Friday, January 28, 2011

من غرناطة إلى غزة



         ان الجرح فى غزة غائر و يمتد عمقا لأكثر من خمسة قرون عندما تقاتل أمراء العرب في الأندلس و تحالفوا مع النصارى ضد بعضهم البعض مما أدى إلى خروج الجميع من الأندلس . خرج العرب و المسلمون و البربر و الامازيغ و اليهود ، خرج الأمراء والقادة العسكريون و العلماء وخرج الأثرياء و الفقراء ، خرجوا منها إلى غير رجعة و سالت دماء المسلمين و العرب و البربر و اليهود فلم يسمح الصليبيون في اسبانيا لغير النصارى بالبقاء فيها . و لم تكن حرب إبادة و تصفية لبقية الأعراق فقط بل كانت حرب إبادة جماعية لحضارة إنسانية راقية .


كلمات سقطت من  جدران  الأندلس ، للفنان بشير حمودة
 وكذلك اليوم ينقسم قادة العرب على أنفسهم بعضهم يخشى على كرسيه من الضياع و بعض يخشى غضب أمريكا و إسرائيل ، وكلهم نسى الامانة التي هو مؤتمن عليها ألا و هي كرامة هذه الأمة ، بل نسوا كذلك غضب الله الذي سيحل بهم و عذابه الذي سوف ينزل بهم يوم لا ينفع مال و لا بنون .
 و بسقوط غرناطة انتهت الحقبة الذهبية في تاريخ اليهود ، حيث لم يعرف اليهود عزا و لا منعة مثل ما رأوه في الأندلس . فخرجوا لينعموا بالأمان في كنف الدولة العثمانية من شواطئ المغرب إلى ثغور اليونان في سالونيك. لكنهم في دار  الهجرة هذه بدؤوا التخطيط للعودة إلى ارض فلسطين و اغتصابها من أهلها الأصليين عرب فلسطين .

اغتصاب فلسطين

 سمحت الظروف عند نهاية الحرب العالمية الثانية بتأسيس دولة العصابات الصهيونية على ارض فلسطين و الجميع يعلم حجم المؤامرة على شعب فلسطين. و خاض العرب عدة معارك خاسرة مع إسرائيل بداية بحرب 1948 حيث دارت الحرب على ارض فلسطين ثم عام 1967 حيث دارت الحرب في سيناء و الضفة و الجولان ، و أخيرا حرب رمضان عام 1973 حيث وقف إطلاق النار على أبواب القاهرة و فيها اكتشف قادة العرب أن المخطط لها كان هنري كيسنجر. و أن هذه الحرب كانت تخدم أهداف الاستسلام العربي بالرغم من اجتماع صقور قادة العرب فيها و تسخير النفط و جميع الإمكانيات المادية للعديد من الدول العربية لخدمتها . و تحولت مصر بعد هذه الحرب الأخيرة إلى صديقة حميمة لإسرائيل و تخلت عن مشاريع التصنيع الحربي و بناء القدرات العسكرية و أصبحت احد اللاعبين الكبار في مشاريع السلام التي تخدم إسرائيل بالدرجة الأولى خاصة بعد اختفاء السادات .

سجن المقاومة

ثم أخذت التحركات السياسية و العسكرية لإبعاد المقاومة الفلسطينية عن الحدود الإسرائيلية إلى تونس و بعض الدول العربية كي يتم تدجين معظمها ، ثم تعاد لتسجن تحت سيطرة العدو الصهيوني في الاراضى المحتلة و بالتالي تتحول السلطة الوطنية الفلسطينية إلى حارس ذليل لأمن إسرائيل و سلامة المستوطنين الغزاة على أراضى فلسطين السليبة . و أخذت السلطة تسجن من يختار مقاومة المحتلين، بل و تتآمر على فصائل المقاومة واحدا بعد الآخر. و هاهي اليوم تقف ضد المقاومة الباسلة في غزة .


سجن المقاومة للفنان بشير حمودة  1981
    
            و رضي بعض رجالات المقاومة بوضع هزيل بعد أن قفلت في وجوههم أبواب القادة العرب ، لكن الله سخر لهذا الشعب أطفال ثورة الحجارة  ليصبحوا فيما بعد إبطالا للجهاد و المقاومة . و ينتصر منطق المقاومة في غزة على الصعيد العسكري و السياسي و الفكري ، ويبدأ مخطط التجويع لأهالي غزة و معه الحصار من الدول العربية و من جامعة الدول العربية ، و نحن نعرف كيف كان الدعم يصل إلى الجزائر في أحلك الظروف و كيف تسلل المناضلون إلى الشيشان و العراق ، و كيف كان الدعم و السلاح يصل إلى أصقاع الأرض من الدول العربية إذا توفرت النية . لكن حكام العرب اتفقوا على تركيع المقاومة .
ثم جاء القرار الأخير بتصفية المقاومة في غزة ومعها تصفية الإرادة العربية و الإسلامية المقاومة، وبقيت المقاومة صامدة و الشعب الفلسطيني صامد و مهما كانت النتيجة فالرابح الوحيد في هذه المعركة هو الشعب الفلسطيني و من وراءه كل من يدعمه من العرب و المسلمين. و لو كان المكسب الوحيد منها هو عودة تركيا الى الصف العربي و الاسلامى لكانت الحرب رابحة . وفى جميع الأحوال ستخسر إسرائيل الرهان إذا تمكن المجاهدون من الالتحام معها في كل يوم بدل من رميها من بعيد. و الحرب حرب و هي جولات و لعل الحرب القادمة بإذن الله تكون على ارض فلسطين.

القمة العربية المنقسمة و القرارات المستحيلة

لا يخفى على احد في العالم الوضع المتردي لقادة العرب قبل و بعد اجتياح غزة ، فهم بين خائف على مصيره من غضبة شعبه و بين خائف من غضبة أمريكا و إسرائيل ؛ فحتى الاجتماع أصبح مستحيلا قبل أن تتمكن إسرائيل من إتمام المهمة و التي يبدو أن بعض قادة العرب على علم مسبق بها و لا يريد أن تخسرها إسرائيل ، بل و يراهن على خيارات إسرائيل .
 و لو افترضنا حسن النية و اجتمعت القمة فهل تستطيع أن تكون في مستوى الإحداث لتقرر بعض القرارات التاريخية مثل:
أولا: سحب السفراء العرب فورا من إسرائيل .
ثانيا : قطع العلاقات مع إسرائيل إذا لم تنسحب خلال ثمان و أربعين ساعة .
ثالثا : إعلان الحرب على إسرائيل بنهاية اليوم الثالث لهذا الإنذار.
رابعا: وقف ضخ النفط مع اندلاع الحرب و مقاطعة كل الدول التي تساند إسرائيل.
أن مثل هذه القرار تحتاج إلى قادة يحترمون شعوبهم ويرتكزون على تأييد و دعم ديموقراطى شعبي حقيقا ، أو تحتاج إلى صقور من أمثال عبد الناصر و فيصل و بومدين ومن تعاون معهم .

الخيار الأخير

 في غياب القمة الكامل من المعركة بشكل يرقى إلى درجة الخيانة القومية ليس إمام الشعوب العربية إلا الثورة الشعبية على الحكام خاصة في ظل استكانة القادة العسكريون العرب و رضاهم بعقيدة القصور و المزارع و الجواري و الجياد، بدلا من عقيدة النصر أو الاستشهاد. فلقد مات معظم الضباط و ضباط الصف الذين دربوا الشباب بعد حرب الأيام الستة وتقاعد معظم المتدربين  ولم يدخل احدهم حربا، و كذلك ستمر بقية الدفعات بنفس النهاية. كما أن الأمة دفعت ثمنا باهضا باسم المعركة ، ضحت بالحريات و التقدم و التنمية والديموقراطية ،كما ضحت بأجيال من الشباب في معارك وهمية و لم يبق لها إلا الخيار الأخير ألا و هو الخروج على الخونة و العملاء فلا طاعة لمخلوق في خيانة الخالق ، و لا طاعة لحاكم في خيانة  الأمة .


ثورة الشعب و صرخة الحق  للفنان بشير حمودة 

 أما المقاومة فليس لها إلا خيار المقاومة المسلحة و الاستشهادية ؛ فلا مهادنة و لا سلام و لا صلح مع قتلة الأبرياء من النساء و الأطفال العزل ، و من يطلب الموت توهب له الحياة و ما النصر إلا من عند الله القوى العزيز. و كل مواطن عربي يتقاعس عن دوره سيكون شريكا في الخيانة و شريكا في الظلم و شريكا في هزائم المستقبل و كلنا راع و كلنا مسئول عن رعيته في يوم لا ريب فيه بين يدي الله العزيز الجبار.

Thursday, January 27, 2011

واحات الإيمان في الصين


لوحة نحاسية في مدخل مسجد شاو تاو يوان بشنغهاي

واحات الإيمان و مستنزل الرحمات و مجامع الملائكة في جميع بقاع الأرض هي بيوت الله، حيث يذكر فيها اسم الله و تقام الصلوات و ترفع الدعوات و تعقد حلق الدرس و مجالس الذكر و تبنى  فيها عرى الأخوة و المحبة في الله. و في الصين مثل غيرها من الدول التي دخلها الإسلام يوجد العديد من المساجد القديمة جدا و الحديثة، وهي منتشرة في بقاع الصين المختلفة وتتميز ببعض المزايا و الصفات النابعة من الثقافة و التراث الحضاري الصيني و العربي الإسلامي.
دخول الإسلام إلى الصين

مسجد سونغ جيانغ بشنغهاي تأسس سنة 1295 م

دخل الإسلام إلى الصين منذ حوالي أربعة عشر قرنا و أصبح عقيدة مشتركة لدى عشر أقليات قومية في هذه البلاد الشاسعة و هي هوى و الو يغور و القازاق و القرغيز و التتار و الأوزبك و الطاجيك ودونغشيانغ و سالار و باوآن"، و يبلغ تعداد المسلمين حوالي 25 مليون نسمة في الصين على أقل تقدير. و قد اتفق المؤرخون الصينيون على أن أول  مندوب من الخليفة عثمان بن عفان رضى الله عنه وصل إلى مدينة نشانغآن و التي تعرف الآن بمدينة شيآن  و كانت عاصمة للصين آنذاك. وصل هذا المبعوث في 25 أغسطس سنة 651 م و قابل الإمبراطور فاوتسونغ من أسرة تانغ التي حكمت الصين من سنة 618 م إلى سنة907 م. و قدم هذا المندوب شرحا للإمبراطور عن أحوال بلاد المسلمين و الشريعة الإسلامية إجمالا. و مع ازدياد الاتصالات بين المسلمين و الصين استوطن عدد من العرب الوافدين الصين ثم ازدادت أعدادهم في القرون اللاحقة مع قدوم بعض الفرس المسلمين. و أصبح للمسلمين نفوذ كبير في الصين لدرجة أن مسلما يدعى أبو شوقي العربي تولى منصبا عاليا في الحكومة. ثم مع مرور الأيام برز من المسلمين الصينيين من تقلد مناصب حكومية و عسكرية رفيعة و حضوا برضا الأسر الحاكمة و دعمها لهم و للإسلام، بل أصبح للمسلمين أثر بارز في الحياة الثقافية و الفكرية من خلال استخدام الأحرف و اللغة العربية ، و لا زلنا نرى الكتابة بالأحرف العربية على العملة الرسمية الصينية الحالية.


ورقة عشرون يوان تحوى كتابة بالأحرف العربية
المساجد في الصين
في بحر أربعة عشر قرنا من الزمان بنى المسلمون من مختلف القوميات في الصين العديد من المساجد الصغيرة و الكبيرة و تفيدنا بعض الإحصاءات الغير كاملة إلى أن عدد المساجد في الصين يبلغ 25 ألف مسجد و هي تنتشر في ثلاثين مقاطعة و بلدية و منطقة ذاتية الحكم و كذلك في تايوان و هونغ كونغ و ماكاو. و لكن الحولية التي نشرتها دار تلغراف العالم الأمريكية سنة 1948 م تشير إلى أن عدد المساجد في الصين بلغ اثنان و أربعون ألف مسجد.


مسجد شاو تاو يوان حديث التصميم بشنغهاي تأسس سنة 1917 م

 بعض هذه المساجد له تاريخ عريق و بعضها رائع الهندسة و جميل التنفيذ و بعضها متألق بضياء التبادلات الثقافية بين شعوب الصين و العرب المسلمين و هي تعتبر من الآثار التاريخية الفريدة بالصين.
تطور مفهوم المساجد في الثقافة الصينية
مع بداية دخول الإسلام إلى الصين عن طريق التجار العرب المسلمين كان الصينيون يسمون المسجد " لي تانغ" و تعنى قاعة الاجتماع، حين لم يستوعبوا الصلاة بالكامل. ثم بعد ذلك أطلقوا عليه اسم"لى باى تانغ" و تعنى قاعة الصلاة و بعد ها أطلقوا عليه اسم "سى تانغ" و تعنى المتعبد و في أواسط القرن الثالث عشر أخذ المسلمون الصينيون يطلقون على المسجد"تشينغ تشن سى" و تعنى بالعربية متعبد الصفاء الحق. و أصبحت هذه التسمية هي الشائعة و تشير كلمة تشينغ و معناها الصفاء إلى الله فهو صاف لا تشوبه شائبة أبدا, بينما يشار بكلمة تشن أي الحق إلى أن الله واحد أحد، أما كلمة سى و تعنى المتعبد فهي كلمة مستعارة من البوذيين و النسطوريين الصينيين.
أقدم المساجد في الصين
يرد ذكر أهم و أشهر و أقدم أربعة مساجد في الصين في كثير من المصادر، و منها كتاب " تحفة النظار في غرائب الأمصار و عجائب الأسفار" للرحالة العربي الكبير ابن بطوطة  الذي زار الصين و تحدث عن مساجد الصين و أهلها. و المساجد الأربعة هي:
مسجد الحنين إلى النبي أو مسجد هوا يشنغ.
مسجد الصحابة.
مسجد الدين الحق أو مسجد العنقاء و هو مصمم على شكل عنقاء.
مسجد الكركى و هو مصمم على شكل طائر الكركى.
و قد بنيت في الفترة الأولى لدخول الإسلام إلى الصين و لكن أهمها بالنسبة لهذه المقالة هو مسجد الحنين إلى النبي، حيث يشير اسمه إلى قرب فترة عهد النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه و سلم من تاريخ بنائه و تتجلى في الاسم محبة الرسول الكريم و الشوق إليه.
مسجد الحنين إلى النبي
يقع مسجد الحنين إلى النبي أو مسجد هوا يشنغ في مدينة قوانغشو و قد تم بنائه على يد الجالية العربية المسلمة و في الأصل أسسه شخص عربي يدعى وقاص و لقد اختلط الأمر على كثير من المتأخرين فاعتقدوا انه سيدنا سعد بن أبى وقاص و هذا خطأ فسيدنا سعد لم يصل الصين و لم يدفن فيها. أما  وقاص المؤسس فقبره موجود على مقربة من جسر ليوهوا في ضواحي قوانغشو و جرت العادة على تسميته ضريح "الحكيم المرحوم" و المسلمون عادة يزورون قبره في الأعياد الإسلامية. ويوجد بداخل المسجد رقيم منقوش عليه باللغة العربية الفقرة الآتية:
" هذا أول مسجد في الصين، بناه سيدنا وقاص رضي الله عنه إذ دخل هذه الديار لإظهار الإسلام بأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم جدده المتأخرون مرة بعد مرة. و قد حفظه الله تعالى إلى الآن سليما من الآفات. و هو في الصين مبدأ الإسلام و منبع العلوم. فينبغي لمسلمي الصين أن يزينوا ظاهره بالعمارة الحسنة، و يصلحوا باطنه بإقامة الجماعة. و على مسلمي هذا البلد خصوصا إنشاء مدرسة، فاعتبروا يا أولى الألباب. التوقيع سليمان عبد الكريم"
 ومن هذا الرقيم يتضح أن وقاص هذا غير سيدنا سعد، فكاتب هذا الرقيم عربي و كتبه باللغة العربية و هو كان القائم بشؤون المسجد. و كم أتمنى أن يقوم احد المختصين بالتاريخ الاسلامى بدراسة مثل هذه الأمور فالكثير من التراث العربي الاسلامى موزع في الصين و يحتاج إلى الدراسة و التوثيق.

تطور بناء المساجد فى الصين
          بدأت الكثير من المساجد في هذا البلد بأحجام صغيرة و قد يصل بعضها إلى مستوى الأكواخ الخشبية في حالات العمل المهاجرين و لكنها تنمو و تزداد اتساعا مع نمو عدد المسلمين في المنطقة و مع زيادة قدراتهم المالية. و معظم المساجد الأولى بناها تجار مسلمون مهاجرون من العرب ثم بعد ذلك من الفرس. و مع مرور الوقت بدأ المسلمون الصينيون يبنون المساجد بدرجات متفاوتة، بعض الأسر بنت مساجد و بعض الرجال أو بعض النساء تبرعن ببناء مساجد كما قام بعض الحكام من غير المسلمين ببناء بعض المساجد تكريما لإخلاص و أخلاق المواطنين المسلمين، بل وصلت الثقة بالمسلمين في بعض الأسر الحاكمة لدرجة أن الحراس الشخصيين للإمبراطور و أسرته كانوا من المسلمين و ذلك لحسن أخلاقهم.


رقيم يحمل المرسوم الامبراطورى ببناء مسجد نانجين

 و هناك مساجد خاصة بالنساء في الصين و ذلك لتوفير الخصوصية لهن خاصة إذا عرفنا إن بعضهن قادم من الأرياف للعمل في المدينة، و قد يكون هذا المسجد ملحقا بمسجد للرجال أو مستقل بالكامل و تؤمهن إحدى النساء في الصلاة.


مسجد شاو تاو يوان للنساء بشنغهاي

و لقد تعرضت بعض المساجد للهدم على يد بعض الآسر الحاكمة الظالمة، كما تم إغلاق جميع المساجد و تحويلها إلى استخدامات أخرى خلال الثورة الثقافية في الصين التي تعاملت مع الدين بشيء من الهوس خلال الفترة من 1966 م إلى 1976 م، و في هذه الفترة تمت سرقة العديد من الأشياء الثمينة فى المساجد و لكن بعد القضاء على عصابة الأربعة الشهيرة و تحول الصين إلى مسيرة الإصلاح قام المسلمون بالمطالبة بمساجدهم و قد عاد معظمها إليهم إلا التي تم تدميرها.


مسجد  شاو تاو يوان للنساء من الداخل

 و للمسلمين في الصين مقولة جميلة تقول:"إن مثل المسلمين الذين فقدوا المساجد كمثل الأسماك التي فارقت الماء". و هذه المقولة تعكس مرارة شعورهم خلال الثورة الثقافية المجنونة. و لكن مشوار إصلاح و ترميم و إعادة بناء المساجد لا زال يتلكأ بسبب نقص الموارد المالية عند المسلمين في الصين.

تحف المساجد الصينية


نموذج للخط العربي الصيني مسجد نانجين

تتزين المساجد في الصين بتزاوج الفن المعماري العربي الإسلامي ومع العمارة الصينية التقليدية في شكل المسجد و توزيع قاعاته و ساحاته و أشكال الأسقف و المداخل بالإضافة إلى الزخارف بالخط العربي الصيني المموج. و هي تعتبر تحفا فريدة في فن العمارة الإسلامي و الصيني العالمي.


زخرفة بالآيات القرآنية مسجد نانجين

 كما تحتوى المساجد على العديد من المخطوطات النادرة من الكتب و المصاحف و المواعظ و اللوحات الفنية على الخشب و الورق الصين و الخزف و المعادن.


خطوط على الخزف 1520م متحف شنغهاي

 أضف إلى هذا عدد من المباخر القديمة و السبح النادرة و كميات كبيرة من الرقائم جمع رقيم، و هي قطع من صخر القرانيت نقش عليها معلومات تاريخية عن المساجد و العلماء و الناس التي تبرعت للمساجد.


رقيم بقوائم المتبرعين للمسجد بنانجين لكل حقبة


مبخرة من النحاس منقوش عليها حديث أفضل الذكر
1550م مسجد نانجين

مهام المساجد في الصين

تمثل المساجد مركز الحياة للمسلمين في الصين في غياب أية جهة رسمية ترعى شؤونهم الدينية. و تتكفل المساجد بتقديم جميع المهام المطلوبة في حياتهم سواء الدينية أو الدنيوية و هي تقوم بالاتى:
إقامة العبادات الإسلامية من صلاة و صيام و زكاة و تنظيم رحلات الحج و العمرة.
نشر المعارف الدينية لغير المسلمين لأغراض الدعوة.
تعليم المسلمين شؤون دينهم من خلال برامج التعليم الديني.
تعليم اللغة العربية و القرآن الكريم.


تجهيزات تعليمية بمسجد النساء بشنغهاي
استقبال الضيوف و مساعدة المحتاجين.
معالجة الشؤون الدينية الروتينية، مثل عقد الزواج و العقيقة و الختان و توفير اللحم الحلال و ما شابه هذه الأمور.
حل النزاعات بين المسلمين.
تنظيم الأنشطة الرياضية و رعاية الشباب.
الاحتفال بالأعياد و المناسبات الإسلامية.


صلاة عيد الفطر لعام2010 م في مسجد نانجين

أبرز معالم التعليم الديني في المساجد

لقد بدأ التعليم الديني في المساجد مع قدوم المهاجرين المسلمين الأوائل و كان المؤسسون لهذا النشاط من العرب ثم بعدهم من الفرس إلى أن تمكن الصينيون من علوم اللغة العربية و الدين و حملوا لواء التعليم الديني. و يعد الشيخ هو دنغ تشو أول من دعا إلى التعليم الديني السليم المنطلق من الكتاب و السنة عندما رأى تسرب العديد من الخرافات إلى أنماط السلوك و التفكير الديني و لهذا لقبه الصينيون "أستاذ الأساتذة" تعظيما له و إكبارا لدوره، و هو من علماء القرن الحادي عشر ميلادي و قد لعب دورا بارزا في تصحيح التعليم الديني في الصين. و كان من عادته أن يطعم من جاءه لطلب العلم و يعلمهم بكل رضا بالمجان فهو كان ميسور الحال. و لقد كان جادا في التعليم إلى أقصى حد، و من ذلك انه وضع خمسة شروط أو مواصفات للعلماء المطلوبين للتعليم.

مواصفات الشيخ المعلم

من أجل نجاح المعلم في تربية الطلاب و تعليمهم يرى الشيخ تشو ضرورة توفر الشروط الأتية:
        التمكن من علوم الدين
إتقان طرق التعليم و البراعة فيها
التحلي بالخصال الحميدة دون أدنى شائبة
أن يكون داعية و قدوة قولا و عملا
الزهد في الحياة الدنيا عن رضا و طيب خاطر
و قد تتلمذ على يدي هذا الشيخ العديد من العلماء عبر عدة أجيال مما أثرى التعليم الإسلامي في الصين. و مما يذكر عن عمق الدراسة لديه أن دراسة كتاب العقائد و هو من تأليف نجم الدين عمر النسفى كان يستغرق اثنتا عشرة سنة في أقصى حد.
 كما برز في الأجيال اللاحقة عالم آخر مرموق المكانة هو الشيخ شه تشي لينغ، و كان له دور بارز في في محاربة البدع و إلغاء الممارسات المخالفة للشريعة من العادات و التقاليد. و هو يعتبر رائد لا مثيل له في هذا المجال فالصينيون بصفة عامة لا يحبون مواجهة الواقع الخاطئ و معارضته. و كان الشيخ شه عالما ومربيا مبدعا و قد وضع شروطا صارمة لقبول طلاب العلم في مدرسته.

مواصفات طلاب العلم الشرعي

و تتلخص مواصفات و شروط القبول  للطلاب حسب ما رآه الشيخ شه تشى لينغ في النقاط الآتية:
تكون أولوية القبول للناشئين الأذكياء ذوى التربية الصالحة.
لا يقبل طلاب فوق الثلاثين سنة إلا إذا تبين أنهم من الموهوبين الحريصين على دراسة علوم الدين.
لا يقبل طلاب فوق الأربعين سنة إلا إذا كانوا جادين في الدراسة و متأدبين في المعاشرة و زاهدين في الحياة الدنيا و مواظبين على تهذيب و تزكية أنفسهم.
عدم قبول الأطفال.
تكون أولوية القبول للمخلصين الأقل ذكاءً بدلا من الأذكياء الماكرين.
و كان من عادته أن يشرح الدرس ثم يلزم الطلاب بتكرار القراءة لعدد قد يصل ثلاثين مرة، حتى يحفظ الطالب الدرس و يتقن النطق و الفهم لمعانيه.
و كان الطلاب في ذلك الزمان يعيشون في ظروف فقر قاسية في المدارس الإسلامية، و يزودهم الفلاحون في المنطقة بقليل من الطعام و يقيمون في حجرات باردة جدا في الشتاء و ساخنة في الصيف و لكن من يطلب العلم يصبر على ما يلاقي في سبيله و لولا ذلك لاختفى العلم الشرعي من الصين.
 أما في عصرنا الحالي فالظروف أحسن من أي وقت مضى و توجد العديد من المدارس و المعاهد و لكنها لا تفي بالغرض المطلوب نظرا لنقص الموارد المالية للمسلمين الصينيين. و تقدم بعض الدول العربية و الإسلامية منحا دراسية لهم و لكن عددها قليل و يحتاج المسلمون في الصين إلى اهتمام أكبر و دعم أقوى. ففي الوقت الذي تنشط فيه جمعيات التبشير و تقوم ببناء مئات الكنائس لا يوجد مجهود دائم يذكر من دولنا العربية باستثناء ليبيا حيث تقوم جمعية الدعوة الإسلامية بنشاط في مدينة بجين من خلال المسجد الذي بنته و تشرف عليه.

أهم آثار التعليم الإسلامي في الثقافة الصينية

من ابرز معالم التراث الثقافي الصيني العربي الإسلامي المتأثر بالتعليم في المساجد في الصين هو" شياو أر جينغ " و تعنى بالعربية كتب الأطفال المقدسة. و هي عبارة عن الثقافة الصينية مكتوبة بالحروف الهجائية العربية و الممزوجة ببعض المفردات العربية و الفارسية. ففي كتاتيب المساجد كان أبناء المسلمين الصينيين يدرسون القراءات العربية و الفارسية باللغة العربية، و حيث أن هؤلاء الأطفال  كانوا يتكلمون باللهجة الصينية الدارجة وسط التجمعات السكانية الإسلامية و لا يعرفون كيف يكتبونها، فكانوا كل ما صادفوا كلمات أو عبارات صعبة  الحفظ في دراستهم قاموا بشرحها باستخدام الألفاظ الصينية و كتبوها بالحروف الهجائية العربية مع إدخال بعض المصطلحات و العبارات العربية و الفارسية المناسبة. و هكذا تكونت كتب الأطفال المقدسة ففيها علم شرعي  إسلامي و ثقافة صينية و مكتوبة باللغة العربية.




Wednesday, January 26, 2011

أنجيل النهضة العربية

مثل ما كان أنجيل عيسى في أصله الصحيح نداء لقومه كي يرتفعوا فوق الظلم و الظلام و بشرهم بالإنعتاق و الخلاص من جور الحكام فها هو أبو القاسم ألشابي يبشر بني قومه و يهديهم إلى سبيل النهوض من سباتهم و الاندفاع في دروب الحياة من أجل البناء و الحرية و السعادة في الدارين. و هذا واضح جلي في أبياته في قصيدة الإرادة أو إرادة الحياة.
قصيدة إذا الشعب يوما أراد الحياة
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر 
ولا بد لليل أن ينجلي 
ولابد للقيد أن ينكسر 
ومن لم يعانقه شوق الحياة
تبخر في جوها واندثر 
كذلك قالت لي الكائنات 
وحدثني روحها المستتر 
ودمدمت الريح بين الفجاج 
وفوق الجبال وتحت الشجر  
إذا ما طمحت إلى غاية 
ركبت المنى ونسيت الحذر
ومن لا يحب صعود الجبال 
يعش ابد الدهر بين الحفر
فعجت بقلبي دماء الشباب 
وضجت بصدري رياح أخر 
وأطرقت أصغى لقصف الرعود 
وعزف الرياح ووقع المطر
وقالت لي الأرض لما سالت: 
يا أم هل تكرهين البشر ؟:
أبارك في الناس أهل الطموح

ومن يستلذ ركوب الخطر
وألعن من لا يماشي الزمان 
ويقنع بالعيش ، عيش الحجر
هو الكون حي يحب الحياة 
ويحتقر الميت مهما كبر
وقال لي الغاب في رقة 
محببة مثل خفق الوتر
يجيء الشتاء شتاء الضباب 
شتاء الثلوج شتاء المطر
فينطفئ السحر سحر الغصون 
وسحر الزهور وسحر الثمر
وسحر السماء الشجي الوديع 
وسحر المروج الشهي العطر
وتهوي الغصون وأوراقها 
وأزهار عهد حبيب نضر
ويفنى الجميع كحلم بديع 
تألق في مهجة واندثر
وتبقى الغصون التي حملت 
ذخيرة عمر جميل عبر
معانقة وهي تحت الضباب 
وتحت الثلوج وتحت المدر
لطيف الحياة الذي لا يمل 
وقلب الربيع الشذي النضر
وحالمة بأغاني الطيور 
وعطر الزهور وطعم المطر
حري بنا أن نترنم بهذه القصيدة و نحفظها عن ظهر قلب و نجعلها دستور حياتنا، فهي بحق إنجيل النهضة العربية و حرى بنا أن نعلمها لأولادنا و بناتنا فى المدارس 

" العربان " يخيمون في ساحة الحكومة


" العربان " يخيمون في ساحة الحكومة
ما أشبه اليوم بالأمس لكن التاريخ لا يعيد نفسه
عمار العربي الزمزمي
سجين سياسي سابق وناشط في المجتمع المدني

سبحـــــــان من غير الأحوال :
حتى الأمس القريب كان المار بساحة الحكومة يتفادى تلقائيا الاقتراب من الحراس الوقفين بباب الوزارة الأولى و إذا حصل سهو أو نسيان يجابهه هؤلاء بغلطة و يطلبون منه بلهجة آمرة زاجرة أن يمر بالجانب الآخر للساحة  أين هؤلاء الحراس اليوم؟ و أين مسافة الأمان التي كانوا يؤمنونها لهذا المقر السيادي الذي كانت تلتئم فيه الاجتماعات لتصدر أخطر القرارات؟ لقد بات الوزير الأول محمد الغنوشي الذي صم أذنيه على أصوات الشعب المنادية برحيله عاجزا عن الدخول إليه لم يسمع هدير الشوارع فجاءته الجموع إلى مقر وزارته لتسمعه صوتها. و الأغرب من ذلك بل المذهل أن شباب تونس لا بل أطفاله و رجاله و نساءه كهولهم و شيوخهم أصبحوا يزاحمون جنودا أو ضباطا يتحركون بصعوبة بالغة بسبب الزحمة و ضيق المكان مظهرين لحد الآن صبرا و سعة صدر يحسبان لهم.
من كان يتصور أن تزول الرهبة من القلوب إلى هذا الحد و أن يتحطم جدار الخوف بهذا القدر؟ كانت الجموع فيما مضى تقرر في هبات غضبها التوجه إلى سفارة لا يعجب موقف حكومتها من هذه القضية أو تلك أو إلى الإذاعة و التلفاز التي تثير برامجها السخط لأنها هي في واد و نبض الشارع في واد أخر. وقلما كانت تصل إلى المكان. فماذا حصل لترابط جموع الشعب بساحة الحكومة ؟
أكثر من واحد يقول أقرصوني حتى أتأكد بأنني في حال اليقظة لا في حلم. إنها لحظة تاريخية نادرة يصعب تكرارها أنها مثل تلك اللحظة التي اكتسحت فيها جموع الشعب الفرنسي سجن الباستيل و جموع الشعب الروسي قصر القيصر و هدمت فيها جموع الشعب التونسي لا تحمل سلاحا و لا معاول و لا حتى عصيا بل حولت رموز القوة إلى شيء تتندر به فقد طاف بعض الشبان بخوذة أحد أعوان الأمن مرفوعة على عود و لا أقول عصا . فالجموع لا تتوعد أعداءها بالقتل لا شنقا و لا سلاحا و لا رميا بالرصاص إنها ببساطة ترفض القصاص العاجل و عدالة الشارع.
ولا يحد عنك مشهد الشبان الذين يتسلقون الأسوار العالية و يتشبثون بحواجز النوافذ الحديدية السميكة. إنهم لا يهاجمون مقرا سياديا تحصن به صاحبه بل هم يعلقون لافتاتهم و يلصقون معلقاتهم التي تحمل شعاراتهم متخيرين لها ابرز الأماكن حتى تثير اهتمام المصرين لا المحترفين فحسب و إنما الهواة أيضا و كل الناس أصبحوا من هواة التصوير.
ما أشبه اليوم بالأمس: عندما يطلع النهار و تبدأ الحركة تدب في العاصمة يأخذ الناس في التقاطر على ساحة الحكومة محاولين التسلل عبر المنافذ القليلة التي يقوم عليها الجيش الذي عوض قوات الأمن حواجز . و ينضم هؤلاء إلى المرابطين أو المعتصمين بالساحة الذين جاء أغلبهم من المناطق الداخلية من تونس الأعماق لا الأفاق كما كانوا يسمون و نصبوا خيامهم و قد تفتقت قرائحهم على طرق طريفة في تثبيتها في أرض مبلطة لا تراب فيها و قد وضع كل وفد معلقة تشير إلى هويته. فهذا وفد الحامة وهذا وفد القصرين و ذاك وفد سيدي بوزيد و الأخر وفد قفصة الخ... و ما هؤلاء إلا أحفاد " العربان" و هي تسمية تحقيرية كانت تطلق على أهالي الأرياف التونسية ذوي التركيبة القبلية أي بني زياد و الفراشيش و ماجر و دريد و الهمامة و زلاص و غيرهم.
فقد كان هؤلاء " العربان"  كلما هبوا و انتفضوا يحاصرون " الحاضرة " و يخيمون حولها و يشيدون السبل على "المحلة" فيمنعونها من الخروج لجمع "المجبى " ( أي الضرائب ) و يضغطون على البايات لجعلهم يتراجعون عن هذا القرار أو ذاك.
لكن التاريخ لا يعيد نفسه :كل هذا الإرث الثوري حاضر في أذهان من قرأ التاريخ من هؤلاء المعتصمين وحاضرا أيضا في التركيبة النفسية لبقي بصفة غير واعية لكن التاريخ لا يعيد نفسه و إن اعتقد البعض ذلك.فأحفاد العربان يتحركون اليوم بوعي أرقى صنعته تجارب الأمس البعيد و القريب و تراكمات النضال و الدروس المستقاة من الخيبات و الانكسارات و المغالطات. أحفاد " العربان" يعرفون ماذا يريدون . إنهم ليسوا جياعا دفعتهم سنوات القحط  أو ارتفاع الضرائب إلى المجيء للتظلم كان يطلبوا التراجع عن رفع المجبى . لن نسمع منهم نداءات الاستغاثة " يا سيدنا نحن جياع" و سيدة القصر التي فرت لن تطل عليهم من شرفاتها لترد عليهم بمقولتها المشهورة : " كولوا حتى المحمصى بالقديد"
أحفاد "العربان" يطالبون بالحرية التي لن تتحقق إلا برحيل رموز العهد السابق و تخليهم عن السيطرة على مفاصل الدولة بعد أن رحل بن علي رأس هرم السلطة الدكتاتورية و لن يطيب خاطرهم كلام معسول و لا وعود لم يعودوا يثقون بها.
لقد وقف بالنسبة إليهم ساعة الحساب و هم مصرون على نيل استحقاقاتهم كاملة و إقامة العدالة بالوسائل السلمية معولين على قواهم الذاتية رافضين كل استنجاد بالخارج. فهم لا ينتظرون مثل أجدادهم تدخلا  من باب العلي ( الخلافة العثمانية) لا يأتي و هم يرفضون رفضا قاطعا تدخل الشقيق البعيد و القريب قبل تدخل " الصديق " التقليدي و الغريب و يحذروك كل الذين يحاولون في العلن و الخفاء التدخل في شؤونهم الداخلية لسرقة ثورتهم و إجهاضها.