Thursday, December 16, 2010

سوق السعد أو السعادة في الصين




البحث عن السعد السعيد
         
مع تطبيق قرار تحديد النسل بطفل واحد لكل أسرة فى الصين بدأت العلاقات الاجتماعية في الانحسار، فأصبح في الصين الآن جيل ليس له أعمام أو عمات أو أخوال أو خالات،  ثم سياتى جيل ليس له أقارب و هذا سيؤدى إلى قلة المعارف و انعدام العلاقات بين الناس. و إذا أضفنا إلى هذا طول ساعات الدوام الرسمي اليومي خلال ساعات العمل و بعد المسافات، تتحول المدن إلى زنزانات انفرادية لسكانها. هذا سوف يؤثر على النسيج الاجتماعي، و على فرص الزواج و ارتفاع نسبة الطلاق بين الشباب في الصين. وفى الغالب في هذا البلد تتم ترتيبات الزواج من خلال الآباء و الأمهات أو الأجداد و الجدات من الجانبين، مما أدى بهم إلى ترتيب أو استحداث ما أسميته سوق السعد في الصين.

سوق السعد

و السعد في اللهجة الليبية هو الحظ أو النصيب أي مشروع الزواج أو رحلة العمر، و كثيرا ما نسمع مقولة" فلان سعده طايح" أو" فلانة الله يوقف سعدها و يرزقها بابن الحلال". و كل منا مرت عليه مقولة" السعد عمى و يريد من يقوده". و كذلك الحال في الصين السعد يحتاج لبعض المساعدة، حيث يتم ترتيب برامج لتقريب طرفي الزواج من خلال لقاءات عائلية أسبوعية تحدث يومي السبت و الأحد اكتشفتها عن طريق الصدفة. فبينما كنا نتجول في مدينة شنقهاى صباح الأحد 19 سبتمبر 2010 م في حديقة الشعب الشهيرة وجدنا سرادقات كبيرة بداخلها و حولها أعداد كبيرة من الناس المتقدمين في السن و معظمهم يحمل في يده ورقة تحتوى بعض المعلومات، كما تم تعليق بعض الأوراق على السياج و الأشجار و الجدران.


لقاءات جانبية و مشاورات

الجميع يبدون في حيرة من أمرهم و الوجوه يبدو عليها الجدية و الاهتمام و لكننا لم نعرف السبب، فقال رفيقي: ربما يكون هذا سوق لعرض الخدمات أو البحث عن عمل أو تبادل المعلومات. و لكننا لم نصل إلى معرفة الحقيقة بسبب حاجز اللغة، و عند عودتنا إلى الحديقة عند الظهيرة لتناول بعض الطعام وجدنا الحشد قد زاد، سألنا بعضهم إن كان يتحدث الانجليزية، فلم ننجح.


البحث من خلال الإعلانات
  لحسن الحظ كانت النادلة في المطعم  تتحدث الانجليزية فشرحت لنا الأمر و قالت: إن العديد من زوار المطعم كان لهم نفس السؤال. فقالت إن ما يحدث هو تبادل بيانات الراغبين في الزواج و البحث عن الزوج الملائم و حاولت أن تبرر ما يحدث بانشغال الشباب بالعمل، و لهذا يتركون الأمر للوالدين. و ربما تكمن الحقيقة في أن الوالدين هم من يتكفل بمصاريف الزواج بما فيها البيت، و لهذا رأيهم هام في هذه العملية بالإضافة إلى أنهم يقومون برعاية الحفيد الوحيد في المستقبل القريب ففي معظم الأسر الأم تعمل خارج البيت. عند ذلك عرفنا أن كلا منهم يعرض مواصفات الطرف الذي يمثله من حيث تاريخ الميلاد و الشكل العام و الجمال و المستوى التعليمي و الوضع المالي للأسرة و إمكانيات السكن و بعضهم يحمل بعض الصور و رقم الهاتف. و بعد المناقشات المبدئية  تبدأ جولات المفاوضات الجانبية، و إذا توفرت الظروف المناسبة يتم ترتيب زيارات و لقاءات لجميع أفراد الأسرتين.


المزيد من السرادقات
      
 يتضح من هذا العرض السريع أن سوق السعد أو سوق السعادة في الصين سعده واقف، نظرا لاهتمام الأسرة بتزويج شخص واحد، فهم يبذلون قصارى جهدهم في سبيل تحقيق هذه الغاية و منهم من قد يستعين بشبكة المعلومات أو الصحف.

وضع الزواج في بلادنا

      و الدرس المستفاد هنا هو محاولة البحث عن حل للعزاب في بلادنا الحبيبة ، ففي الكثير من البيوت الليبية في الداخل و الخارج يوجد شباب و فتيات في سن الزواج و أكثر؛ ولكن لا احد يقدم لهم المساعدة فالدولة مشغولة بمشاريعها العظمى و الآباء و الأمهات إمكانياتهم محدودة؛  و لا يزالون ينتظرون من السعد العمى أن يؤتى إلى بيوتهم بمفرده و بدون مساعدة من أحد بالرغم من الحفر و المطبات في الشوارع و اتساع رقعة المدن، ناهيك عن من يعيش في قرية نائية في الخارج داخل قوقعة الأسرة الصغيرة و ينتظر حلا من السماء دون أن يسعى في طلبه.
 كما أننا جميعا فى المجتمع الليبي لا نريد أن نتحمل المسؤولية في حياتنا و نقلل من سقف تطلعاتنا في المواصفات المطلوبة و في الشروط وفى المظاهر و في المصاريف، بل لا أبالغ إذا قلت أننا في كل عام نضيف عليها. والشباب و الفتيات يجب عليهم آن يتطلعوا  إلى مواصفات ممكنة في الطرف الآخر و تناسب هذا العصر،  فالحياة الزوجية في عصرنا الحاضر شراكة متعادلة و ليست أحلام أو أفلام أو مسلسلات تركية  وهى كذلك واقع مرتبط بالمجتمع الليبي و معطياته و أنماط تفكيره، فكل فتاة تتخطى الثلاثين سنة من العمر يصعب زواجها و كذلك الشاب إذا تخطى الأربعين سنة و هذه الحقيقة كثيرا ما نهملها.  وبالله عليكم ماذا ستفعل فتاة في سن الستين أو السبعين بحياتها إذا لم تتزوج و لم تملأ حياتها ببعض الأطفال، و ماذا ستعنى حياة الشيخ الأعزب الذي يصل الستين بدون زوجة و لا ولد و لا أحفاد.
تيسير الزواج في بلادنا
 الخطوة الأولى لحل مشكلة العزوبية في بلادنا تكمن في تيسير الزواج بالنسبة للشباب بالدرجة الأولى و بكل الوسائل لتوفير أفضل فرص النجاح للزواج و تقديم كل أنواع الدعم المادي و المعنوي المطلوب في الأشكال الآتية:
توفير فرص عمل للشباب، و ذلك بخلق مواطن شغل في الدولة أو باستحداث مشاريع تنموية و استثمارية محلية، مثل توزيع مزارع المشروعات الزراعية على الخريجين الجدد و توطينهم في مناطق المشاريع.
منع استجلاب العمالة من الخارج إذا توفرت العمالة من الداخل.
توفير سكن مناسب لأسر الشباب بتكاليف أو إيجارات اقتصادية تناسب دخولهم المحدودة.
رفع قيمة علاوة الزوجة إلى مئة دينار لجميع الأسر.
استحداث برامج للتوعية الاجتماعية لتهيئة الأسر الجديدة و مساعدتها في التخطيط لمواجهة متطلبات الحياة من النواحي النفسية و المادية و الاجتماعية.
تيسير زواج الفتاة الليبية من العربي المسلم و من المسلم بصفة عامة، و ذلك باكتساب أطفالها الجنسية الليبية تلقائيا، ومنح زوجها حق العمل في ليبيا و اكتساب الجنسية الليبية بعد ثلاث سنوات من الزواج و الإقامة في ليبيا.
تحديد الحد الأعلى للمهور في المدينة أو المنطقة الواحدة حسب العرف المعمول به فيها.

تعدد الزوجات

           عند ما لا يستطيع قطاع الشباب التغلب على المشكلة بالكامل ربما يكون من الأنسب في هذه الحالة طرح موضوع تعدد الزوجات كلما أمكن ذلك و بأي شكل عملي ممكن كحل ثاني و ثانوي؛ و لو تكفلت الدولة بكل المصاريف الأساسية مع تقديم بعض الدعم المادي مثل:
مضاعفة علاوة الزوجة بالنسبة للزوجة الثانية إلى مأتى دينار.            
مضاعفة علاوة السكن في حالة تعدد الزوجات.   
توفير سكن أو بيوت مزدوجة.
    أنا أرى أن الحل ممكن وأقل تكلفة مما سنحصد من مشاكل فى المستقبل، و لكن يجب أن لا يكون على حساب الزوجة الأولى أو الأسرة الأولى؛ و عليه يجب تنظيم هذا الأمر بعد مناقشته من الفئات ذات العلاقة  في المجتمع مثل الهيئات الشبابية و الهيئات النسائية و الهيئات الاجتماعية و عقد ندوات علمية لهذا الغرض ثم وضع شروط مناسبة تضمن نجاحه. و على سبيل المثال في أحدى قرى الجنوب الليبي عند ما تبين للعاقلين فيها  تزايد عدد الفتيات في المنازل بسبب زواج الشباب من خارجها؛ قرر الجميع التعدد على شرط أن تقوم الزوجة الأولى باختيار الزوجة الثانية و برضاها للمساعدة في حل مشكلة الفتيات و القرية.
       و كما يعرف الجميع نحن نستقدم حوالي مليون عامل أو أكثر من خارج البلد، فلماذا لا نعمل على تشجيع النمو السكاني بأسلوب سليم، و لماذا لا يعرض هذا الأمر للنقاش على الجهات التشريعية لوضع الأسس القانونية له، و إذا كانت الثروة ملك للمجتمع فلماذا لا تستثمر في توفير الحياة الكريمة للشعب. و كلنا يذكر أثر مشاريع الإسكان في الستينيات و السبعينيات من القرن الماضي في رفع مستوى المعيشة و توفير الحياة الكريمة للشعب من خلال توفير مساكن مجانية لا زال بعضها قائم حتى الآن.
 وهل للإنسان كرامة إذا كان يعيش معيشة الكلاب السائبة يدور في الشوارع و لا احد يسمع له أو يتحدث إليه، ثم ينتهي به الحال إلي احد الملاجئ أو مستشفى المجانين، و قد عرفت بعض من مات في السبعين من عمره دون أن يتزوج وكذلك بعض السيدات اللاتي تجاوزن الثمانين عاما بدون زواج، صحيح كان عددهم في الماضي قليل و لكنه بالتأكيد سيكون أكبر في المستقبل. ناهيك عمن سيضيعون في مزالق الانحراف و ينتهي بهم الأمر في السجون أو دور الرعاية و الإصلاح أو مراكز معالجة الإدمان أو يصبحون ضحايا للأمراض الفتاكة.
      فلينظر كل منا إلى بيته كم هي نسبة العزاب إلى المتزوجين ليعرف الحقيقة، و من ثم عليه أن يجد حلا،  وعلينا أن نخطط لبناتنا مثل ما نخطط لأولادنا و هذا هو العدل. و لتعلم النساء قبل الرجال أن المصائب عند ما تحل ستدخل كل البيوت و عند ما ينتشر الفساد لن ينجو منه احد، و الله سبحانه و تعالى يقول: و اتقوا فتنة لا تصيبنَ الذين ظلموا منكم خاصة. و اعلموا أن خير قدوة لنا في كل أمر هو رسول الله صلى الله عليه و سلم و صحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين من بعده، تزوجوا في صغرهم و في كبرهم،  تزوجوا البكر و المطلقة و الأرملة و الصغيرة و الكبيرة. فالبيوت لا تبنى على الحب أو الإعجاب فقط، و لكن تبنى على الرحمة و حسن المعاشرة و على التعاون و المساعدة و المساهمة في ستر الناس و في حل مشاكل الناس، فعلينا أن نجعل بيوتنا بيوت خير و بركة و رحمة و توسعة, نجعلها بيوت محبة واسعة بعيدة عن الأنانية المدمرة و المثل الليبي يقول: لما أتطيب النية الدار تاسع مية. و ربما يناسبنا في هذه المرحلة تعدد الزوجات و تحديد عدد الأطفال لكل أم من أجل تهيئة أفضل الفرص للتربية السليمة.
      و على الدولة أن تتحمل المسؤولية و توفر للمواطن الليبي حياة كريمة و مظلة من الضمان الاجتماعى ترفع  بها عن كاهل الشعب ما يرهقه من الديون و المصاريف التي لا تتناسب مع متوسط الدخل العام.  فتدنى مستوى الدخل هو الذي يساهم في عزوف الشباب عن الزواج، أما الفتيات ففي كثير من الأحوال يصبحن الضحية و يقمن بدعم الأسرة ماديا إلى أن يفوتهن قطار الزواج. والزواج في الحقيقة هو أحد أهم حقوق الإنسان التي يشارك بها في رسالة البشرية في عمارة الأرض، ناهيك عن دور الزواج في سعادة الإنسان و استقرار أحواله النفسية و الاجتماعية.

 إن الخطر الذي يداهمنا أكبر و أعم و أخطر من رفع سعر رغيف الخبز أو سعر لتر البنزين فهذا الخطر يهدد الأسرة الليبية من أساسها و يقضى على كل القيم الاجتماعية و يدمر النسيج الاجتماعى.

No comments:

Post a Comment