذاب ، فشقيت الأمة بهذ الحال دهرا من الزمن لأنها تنكبت الصراط و صدق الشاعر إذ يقول:

 رأي الجماعة لا تشقى البلاد به *** ورأي الفرد يشقيها

      إنها صورةٌ واضحة المعالم جليّةُ الأبعاد للواقع المرّ  المعاش في أوطاننا والذي تأباه نفسُ كلّ أبيّ حرّ، وقد سقط القناع اليوم عن كل تلك الوجوه التي كانت تتشدق بالحرية و العدل و المساواة و تتغنى بحقوق الإنسان، أين هي حقوق الإنسان مما يجري اليوم لإخواننا في مصر البطولة و الإيمان حيث يمارس الظلم بشكل منظم على أيدي مليشيات تابعة للحكومة و للنظام الحاكم الذي رفضه الناس ولفظوه و لا نسمع إلا بعض الإستنكار من بعض الحكومات الغربية على استحياء ، فليس عند القوم للعدل حظٌّ ولا معنى. يتشدقون بالحرية و لكنهم لايرضونها لشعوبنا، وينادون بالديمقراطية و لكنهم يستكثرونها على شعوبنا، يكيلون بمكيالين ويزنزون بميزانين. و لكنها الأيام دول وها هوالإسلام يصحو في قلوب أبنائه من جديد ليحيي هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، تهدي و تصلح وترشد، و تقوّم وتأمر بالمعروف و تنهى عن المنكرفتأخذ مكانها بين الأمم، عزة و منعة ورقيا وتقدما و حضارة، و تنفض عنها غبار النوم الذي بسببه استكانت لأعدائها :
غرتهم سنة الكرى فتوهموا *** ياللذكاء فكيف قد غرتهموا
سنة ومرت و النيام تيقظوا *** فليعلموا من نحن أو لا يعلموا

     إن الدهرُ طعمان حلو ومرّ، والأيام طرفان عسرٌ ويُسر، وكلّ شدّة إلى رخاء، وكل غمة فإلى انجلاء، وإنَّ بعد الكدر صفوًا، وبعد المطر صحوًا، وإن بعد الليل فجرا، والشمس تغيب ثم تشرق، والروض يذبل ثم يورق، ولله أيام تنتصر من الباغي وتنتقم من العاثي، ومن عرف الله في الرخاء عرفه الله في الشدائد، وصرف عنه المكائد، وحفظه وهو نائم وقائم وصاحٍ وراقد. يقول تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ .وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ .ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَـٰلَهُمْ .أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَـٰفِرِينَ أَمْثَـٰلُهَا .ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ [محمد:7-11].   
 إن على كل واحد منا أن يقوم بما أوجب الله عليه من نصرة ديننا وإخواننا في مصر،  فمن حق إخواننا في مصر علينا أن نجتهد في الدعاء لهم حتى يُفرج الله كربتهم و يخرجهم من محنتهم و ينصرهم على عدو الله و عدوهم. فلا ينبغي لنا أن نغفل عن هذه العبادة، التي ربما يغفل عنها الكثير من الناس اليوم في خضم هذه الاحداث الأليمة المتلاحقة، التي يمر بها المسلمون في مصر. فننصرف عن الدعاء والتضرع والخضوع لله عز وجل، بكثرة المجالس، وسرد الأحداث، وتتبع الأخبار وقالت الجزيرة وأوردت الحوار ونرى أحدنا مصغياً إلى الإذاعة بأذنيه، وشاخصاً إلى التلفاز بعينه طيلة ساعات ليله أو نهاره، فأين وقت دعاء الله سبحانه وتعالى.  إنّ الدعاء مقام عظيم، وشعيرة جليلة، وعبادة فاضلة، وهو من أفضل العبادات، ومن أعظم مقامات الألوهية، ومن أعظم ما يرفع البلاء والعقوبات بإذن الله سبحانه وتعالى، يقول سبحانه: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ. [سورة غافر، الآية: 60]. وقد سأل أعرابي الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟! فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ. [سورة البقرة، الآية: 186].
واسمعوا معي  واقرأوا قصة النبي  صلى الله عليه وسلم عند غزوة الأحزاب، وفي بدر لما خرج لملاقاة المشركين، فقد بات ليلته والناس نائمون، بات ليلته كلها وهو يدعو الله عزّ وجل، وقد وعده الله عزّ وجل أن ينصره،  ومع ذلك بات يدعو الله طيلة تلك الليلة، يدعو الله بقلب خاشع، وبكف ضارع يجأر إلى الله عز وجل، ويبكي ويتضرع، ويمرّغ وجهه بين يدي رب العالمين في ظلمات الليالي صلوات الله عليه، ففي الحديث "لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ. [سورة الأنفال، الآية: 9]." وقد ذُكر عن بعض الصالحين وغيرهم أنهم دعوا الله عز وجل وقت الشدة، وقد صدقوا اللجأ والاضطرار إلى الله عز وجل، فرفع الله عز وجل عنهم البلاء. إن المسلم في مثل هذه الأحوال، وفي مثل هذه الظروف عليه أن يلجا إلى الله بالدعاء والتضرع، فإن الله عز وجل يحب الملحّين من عباده في الدعاء. وفي الحديث: "إن الله يحب الملحّين في الدعاء" وفي الحديث الآخر: "من لم يسأل الله يغضب عليه"
واعلموا  إنه مما لا بد منه أمام هذه النازلة أن يذكر المسلم أن من حكمة الله تعالى ومن بديع تدبيره أنه يمهل للظالم ويملي له، لكنه يأخذه في النهاية أخذاً أليماً شديداً، لا نجاة له منه، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله  قال: ((إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)) ثم قرأ النبي : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] .
وأخيرا نقول لإخواننا في مصر  ما قاله الله سبحانه وتعالى: إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ . وَلِيُمَحّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ . أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ [آل عمران:140-142]. فأقول لإخواننا الصابرين المجاهدين في مصر الذين يجوبون شوارع البلاد بصوت واحد كفى ظلما و آن للظالم أن يرحل، أقول لهم :اصبروا فإن العاقبة دائماً للمتقين، والنصر والتمكين والغلبة للصابرين الصامدين، الذين يستيقنون أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً. و إنما هي صبر ساعة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214]. أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ، أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ.

بتصرف من خطبة الجمعة التي ألقيت بمسجد تالا جنوب دبلن الموافق 2011-02-04




Sunday, December 26, 2010

محو الهوية الإسلامية

       الهوية لأي امة تحمل في طياتها أبعادا تاريخية و أبعادا ثقافية و أبعادا دينية و أبعادا اجتماعية و أبعادا بشرية و أبعادا اقتصادية و يلتقي هؤلاء جميعا في بصمات الهوية الحضارية ، و بالنسبة للأمة الإسلامية يمثل عامل الدين الاسلامى العمود الفقري لبقائها بينما تمثل اللغة العربية و هي لغة القرآن الكريم لسانها و وسيلة تعبيرها. و الكثير من التعريفات السطحية للهوية تحاول ربطها ببعض العادات أو المأكولات الشعبية في بعض المناطق و هذه إحدى وسائل الداعين الى تمزيق الأمة من المستشرقين  و تلامذ تهم من الشعوبيين مثل محاولة استحداث هوية لكل قطر عربي.
و نلاحظ في وثيقة  من إحدى وثائق الحكومة البريطانية، و قد سبق الإشارة إليها بطريقة عابرة في مقال سابق بعنوان : هكذا ضاعت الهوية، وفى هذه المرة نترجمها لكي تتضح الصورة اكثر.

قال اللورد مكوللى في خطابه للبرلمان البريطاني في يوم 2 فبراير من سنة 1835 م :

 لقد سافرت في الهند طولها و عرضها ، فلم أجد متسولا أو نشالا، فمستوى الرخاء و مستوى الروح المعنوية العالية وأناس من هذا الطراز من البشر جعلني أرى استحالة استعمارنا لهذا البلد إذا لم ندمر العمود الفقرى لهذه الأمة، و الذي يتمثل في قيمها الروحية و الثقافية.
 و عليه فأنى أقترح استبدال نظامها التعليمي القديم و ثقافتها؛ و على الهنود بعد ذلك أن يقتنعوا بأن كل ما هو أجنبي أو بريطانى جيد و أفضل مما لديهم و بهذا سيفقدون الاعتزاز بأنفسهم و ثقافتهم و يتحولون كما نريدهم إلى أمة مهزومة حقيقة.


       و الذي لم يذكره هذا اللورد أن الهند كانت دولة إسلامية و لمدة عدة قرون، حيث حكمها المسلمون دون أن يدمروا هويتها الهندية، و لكنهم وفروا لها الرخاء و العدل و الأمان بالرغم من أن عدد المسلمين من الهنود كان يمثل حوالي سدس عدد السكان الاجمالى. و كانت حدودها مفتوحة للتجارة مع جيرانها من البلاد المسلمة و كلنا يذكر طريق و تجارة التوابل.
و المهم في هذه الوثيقة هو تخطيط الانجليز و الغرب بصفة عامة لتدمير عرى الهوية الإسلامية للعالم الاسلامى، ولا استبعد دورا للبابا و الكنيسة في مثل هذا الأمر، فقد سبق و أصدر البابا فى العصور الوسطى فرمان بمنع بيع الخشب و المسامير الكبيرة للمسلمين كي لا يبنون سفنا ضخمة تنافس النصارى في البحار. و كلنا يذكر الدمار الثقافى و الفكري الذى ألحقته فرنسا ببلاد المغرب العربي و بلاد جنوب الصحراء و بلاد الشام ، و لا زال أثرها بارزا في مجرى الأحداث في هذه الديار.
 و نفس الأفكار التي استخدمت في الهند نجد معالمها في العالم العربي؛ حيث بدأت بمحاربة حركات النهضة الإسلامية في القرن التسع عشر على طول الأرض العربية من جميع الاتجاهات إلى أن وصل الأمر إلى احتلال معظم هذه المناطق.
 ثم بعد ذلك تم استحداث و إخراج  بعض الزعامات الضعيفة و جعلوها تثق في الغرب و تعتمد عليه في حماية أنظمتها الهشة. و بهذا خلت الساحة لهم ليتمكنوا من ضرب النظام التعليمي تحت شعار تطوير التعليم و تحديث المدارس و إدخال التقنية. و لقد نجحوا بدرجة مكنتهم من فرض الزى الاوربى محل الزى العربي و الاسلامى في كثير من البلاد. و أصبح لدى كل ملك أو أميرعربى مستشار غربي يساعده في إدارة أمور بلاده ، بل و يثق فيه أكثر من أبناء بلده، فيبعد من لا يحب الغرب و ينفى من البلاد من لا يحبه الغرب.
 و بواسطة البعثات الدراسية بين الجانبين تمكن الغربيون من إعداد خبراء و أساتذة  من المسلمين لينوبوا عنهم في الدعوة إلى التخلي عن قيم الإسلام ووصفها بالتخلف و الرجعية، ووصل الأمر يبعضهم إلى قطع الانتماء إلى الأمة و تبنى مناهج الكفر و الإلحاد و محاربة الإسلام . بل و زاد بعضهم على هذا بالدعوة إلى الرجوع إلى الأصول من فرعونية و فارسية فكرا وعقيدة.
و تحت شعار التسامح بين الأديان نرى كيف تم و يتم كل يوم تنصير أعدادا كبيرة من المسلمين في بلاد المسلمين و في بلاد العرب أيضا ، و إذا ساهمت الدول ووسائل إعلامها في زعزعة عرى الإيمان بالبرامج السطحية والإباحية يسهل على المبشرين إقناع البسطاء من الناس بيسر الديانة المسيحية .
و إذا تتبعنا آخر تطورات الأوضاع السياسية في العالم سيتضح لنا أن الغرب سعيد جدا بكل التطورات الديمقراطية في جميع بقاع الأرض إلا ديار المسلمين؛ ففيها تحلو الدكتاتورية و الظلم و الاستبداد و محاربة حقوق الإنسان.
 و لقد تم تفكيك الاتحاد السوفييتي بسلام و برزت دولا متقدمة تنعم بعضوية الناتو و الاتحاد الاوربى و تركيا لا زالت تطرق الباب و يفرضون عليها شروط النسيب الكاره بالرغم من أنها عضو مؤسس للناتو. و أنا هنا لا يهمني أمر تركيا و أحبذ رفضها بالكامل لعلها تعود إلى رشدها و تعرف مكانها بيننا، و لكن للتدليل على وجود مخطط تدميري عالمي يرفض أن نتقدم كعرب و كمسلمين.
 و كلنا يذكر عندما خرج علينا كبار ساسة أمريكا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي بالقول المشهور: أصبح عدونا الأول الآن  الإسلام و العالم الاسلامى، و بذلك انتقل خط المواجهة إلى صقلية .
 و كذلك تلاحظون معي استخفاف الغرب بالدول الموالية لهم، فهم لا يزودونها بالسلاح المناسب للدفاع عن نفسها بالرغم من المبالغ التي تدفعها لهم، بل يتركونها أسيرة للمخاوف المحيطة بها لتبقى على ولائها لهم دائما، كما أنهم لا يساعدونها في بناء التقنية الحديثة لكى لا تنهض، بينما سخروا لإسرائيل كامل جهدهم و علمهم و أموالهم ورجالهم و جعلوها الدولة الأسطورية في المنطقة و القادرة على هزيمة الجميع مجتمعين.
من كل ما تقدم يتضح لنا بان محو الهوية الإسلامية هو طريق الغرب و طريقته للسيطرة على شعوبنا و مواردنا و أراضينا، فهم بدؤوا الحملة وقت غناهم ولا أظنهم يتوقفون الآن عنها في وقت حاجتهم إلى الموارد و الاراضى و العمالة الرخيصة. و لقد بدؤوا هذه الحملة متفرقين و متنافسين و لا أظنهم يتركونها و هم مجتمعون و متفقون عليها و علينا . و نحن ، من نحن؟ لا حياة لمن تنادى.


Tuesday, December 21, 2010

دروس نبوية في التربية

         إن الاهتمام بتربية الجيل الجديد هو أهم عناصر تقدم الأمم الأساسية فهم رجال المستقبل و حملة أفكار الأمة و بذلك يحملون بذور بقائها و استمرارها. و الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم أعطى هذا الموضوع جل اهتمامه فهو كان رقيقا و رفيقا و رحيما مع الأطفال في داخل بيته و خارج بيته، بل كان مدرسة خاصة في مجال التربية تغرس أسس الإيمان في سن مبكرة في نفوس الأطفال بيسر و سهولة. و لقد كان أساس مدرسته يسروا و لا تعسروا، و بشروا و لا تنفروا، و لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، و هذا نلمسه بوضوح في حديث الغلام.
الحديث الشريف
        عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال:
يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف.
 رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح.
    
       تتجلى في هذا الحديث الشريف ملامح أسلوب التربية النبوية في تنشئة الجيل الجديد، فالمصطفى صلى الله عليه وسلم يحمل الطفل خلفه على الدابة و يغمره بالعطف و الحنان فيتحدث إليه كي يستفيد من وجوده معه فينفعه ببعض الكلمات. و الرسول في هذا الموقف لا ينتظر سؤالا من الغلام كي يجيب و لكنه يفتتح الكلام بخطاب ود، فيناديه يا غلام. و في هذا الأسلوب حكمة و بلاغة مع رفق بالمخاطب، فكلمة يا غلام جعلت الأمر يعنى كل غلام، أي كل طفل غير بالغ للتكليف و لو ناداه باسمه لكانت المعلومة تخصه هو فقط و لا تعنى غيره. ثم أفاده بأنه يريد أن يعلمه كلمات كي يجذب انتباهه لما سيقول له، فالتعليم ليس مجرد حديث عابر بل إيصال معلومات تناسب قدرة المتلقي. و هنا يبرز اهتمام الرسول الكريم بتعليم طفل لم يبلغ الحلم، فهو يعطى جزءا من وقته لتعليم الغلام و في هذا تثمين لدور الجيل الجديد فهم سيكونون قادة المستقبل. أما لفظة كلمات فتحمل في طياتها كلمات لها قيمة و وزن و أبعاد فكلما قل الحديث زاد تركيزا و أبعادا، و بالتالي على السامع أن ينتبه لكل كلمة منه فهي ليست بالحديث الطويل و هذا كذلك من الرفق بالمتلقي في مثل هذه السن. ثم بعد ذلك دخل في التوجيهات النبوية فقال له: احفظ الله يحفظك، و كلمة احفظ كلمة جامعة لمعان عديدة فمنها الحفظ بمعنى التذكر و منها الحفظ بمعنى إعطائه ما يناسب قدره و منها التعلق به و محبته و منها المحافظة على السمع و الطاعة أو احترام حدوده و كل هذه المعاني تنمو مع الغلام مع سنوات تقدمه في السن فهو يبدأ بالأصل وهو الحفظ في القلب في الصغر و ينتشر هذا الحفظ ليغطى كل خطوة يخطوها في حياته. و جعل الرسول الكريم جزاء هذا الحفظ أن يحفظه الله، فيبدأ الحفظ في النفس و البدن في الطفولة و ينمو مع الأيام ليغطى الحفظ في الطاعات و الحدود و العقائد و النيات.   و الرسول صلى الله عليه و سلم لم يحدد للغلام كيف يحفظ الله و لم يكلفه بعمل من العبادات بعينه و لكنه شرع له الأساس ألا و هو حفظ الله، و هذا الحفظ ينمو و يتطور مع تقدم سنه و بالتالي بلوغه التكليف في الشريعة الإسلامية. و هذا جانب هام في إستراتيجية منهاج التربية النبوية. ثم يؤكد الرسول الكريم على حفظ الله فالعملية ليست بسيطة في ذاتها و الأجر عليها لذلك مضاعف فيقول له: احفظ الله تجده تجاهك. و هنا يبرز حفظ الله بدوام ذكره و دوام التعلق به و عندها تحدث المعية، و يحضرني نصيحة احد المربين بقوله لغلام من المتأخرين عند ما تغدو إلى فراشك قل: الله معي ، الله شاهد على، الله ناظر إلى. و بطبيعة الحال يتطور الحفظ مع دوام العبادة و التقدم في السن و بهذا تتطور المراقبة لله مع الأيام.
ثم بعد ذلك ينتقل الرسول الكريم من محطة التعلق بالله على نمط التعلق بالوالدين فيتحدث عن السؤال فهو يعرف أن الطفل في هذه المرحلة عادة ما يسأل والديه أو من يرعاه، و هو بالتالي يعرف معنى السؤال و قيمته فيوجهه الرسول الكريم إلى سؤال الله سبحانه و تعالى فيقول له: إذا سألت فاسأل الله. فمن غير الله يعطى أو يمنع، و من غير الله يجيب دعوة المضطر إذا دعاه. و الله  سبحانه و تعالى يسخر من خلقه من يجيب المسألة، فكل الخلق هم أدوات لتوصيل كرم الله و فضله. و الرسول بهذا التوجيه يريد أن يثَبت في نفس الغلام أن الإجابة لكل سؤال تأتي من عند الله. و بعد السؤال ياتى دور الاستعانة فيقول له: و إذا استعنت فاستعن بالله.  فالله هو القادر القاهر و مصدر كل حول و قوة، فهو أولى أن يستعان به في كل حال، و هذا التوجيه منسجم مع قوله تعالى: إياك نعبد و إياك نستعين. و إذا كون الغلام علاقته بالله بدوام الحفظ و توجيه السؤال و الاستعانة فإن الرسول الكريم لا  يريده أن يعلق أماله على البشر و لا أن يخشى منهم بأسا فالله قد كتب له رزقه و نفعه و ضره مثل ما كتب عليه يوم اجله، فيقول له اعلم علم اليقين الذي لا شك معه أو فيه أن اجتماع كل الأمة ما كان لينفعه أو ليضره إلا بشيء قد كتبه الله له أو عليه. و بالتالي عليه أن لا يخشى إلا الله و لا يرجو إلا كرم الله و فضله، إن مثل هذا التوجيه النبوي يعد رجال المستقبل و يؤسس لقادة الأمة فيضع حجر الأساس لتفكير استراتيجي ينمو و يزداد ترسخا و توثقا مع الأيام.
 والرسول صلى الله عليه و سلم لم يكلفه بعمل من أعمال العبادة أو المجاهدة أو حفظ القرآن أو النوافل فهو يعرف أنه غير مكلف و بالتالي أوحى إليه بأصل هذا الأمر ألا و هي المبادئ التي تنبني عليها الحياة الإسلامية. ثم يختم كلامه بأن هذا الأمر رباني و عام و صالح لكل غلام في أمة الإسلام و بأن هذا التوجيه ثابت و مرتبط بكل أحكام الدين و أنه أصل و لا قول بعده حين ما يقول له: رفعت الأقلام و جفت الصحف، أي أن هذا الأمر تم الفصل فيه.
        ألا ترون معي أنه يجب على المربين و المعلمين و الآباء أخذ العبرة من هذا المنهاج النبوي فلا يحملون الأطفال فوق طاقتهم و لا يطلبون منهم أداء فرائض أو نوافل لا تجب عليهم و لا تناسب سنهم، و هذا الأمر هو من أسس فلسفة التربية الإسلامية فالمرء مطالب بمعرفة ما يجب عليه تأديته بحكم الشريعة. و جودة التوجيه و التعليم و قيمة محتواه هي الهدف و ليس كمية أو حجم المعلومات، مع اختيار أنسب الأوقات و ألطف الأساليب.  فالغلام كان منفردا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم و ملاصقا له على الدابة و يشعر بقربه و حنانه و رحمته مثل ما يعرف له قدره و بالتالي كان استقباله رائعا فوعى الدرس و نقل إلينا هذا الحديث ثم كبر مع الأيام ليصبح أحد أشهر علماء هذه الأمة و كان نعم التلميذ لأفضل معلم عرفته البشرية عليه الصلاة و السلام.

Saturday, December 11, 2010

من لطائف القرآن الكريم

لقد فرض الله سبحانه و تعالى الإ يمان بكتبه التي أنزل على رسله و جعل ذلك من  أركان الإيمان ، فهي كلام المولى عز و جلَ و فيها أحكام العبادات و المعاملات بين أتباع الرسل من المؤمنين . و الإيمان بها جزء لا يتجزأ عن الإيمان بمصدرها ألا و هو  الحق سبحانه و ناقلها إلى الرسل و هم الملائكة الأبرار عليهم السلام و كذلك من بلغها للبشر ألا و هم الرسل عليهم أفضل الصلاة و أتم التسليم .
 و لقد جعل الله سبحانه و تعالى القرآن الكريم خاتمها و المهيمن عليها و المصدق لما سبقه منها في أصله الصحيح . و لقد أنزل الله سبحانه و تعالى القرآن الكريم في ليلة هى خيرٌ من ألف شهر و هذه  مكرمة أخرى لهذا الكتاب ، و ذلك لعلو قدره بين الكتب السماوية فهو خير كتاب عرفه البشر و أكمل كتاب من حيث الأصل و المحتوى ،  ففيه كلام الله تعالى و أحكام شرائع الإسلام .
 و لم تعرف العرب قبله أو بعده كتاب يحمل نفس الاسم، كما لم تعرف البشرية في تاريخها كتاب حفظه الناس عن ظهر قلب مثل القرآن و كأني به كتاب القلوب، و كلما ازداد المرء قراءة فيه ازداد حبًا له. و لقد شرع الله لمن يريد أن يمس المصحف أن يكون على طهارة زيادة في التكريم لهذا الكتاب.
و أول سورة فيه هي سورة الفاتحة أو أم الكتاب أو الشافية و هي خير مقدمة لخير كتاب ، فتبدأ بالبسملة باسم الله الرحمان الرحيم ، ثم تثنى على الله بالحمد و هو في العربية تكرار ذكر النعمة ، ثم تبرز صفات الحق سبحانه  لتفتح باب الرجاء في قبول الدعاء. و هي في مجملها ذكر لله و دعاء، لذا كانت أساس كل صلاة ولا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب.
ثم تفتتح سورة البقرة بأصل الكلام ألا و هي الحروف في لمسة بلاغية إعجازية ؛ ثم تؤكد مصداقية و مرجعية هذا الكتاب  و بعد ذلك تستفتح بأعلى مراتب البشر عند الله سبحانه و تعالى ألا و هم المتقون. فتحدد أوصافهم و كأني بها تضع الموازين لمن يريد أن يعرف وزنه يوم القيامة ، ثم تسهب في وصف المنافقين و ذلك لكثرة أساليبهم و حججهم دفاعا عن الانحراف.
 و بعد ذلك تؤكد استحالة الإيمان لمن رضا بالكفر طريقا ؛ و الأمر هنا طبيعيا في أحوال البشر الذين يقررون مواقفهم من الدين دون أن يكونوا عونا للشيطان على الناس.
أما آخر كلمة في المصحف و كأني بها أقل منزلة لبنى الإنسان فتأتى في سورة الناس حيث يعوذ المؤمن بالله  من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة و الناس. و بالتالي فهي تقرر أن أرذل منزلة بين الناس لمن هو أشد فسقا ووسوسة من شياطين الجن، و المثل الليبي يقول: فلان يندى من عمله جبين الشيطان أو يستحى منه الشيطان، و العياذ بالله من هذا الصنف من البشر، ألا و هم أبالسة البشر.
أما إذا قسمنا الكتاب إلى نصفين نجد الكلمة المفصلية بينهما ألا و هي: فليتلطف في سورة الكهف، و هنا التلطف يأتي في شكل المظهر وفى طريقة الاقتراب و في وسيلة الخطاب. و بالتالي هي تجمع كل معالم الرفق  و كفى باللطف منزلة أن الله سبحانه جعله لذاته العلية عنوانا حيث قال :  الله لطيف بعباده ، و هو اللطيف الخبير . فإذا كان الحق تعالى لطيف بعباده فأولى ببني البشر أن يتخذوا من اللطف طريق في الحياة . و لقد حثنا رسول الله صلى اله عليه و سلم على الرفق فى كل الأمور فبه تزدان الأعمال و الأقوال.
و قد نزل جبريل عليه السلام بهذا الكتاب منجما على ثلاثة و عشرين سنة و بلَغه الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم نطقا إلى أتباعه من المؤمنين الذين حفظوه عن ظهر قلب، و لم يدون كاملا إلا بعد وفاة الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم .
 و لقد تناقلته الأجيال عبر القرون و بقى محفوظا بحفظ الله له و بإقبال المسلمين عليه . و لقد جرت محاولات عديدة للتشكيك فيه أو الطعن في  أحكامه عبر العصور لكنها كلها باءت بالفشل. و الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يحمل القرآن في قلبه و بسند متصل إلى رب العزة سبحانه و تعالى عن طريق المصطفى صلى الله عليه و سلم.
وما الفصل بين أقوال و أحاديث الرسول الشريفة و بين القرآن الكريم إلَا تمام الإكرام لهذا الكتاب. و بالتالي تميز كلام الله في كتابه ببلاغة و نهج خاص يختلف كلية عما ورد في كتب السنة و السيرة و الحديث ؛ و هذا من تمام النعمة من كرم الله علينا في حفظ هذا الدين من الالتباس  مع علمنا و إيماننا بأن رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم ما كان ينطق عن الهوى بل كان كلَ كلامه وحى يوحى ، و يدخل في ذلك كل عمله و كل ما أقر من عمل قام به غيره.
و من مكارم هذا الكتاب حفظه للغة العرب من التبديل أو الاندثار فبحفظ الله لكتابه حفظت اللغة العربية. و هذه من ألطاف القرآن الكريم فالمحفوظ يحفظ الحافظ و هذا يسرى على كل حافظ للقرآن الكريم ؛ فسبحان من كان سببا  لهذا الحفظ. اللهم احفظنا و احفظ أزواجنا و احفظ أبناءنا و احفظ بناتنا بما تحفظ به عبادك الصالحين والحمد لله رب العالمين.

Friday, December 10, 2010

الحكمة من أعمال الحج


العبادات في الإسلام ليست مجرد طقوس لا عبرة فيها، بل هي مدرسة نتعلم منها و نستخلص منها المعاني التي تنير لنا الطريق في حياتنا الدنيا. و كل عمل نتقرب به إلى الله تعالى يحمل في طياته قيم و مبادئ  و توجيهات و إذا لم يكن هذا فكيف نخرج من الظلمات إلى النور إلا باقتباس النور في لحظات التجلي عند التفرغ لعبادة الله الواحد الأحد.
  الحج
   الحج يعتبر من أعظم العبادات في الإسلام، بل هو رحلة العمر إذا كان للمسلم رحلة تصله بالله اتصالا لا انقطاع بعده، لمن يوفقه الله. ففي الحج يخرج العبد من بلده و أهله و ماله و يتوجه إلى خير بقاع الأرض عند الله ألا و هو البيت الحرام. فالعبد يترك الدنيا و ملذاتها و يتوجه إلى مكة طلبا لرضا الله و عفوه و مغفرته، انه الفرار إلى الله. و لقد ارتبطت أعمال الحج بسيرة سيدنا إبراهيم عليه السلام و أسرته . فبادئ ذي بدء كان الانتقال بالأسرة إلى مكة ، لكي يترك إبراهيم عليه السلام المتقدم في السن زوجته الشابة أمنا هاجر و ابنه الرضيع إسماعيل عند قواعد البيت في بطن مكة ، عندما كانت مكة صحراء قاحلة لا حياة فيها امتثالا لأمر الله تعالى . و عندما سألته السيدة هاجر : أالله أمرك بهذا؟ فأجابها بالإيجاب قالت: إذا لن يضيعنا. فاجتمعت لهذين الزوجين طاعة الله و الثقة به و حسن التوكل عليه. و هذه كانت الهجرة الأولى في أصول الإسلام أو لنقل أصل رحلة الحج.
الآذان بالحج
 و بعد بناء الكعبة أمر الله سبحانه و تعالى سيدنا إبراهيم بأن يؤذن في الناس بالحج في أرض خلاء ليس فيها أحد يسمعه. و يرفع سيدنا إبراهيم الآذان بالحج و يلبى المسلمون بعد عشرات القرون  دعوته و يأتون من كل فج عميق . و في هذا الأمر حكمة ألا و هي الدعوة إلى الله و الأمر بالمعروف من أجل نهضة هذه الأمة و لو كان المرء وحيدا، أو بين الناس و لا يسمع له أحد أو لا يلتفت إليه أحد. اى انه على المسلم أن يدعو أين ما كان ، و كم من دعوة قام بها المتأخرون أفضل مما فعل ناقلوها ؟ . علينا أن ندعو بالكتابة و بالحديث و بالموعظة الحسنة و بالقدوة الحسنة. علينا أن ندعو في المدن و الأرياف و في أعالي الجبال و في السهول و الصحارى و نترك التلبية لمن يعتبر و لمن يسدده الله إلى الصواب. و علينا أن نعلن دعوتنا و نجهر بها فى كل وقت و في كل مكان كي تنهض الأمة من سباتها.
التلبية
التلبية هي رفع الصوت بإجابة الدعوة، و يرددها الحاج في كل مسيره إلى الحج و خلال الحج و هي عبارة عن إعلان و تعبير حر و علني عما يدور في قلبه. و هي إشارة إلى حرية التعبير العلني في الدعوة إلى البر و العمل البار. و إذا رفع العبد صوته في خير بقاع الأرض معلنا وجوده و استقلاليته و مخاطبا الله سبحانه و تعالى و لا ينوب عنه في ذلك أحد ، فمن حقه أن يعبر عن رأيه إمام جميع الخلق و في كل مكان طالما لا يعتدي على حق غيره . و الله سبحانه و تعالى عالم بما في قلب المسلم لكنه يحب أن يسمع منه و هو يعبر عما يختلج في صدره علنا أمام الجميع ، أنها حرية التعبير.
الإحرام
الإحرام في الشكل هو ابرازللبدء بشعيرة الحج و لكن فى الباطن هو الامتناع عن المباح في وقت التفرغ للعبادة ، إنه التفرغ الكامل فلا كلام و لا متعة و لا لهو مع التوجه إلى الله العزيز الجبار. و ما أحوجنا إلى الامتناع عن كل مباح لتقديس واجباتنا و التفرغ بإخلاص لأداء إعمالنا . أنها دعوة إلى التخصص و دعوة إلى التفرغ و دعوة إلى الإتقان و دعوة إلى الإخلاص في العمل، و هي الحكمة من وراء هذه الشعيرة.
الطواف
لقد جعل الله الطواف بالكعبة مشابها لطواف الملائكة حول العرش للدلالة على تمام تعلق القلوب و الالتفاف حول عبادة الخالق و حول هذا الدين، و القلوب عادة ما تطوف حول من تحب. و وجود البيت الحرام على يسار الطائفين زيادة في الإشارة إلى تعلق القلوب. و الطواف عادة حركة جماعية متواصلة مع حرية فردية بمعنى أن هذا التعلق يحتاج إلى حركة و عمل متواصل يحمل معانيه و يبرزها، ويدل كذلك على تناسق وتكامل بين عمل الفرد وعمل المجموعة فكلاهما يكمل الآخر.
السعي
لقد ارتبط السعي في الحج بفعل السيدة هاجر حينما كانت تسعى بين الصفا و المروة للبحث عن قافلة أو مصدر عون لها و لابنها الرضيع ، فهي كانت مؤمنة و تعرف أن الله لن يضيعها و لكنها لم تجلس مع هذا اليقين و تدعو الله ليفرج كربها . في الواقع هي بادرت إلى السعي و سعت سبعة أشواط و لم تتوقف حتى رأت الماء يتدفق عند قدمي سيدنا إسماعيل عليه السلام، و أنا متأكد لو أنها لم تره لاستمرت في السعي ربما  إلى سبعين شوطا. و لا أخالها الا أنها كانت تسعى و تدعو الله مع كل خطوة تماما كما يفعل الحجيج الآن .
 و الحكمة هنا تكمن في السعي في طلب الرزق و السعي في طلب الحق و السعي في طلب العدل، و السعي في طلب الكرامة و السعي في طلب العلم و السعي في طلب كل ما فيه خير للدنيا و الآخرة.
الوقوف بعرفة
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: الحج عرفة. ففي عرفة إظهار لموقف العبودية لله في أكبر تجمع تعرفه الأرض و يباهى به المولى عز وجل الملائكة في السماء.و إذا كان الله تعالى يحب أن يرى عباده و هم يتخذون موقفا واحدا و في يوم واحد و في مكان واحد، فان في ذلك دلالة على أهمية الجماعة و الإجماع و بالتالي أهمية حق التجمع للناس للدفاع عن حقوقهم أو المطالبة بها. و علينا أن ننقل هذا المثال إلى حياتنا و نعبر عن حاجة الأمة إلى الخروج على القيود التي فرضها عليها ملوك الأرض  فالله سبحانه و تعالى لم يبعث الرسل إلا لمحاربة الطواغيت في قلوبنا وفى بيوتنا و في حكامنا و في أنظمة حكمنا.


رمى الجمرات
شعيرة رمى الجمرات هي إحدى أعمال الحج التي ترتبط بفعل سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما حاول الشيطان أن يغريه بعدم طاعة الله في ذبح ابنه إسماعيل. أنها رمز لمحاربة دعوات الكفر و الانحراف و أجمل تطبيق لرمى الجمرات نراه في انتفاضة أبطال الحجارة في فلسطين المحتلة ، فهم بفعلهم هذا يرجمون شياطين الأنس. و هذا هو الحد الأدنى في الصراع مع الباطل و جنوده، و ربما تكون سلاح الشعوب الأخير ألا و هو ثورة الحجارة.
النحر
أنما جعل الهدى للحاج و جعلت الأضحية لغير الحاج  لإحياء سنة الله في فداء إسماعيل عليه السلام عندما أطاع إبراهيم ربه و أطاع إسماعيل ربه و رضا بقرار أبيه الطائع لله ففداه الله بذبح عظيم . و يقول بعض الفقهاء إن ذلك الكبش كان لأبونا آدم عليه السلام فى الجنة ، و يبنون على هذا أن إخلاص الأجداد ينفع الأحفاد تماما كما قال الله في سورة الكهف : و كان أبوهما صالحا. و هي إكرام لفكرة الإخلاص و لمبدأ التضحية و رمز للاستعداد للفداء و لو بالتضحية بالأرواح و الدماء في سبيل الحق.
المرأة في الحج
لقد فرض الله  سبحانه و تعالى العبادات على الجميع رجالا و نساء ، و الحج فيه  أصعب أعمال العبادات و  تقوم المرأة  بها جميعا . و لا يوجد ممر خاص بالنساء و لا موقف خاص بالنساء و لا طواف خاص بالنساء و لا سعى خاص بالنساء، بل نحن عندما نسعى نسير على خطى إحدى سيدات هذه الأرض إلا و هي السيدة هاجر عليها السلام. و هذا برهان قاطع بحق المرأة في كل أمر يقوم به الرجال. فلها الحق في التعليم و العمل و الملكية و التعبير ناهيك عن قيادة السيارة أو الطائرة، أي لها الحق في كامل حقوق الإنسان.
 فمتى نرى نهاية للتفرقة على أساس الجنس في أركان العالم العربي و الاسلامى فى جميع المعاملات؟
 و متى نعترف بحق المرأة كاملا  كما أراده الله سبحانه و تعالى ؟  و متى نحترم القيمة الإنسانية في المرأة ؟ و هي التي تزرع فينا هذه القيمة منذ الولادة، أهناك قيمة إنسانية أرقى و أسمى من حنان الأم؟.
     و في الختام إذا كانت روح الحج هي التفرغ لله و الخلوة بالله و الفرار إلى الله فبإمكان كل مسلم أن يفر إلى الله و لو لحظات في كل يوم في حياته. و ذلك كلما جلس يذكر الله تعالى، أو يصلى لله تعالى، أو يتأمل في عظمة الخالق من خلال جمال و روعة المخلوقات. و من اعتاد على دوام الفرار إلى الله لذة بلقائه و حبا فيه يتحول إلى حاج طوال حياته؛ و هذا هو الذي يستحق لقب الحاج فعلا، اى الحاج الشاكر الذاكر الصائم العابد الزاهد القريب إلى الله و هو حج الخاصة.

Thursday, December 9, 2010

زبدة الزاد في أحكام المعاملات المالية والاقتصاد

يعتبر موضوع المعاملات المالية والاقتصاد من أهم المعضلات التي تواجه تنمية العالم الأسلامي في ظل سيطرة بقية العالم علي تسيير وتقنين الحركه الاقتصادية في العالم . و قد عرف المسلمون في عصور النهضه الاسلاميه الأولي نقدا يستخدم الذهب والفضه وبالتالي حدثت  التنميه في ظروف قانونيه ثابته تحرم الفائدة لثبات قيمة النقد؛ و أما الان  فالعملة ورقيه وهي في كل يوم في شأن ، فمثلا لو أقرضت أحدا الناس مئه ألف وحدة نقدية علي أن يعيدها لك بعد عشرة سنوات عند ذلك ربما تكون قيمتها قريبة من نصف القيمة الاْصليه في السوق من حيث القوة الشرائيه. وأنا هنا لاأريد أن تجرأ علي الفتوي لْأن هذا ليس مجالي؛ ولكنني أرى أن نأخذ بمبدأ الاجتهاد الواسع فى ظل المعاملات المالية الجديدة و المختلفة فى كثير من الأحيان عن صور التعامل القديمة  فأن نصوص قديمه جامدة لاتصلح لاْمور عصرية ومتطورة وعلي أهل الاختصاص أن يفتوا بما يحل الاشكال وألا يتهربوا بالالتفاف حول الموضوع بأراء قديمة والله أعلم .


في هذا الموضوع أطلعت علي كتاب في الفقه الاسلامي يتناول الاقتصاد والمعاملات المالية للاستاذ الدكتور السايح علي حسين و الذى كان رئيسا لقسم الدراسات القرآنيه بكلية الدعوة الاسلامية  بطرابلس. ولقد شد إنتباهي فى هذا الكتاب الالمام الواضح الذي برز من خلال الطرح  و تناول الأمر ،علما بأن هذا الكتاب هو كتاب منهجي يدرس بالكليه، والأهم من هذا كله أعجبتني شجاعه الكاتب في طرح حلول  تهرب منها كثير من العلماء خوفا من الوقوع في الانتقاد وهذا دليل علي تمكن الكاتب من الموضوع الذي يتحدث عنه .


فمثلا في باب المعاملات المصرفية طرح جميع الاْراء الموجودة في الكتب السابقة ثم طرح الحل والذي أنقله حرفيا لكم في الفقرة التالية .

 ماهو الحل :

قد يقول قائل ان البحث بهذه الطريقة أدخل القاريْ في متاهة يصعب الخروج منها‘ وكان الاْولي هو اختيار أقرب الاْراء الي الصواب والاكتفاء به بدلا من هذا الاستعراض الطويل لوجهات النظر المتضاربة .
ولكني أذكُر بأنني لا أبحث عن فتوي ولكنني أعود الطلاب علي البحث والاستقصاء والاختيار بعد العلم بوجهات النظر المختلفة، وهذا مايجعل الاختيار اجتهادا مبنيا علي علم، وللقاريْ أن يعمل بما اطمأن له قلبه .
أما أنا فانني أستطيع أن أقرر باطمئنان، أنني أختار من هذا العرض الواسع مايلي:

 1)   الربا الذي حرمه القران الكريم تحريم مقاصد هو الربا الاستهلاكي، بدليل مقابلته في الاية بانظار المعسر والتصدق علي المحتاج وهذا لا يتصور الا في القرض الاستهلاكي ، وهذا لايجوز الاقدام عليه من المقرض بحال من الاحوال، وأما المقترض فيجوز له أخذه في حالة الضرورة واذا سدت سبل التعامل الجائز، والضرورة للفرد متروكة لضمير المؤمن ككل الضرورات التي يرتفع فيها الحرج .

2) ربا الفضل خاص بالمقايضة في البيوع، وهو نوع من التعامل  الذي قد انتهي أو كاد، فان وجد لسبب من الاسباب فمن الورع الأخذ بالأحوط سدا للذريعة ومن أتقي الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه.
أما القرض الذي جر نفعا فلم يثبت فيه نص يعتمد عليه، ومنعه الفقهاء اجتهادا و سدا لذريعة الاقتراض من أجل هذا النفع، ومن الخير عدم اللجوء إليه إلا للضرورة الملحة لإن اجتهاد الفقهاء فيه معقول .

3) الضرورة بالنسبة للإفراد موكولة لضمير المؤمن وتقديره وبالنسبة لضرورة الامة يقدرها أهل الخبرة والاختصاص .

4) في حالة استثمار المسلم لاْمواله يمكن وضع ماله في مصرف ببلد مسلم ويعتبره وكيلا عنه يدير هذا المال بالطريقة التي يراها مقابل نسبة يتفق عليها، وهذا أضمن لمال المودع من الضياع،  وما يأخذه المودع قد يعوض له مايصيب النقود من تضخم من جهة ويمكن الدولة الاستفادة من مدخرات المواطنين من جهة ثانية .
5) مصلحة الأمة المسلمة تقتضي تشجيع أصحاب الأموال علي تسخيرها لصالح خدمة البلد بضمان الدولة لرأس المال، وتشجيع أصحابها بعائد متفق عليه بدلا من اللجوء الي الاقتراض من المصارف ألاجنبية وجعل الوطن رهينة في الديون .

6) المضاربة التي يصر عليها شيوخنا الأجلاء لا ننازع في صحتها لاْن الرسول صلي الله عليه وسلم قد أقرها، ولكننا نشك في صلاحيتها، بشروطها التي وضعها الفقهاء لكل عصر من العصور ويجب علي رجال الاقتصاد البحث عن صور من التعامل تتحقق فيها مسايرة التطور وتنهض بالعالم الاسلامي من التخلف والجمود فدور الاقتصاديين هو تنمية الاقتصاد بالبحث عن أجدي الوسائل والاستفادة من تجارب الذين سبقونا في هذا الميدان ويجب أن يقتصر دور الفقهاء علي عرض ماتوصل اليه الاقتصاديين علي نصوص الكتاب والسنة وليس بإخضاع عصرنا لما كان معمولا به باجتهاد الفقهاء علي عصر سابق .


       من خلال ماتقدم عرضه حرفيا من كلام الدكتور السايح وددت لو أن الكاتب سمي كتابه زبدة الزاد في أحكام المعاملات المالية وعلوم الاقتصاد، وأدعو كل المهتمين بشؤون الاقتصاد الاسلامي الى الاطلاع علي هذا الانتاج القيم من أحد أبناء مسلاته و ليبيا، وسوف أخص هذا العالم بمقال عن سيرته وأعماله العلميه قريبا ان شاء الله من باب نشر العلم والاحتفاء بالعلماء من أبناء ليبيا.
  و لكننى أحب هنا أن أسجل اعجابى بهذا الشيخ لعدة أسباب، أولها أنه كان مداوما على طلب العلم الى آخر حياته حيث أتم الدراسات العليا فى سن متأخرة. و ثانيها أنه كان يستخدم الحاسوب فى اعداد كتبه و يستخدم النت و المكتبات الالكترونية و هو فى السبعينيات من العمر و عندما سألته: كيف حصل هذا؟ قال لى: عندما دخلت أجهزة صخر للبلاد عرفت أن الوقت قد حان لدخول عصر الاطلاع الالكترونى بالنسبة لى. و أما الثالثة فكانت فى جمال مجلسه داخل مكتبته و التى تحوى عشرات الآلاف من الكتب و تواضعه و حسن استقباله لى بدون سابق معرفة بيننا و كان دافعى الوحيد للزيارة هو زيارة أهل العلم و أهل الخير فى بلدى.

Sunday, December 5, 2010

جوهر الصلاة اتصال الأرض بالسماء

             الصلاة هي الدعاء و الدعاء هو العبادة، الصلاة صلة مباشرة بين العبد و ربه و خالقه و ركن هام  من أركان الإسلام و قد جعلها رسول الله صلى الله عليه و سلم العهد بينه و بين المسلم، فمن أقامها أقام الدين و من تركها جاحدا متعمدا فقد كفر و خرج من امة الإسلام. والصلاة في الشريعة هي مجموعة من أعمال و أوضاع و أقوال بنية الصلاة تسبقها شروط لصحتها و تؤدى في أوقات محددة.
مرتبة الصلاة في الشرائع السماوية
           لقد أرسل الله سبحانه و تعالى محمد بن عبد الله صلى الله عليه و سلم للناس كافة و أوحى إليه ما أوحى من  القرآن و الأحكام والشرائع التي نزل بها أمين الوحي جبريل عليه السلام من السماء إلى الأرض. و كلنا يعرف شرف القرآن، كلام الله المنزل و شرف الليلة التي أنزل فيها و لكن الصلاة تحظى بشرف أعظم و منزلة أعلى فقد سبق فرضها على المسلمين مجموعة من الأحداث اجتمعت في رحلة نزول تشريعها. فبدأت الرحلة بالإسراء إلى بيت المقدس الذي حمل في طياته وحدة الرسالات السماوية و هيمنة الإسلام عليها جميعا و تهيئة الرسول الكريم لرحلة العروج إلى السماوات لاستلام المرسوم الرباني بفرض الصلاة على المسلمين. و خلال رحلة المعراج تجلت بعض الآيات لرسولنا الكريم من مشاهد من الجنة و النار و لقاء الأنبياء و فتح أبواب السماوات واحدة بعد أخرى لاستقباله يرافقه فيها أمين الوحي جبريل عليه السلام ثم توقف جبريل  و تقدم الرسول الكريم بمفرده ليلقى الله و يتلقى منه مباشرة بدون واسطة أو ترجمان حكم الصلاة. و في هذا تكريم لرسول الإسلام و تكريم عظيم لفريضة الصلاة و تكريم عظيم لأمة الإسلام، فلم يحدث في الرسالات السابقة العروج بنبي كي يتلقى شرائع أمته، بل و يراجع الله جلا و علا لتخفيفها رحمة بأمته. و من لطف الله و كرمه و تكريمه لهذه الأمة أن جعل الصلوات خمسة في الأداء و خمسين في الأجر. و من هذا نعرف إن ليلة الإسراء و المعراج هي ليلة الصلاة و ليلة الفضل في تاريخ هذه الأمة فقد اجتمعت لهذه الأمة فيها الكرامة و الرحمة و الأجر العظيم و الصلة المباشرة بين الأرض و السماء و الخط المباشر بين العبد و ربه بدون واسطة أو ترجمان في أي مكان من الكون.
شرف الصلاة في الإسلام
         لقد جعل الله سبحانه و تعالى للصلاة في الإسلام شرفا عظيما من عدة وجوه و يمكن حصر بعضها في الآتي:
تم فرضها في السماء و مباشرة من الله سبحانه و تعالى إلى نبيه المصطفى صلى الله عليه و سلم في أشرف بقاع الكون على الإطلاق.
لا تصح أركانها إلا بالطهارة الكاملة للبدن و الثوب و المكان.
لا تصح إلا بالتفرغ الكامل لأدائها، فلا يجوز الخوض في أي أمر آخر معها.
لا تصح إلا بأم الكتاب، و لا يجوز فيها كلام من حديث الدنيا.
هي مناجاة بين العبد و ربه، إذا قرأ القرآن كان هو المخاطب به، و إذا ذكر الله ذكره الله في من عنده، و إذا سبح الله و نزهه عرف قدر ربه , وإذا حمد الله و أثنى عليه اعترف بنعم الله و آلائه، أما إذا دعا الله فانه قمين بالإجابة.
تجمع الصلاة بين تعظيم الله و الصلاة على نبيه و آل بيته و السلام على عباد الله الصالحين.
تفتتح بتكبيرة الإحرام و يتم الانتقال بين أركانها بالتكبير.
تجمع في أركانها جميع العبادات ففيها الوقوف و القنوت و الركوع و السجود و قراءة القرآن و الدعاء و الحمد و الثناء و التوبة إلى الله و الاستغفار و الصوم عن الكلام الخارج عنها و الصوم عن الأكل خلالها، و بذل الوقت في أدائها و مجاهدة النفس و الصبر عليها، و فيها العروج الروحي إلى الله لمن وعى جميع معانيها و أحسن أركانها، كما أن فيها الاقتداء بسنن الرسول في أدائها. فيها ينطق العبد بالشهادتين و هو تجديد للإيمان، و تختتم بالسلام.
لا تتم إلا بالتوجه إلى القبلة و هي بيت الله الحرام في مكة و ظل البيت المعمور على الأرض.
لكل صلاة   وقت محدد لا تجوز قبله، و إذا تأخر العبد في أدائها عن وقتها أصبحت قضاء.
تتوزع أوقات الصلوات بين اليوم و الليلة و إذا ربطنا هذا بدوران الأرض أمام الشمس نرى أنها مقامة بانتظام و باستمرار على سطح الأرض.
لا تسقط عن العبد و لا يقضيها عنه أحد، فهي عبادة بين العبد و ربه ليس فيها واسطة و لا تجوز فيها نيابة.
أفضل مكان لأدائها هو المساجد و خيرها ما كان في جماعة، و منتهى الفضل عند ما تكون في المسجد الحرام.
          أخواتي أخوتي في الله كانت هذه التأملات في معاني و مكارم الصلاة رسالة محبة و أخوة في الله، و الله أدعو أن تكون نالت من عقولكم تقبلا و في قلوبكم مكانا. و أختم كلامي بوصية المصطفى صلى الله عليه و سلم و هو يودع الدنيا و يقبل على الله في لحظات وفاته حين ما كان يقول:" الصلاة... الصلاة و ما ملكت أيمانكم، ...الصلاة ... الصلاة....و ما ملكت أيمانكم،.... الصلاة...الصلاة و ملكت أيمانكم". صلى عليك الله يا سيدي يا حبيب الله فقد أوصيتنا بأحب الأعمال إلى الله سبحانه و تعالى و هي الصلاة و إلى أهم أعمالنا في الحياة الدنيا و هي الأمانة و العدل في جميع ما يكون في حوزتنا أو نطاق قدرتنا أو نكون مسئولين عنه من عمل أو تجارة أو خدمات أو رعاية شؤون الأسرة. فطوبى لمن كان دائم الاتصال بالله، و طوبى لمن عدل في كل أمر يملك حق التصرف فيه، و طوبى لمن يراعي حقوق العباد مثل ما يراعي حقوق الله.