يعتبر د محمود جبريل الورفلي ظاهرة فريدة في الحياة السياسية الليبية فهو
تنقل من عضو بارز ومقرب في اللجان الثورية إلى مستشار للقذافي وبعدها رائدا ومروجا لمشروع الغد لسيف القذافي. وبعد ثورة 17 فبراير دخل
الحياة السياسية من أوسع أبوابها حيث قاد المكتب التنفيذي عن بعد طوال مدة
التحرير، ثم استقال فجأة وتفرغ لحملة انتخابية لا يجوز له خوضها مباشرة فتحول إلى
حصان طروادة في الإنتخابات الاخيرة حيث مر من خلال هذا الحصان أكبر عدد من أتباعه
ومعجبيه إلى المؤتمر الوطني وأنفق من أجل هذا البرنامج الإنتخابي مصاريف باهضة لا
يعرف الشعب الليبي حتى الآن قيمتها أومن أين أتت.
كل هذا دفعني للبحث في سيرة هذا الرجل البارز لمعرفة كنه ما حدث ولكي أعرفه
أكثر عن قرب.
فكانت البداية مع بداياته الأكاديمية من خلال أطروحة الدكتوراه في السياسة
الأمريكية تجاه ليبيا من 1969-1982م حيث تحصلت على نسخة منها مؤخرا وتفحصتها على
أمل أن أجد بعض الإجابات لتساؤلات عديدة حول الصورة التي رسمتها وسائل الإعلام
للسيد دمحمود ج الورفلي كخبير استراتيجيات عالمي والتي لم نر منها شيئا ملموسا
أثناء مراحل التحرير.
أطروحة الدكتوراه هذه تمثل
خلاصة خمس سنوات من البحث والدراسة وفي العادة ترسم أطروحة الدكتوراه معالم شخصية
كاتبها وتحدد توجهاته العلمية والبحثية، وفي هذه الحالة يتضح من المطالعة للكتاب
الأتي:
أولا: التخطيط الإستراتيجي
لايوجد في الرسالة ذكر للتخطيط أو التخطيط الإستراتيجي على الإطلاق
وبالتالي يتضح أنه لا علاقة له بهذه الرسالة أو موضوع الدراسة أو مجال الكاتب، وهذا
يتناقض مع الحملة الإعلامية التي قدمته كأحد أهم مخططي الاستراتيجية في العالم؛
فهل كان الأمر كذبة إعلامية أم مقدمة لمخطط أكبر من هذا.
ثانيا: ذكر القذافي ومواقفه
ورد ذكر معمر القذافي في أكثر من اثنين وتسعين صفحة وهذا يعني أن شخصية معمر
القذافي كانت المرتكز الفكري لهذه الأطروحة، فهي تتناول دور الإعلام في تحديد صورة
القذافي والموقف العام منه. وعلى سبيل المثال في صفحة رقم 43 يصف د الورفلي تكوين
فكر وتوجهات القذافي بانها اندماج لثقافتي وشخصيتي النبي محمد والزعيم العربي جمال
عبد الناصر ولم يذكر الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وفي الصفحة 44
يتناول طرح بيرلا بيانكو للقذافي كصوت نبوي من الصحراء أو كنبي الصحراء.
وفي المقابل ذكر الكاتب هنري كسينجر سبع مرات، وذكر الملك ادريس مرتين
مشيرا إليه بالملك الموالي للغرب متناسيا دوره المفصلي في تحرير ليبيا واستقلالها.
ثالثا: علاقة ليبيا بحركات التحرر ومناطق النزاع في
العالم
ورد ذكر ليبيا وعلاقتها بمناطق التوتر من خلال ما يعرف بحركات التحرر المتعاونة
مع القذافي والمرتبطة به شخصيا في أكثر من مئتي صفحة وشملت جميع القارات ومعظم
حركات التحرر المعروفة بأساليبها الإرهابية.
على غلاف الكتاب ذكر الكاتب أنه كان دبلوماسيا سابقا واستاذا (بروفيسورا)
سابقا بجامعة قاريونس والشق الاخير لم يثبت لدينا فهو لم يكن استاذا في هذه
الجامعة قط قبل أو بعد حصوله على الدكتوراه ولم يباشر فيها العمل أصلا. و الادعاء بأنه
كان استاذا سابقا في جامعة قار يونس غير صحيح ومخالف للأعراف العلمية فلا يعقل أن
يكون شخص حديث التخرج بدرجة استاذ سابق في جامعة عريقة. فبعد تخرجه من جامعة
القاهرة عمل محمود الورفلي في الوفد الليبي في الأمم المتحدة ثم تحصل على قبول
اكاديمي من جامعة بتسبرق فصدر له قرار إيفاد من جامعة قاريونس حيث قضى في جامعة
بتسبرق ثمانية سنوات في الدراسة، كما ثبت انه لم يكن استاذا بجامعة بتسبرق أو
جامعة قار يونس خلال تلك الفترة أو بعدها.
رابعا: الاستنتاجات
وفي استنتاجه خلص د محمود الورفلي
إلى أن علاقة ليبيا بالإتحاد السوفيتي وتوتّر علاقة الاخيرة مع أمريكا كانت محدد
العلاقة بينهما وقد غذاها الإعلام الأمريكي ورسمها. وهذا الاستنتاج لا تؤيده
القرائن العملية فالولايات المتحدة واسرائيل استفادت من الأدوار التي لعبها
القذافي في العالم بشكل مباشر.
ولكن الاستنتاج الأهم من هذه
الدراسة هو اهمية البروز الإعلامي ودوره في رسم صورة المنقذ او الزعيم التي
استعملها السيد جبريل في حملة التحالف الانتخابية والتي أخلت بتكافؤ الفرص بين
الكتل في الانتخابات الليبية الأخيرة ، بالرغم من تعهده في السابق بعدم استثمار
ظهوره الإعلامي سياسيا، ناهيك عن تسخيره لمؤسسات المجتمع المدني في خدمة أغراض
سياسية باقحامها في العمل السياسي بدل النشاط التوعوي المستهدف من وجودها.
من خلال رسالة الدكتوره
وطوال مدة دراسته كان الكاتب يبرز إنتمائه الورفلي بوضوح لدرجة أنه لم يعرف إلا
بهذا اللقب وقد أشارت بعض الصحف الغربية لهذا، ولكنه مؤخرا استخدم لقب جبريل الذي
عرف به وربما كان هذا الخيار لأسباب سياسية ومهنية بحتة كجزء من التسويق السياسي.

