Showing posts with label ادبيات. Show all posts
Showing posts with label ادبيات. Show all posts

Friday, February 4, 2011

رسالة من مواطن إلى الحاكم العربي

د. خالد المبروك الناجح

أستاذ بكلية الطب البشري / جامعة الفاتح


أحْرَى بكَ أن تتعلَّم

مثلاً مكتوبًا يتكلَّم :
أقوى الناس الرّجُل المُعدَم 
مقموع الرّأي المتجهِّم ،
فالكبت يُولِّد ضغطاً
والضّغط يُولِّد عُنفاً
إن آن أوان تفجُّرهِ
يخرج كالمارد من قِمقَم


لا جدوى من إسكات الآخر

دعنا نتحاور
لصالح الوطن
قبل قول "الصّيف ضيّعت اللبن"
أم لا يوجد في معجمك البائس 
معنى لحوارٍ وتشاور
لا يملك أَيٌّ منّا الرأي المطلق
أو أن يتكلّم باسم الحق !

فقهائك أفتوا ببجاحه
بأنَّك ظلً الله على الأرض !
وطاعتك علينا فرض 
إعلامك يهذي بوقاحه
بأنّك أنت الشّخص المُلهَم
وكلامك تنزيلٌ مُحكَم
وأَنْ لولاك لَمَا نزل الغيث
ولا رحمة إلا من تَرحَم !
استغفر ربّك يا ظالم

لا وزن لديكَ للنَّاخب
لأنك غاصب 
تحكُمُنا بخُوَذ حديديّه
لا يعنيك الشّعب الغاضب 
والقمع بديل الحُرِّيَّه
في عُرفِكَ يا شَرَّ بَلِيّه
إن آن أوانك كي تذهب 
ستضيق الأرض بما رحبت 
سيُجَمَّد كُلّ ما تنهب
ويسُبُّكَ من يمدحك الآن

أكثر مِنّا فلا تَعْجَبْ
عن ليبيا وطننا 

Wednesday, January 26, 2011

أنجيل النهضة العربية

مثل ما كان أنجيل عيسى في أصله الصحيح نداء لقومه كي يرتفعوا فوق الظلم و الظلام و بشرهم بالإنعتاق و الخلاص من جور الحكام فها هو أبو القاسم ألشابي يبشر بني قومه و يهديهم إلى سبيل النهوض من سباتهم و الاندفاع في دروب الحياة من أجل البناء و الحرية و السعادة في الدارين. و هذا واضح جلي في أبياته في قصيدة الإرادة أو إرادة الحياة.
قصيدة إذا الشعب يوما أراد الحياة
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر 
ولا بد لليل أن ينجلي 
ولابد للقيد أن ينكسر 
ومن لم يعانقه شوق الحياة
تبخر في جوها واندثر 
كذلك قالت لي الكائنات 
وحدثني روحها المستتر 
ودمدمت الريح بين الفجاج 
وفوق الجبال وتحت الشجر  
إذا ما طمحت إلى غاية 
ركبت المنى ونسيت الحذر
ومن لا يحب صعود الجبال 
يعش ابد الدهر بين الحفر
فعجت بقلبي دماء الشباب 
وضجت بصدري رياح أخر 
وأطرقت أصغى لقصف الرعود 
وعزف الرياح ووقع المطر
وقالت لي الأرض لما سالت: 
يا أم هل تكرهين البشر ؟:
أبارك في الناس أهل الطموح

ومن يستلذ ركوب الخطر
وألعن من لا يماشي الزمان 
ويقنع بالعيش ، عيش الحجر
هو الكون حي يحب الحياة 
ويحتقر الميت مهما كبر
وقال لي الغاب في رقة 
محببة مثل خفق الوتر
يجيء الشتاء شتاء الضباب 
شتاء الثلوج شتاء المطر
فينطفئ السحر سحر الغصون 
وسحر الزهور وسحر الثمر
وسحر السماء الشجي الوديع 
وسحر المروج الشهي العطر
وتهوي الغصون وأوراقها 
وأزهار عهد حبيب نضر
ويفنى الجميع كحلم بديع 
تألق في مهجة واندثر
وتبقى الغصون التي حملت 
ذخيرة عمر جميل عبر
معانقة وهي تحت الضباب 
وتحت الثلوج وتحت المدر
لطيف الحياة الذي لا يمل 
وقلب الربيع الشذي النضر
وحالمة بأغاني الطيور 
وعطر الزهور وطعم المطر
حري بنا أن نترنم بهذه القصيدة و نحفظها عن ظهر قلب و نجعلها دستور حياتنا، فهي بحق إنجيل النهضة العربية و حرى بنا أن نعلمها لأولادنا و بناتنا فى المدارس 

ما أجمل أن نلتقي حول الوطن


الهادي غيلوفي:باحث في التاريخ
hedibag@yahoo.com  


     ما أجمل أن نلتقي مجددا حول الوطن بعد أن فرقتنا الاديولويجيات والصراعات ، تشهد ساحة القصبة هذه الأيام أجمل أيامها حيث إنها جمعت أبناء تونس من مختلف الجهات والفئات والاديولويجيات ، من شباب ورجال وكهول ونساء وفتيات في حلقات ومسيرات في جوا يسوده الوئام والحوار والذكريات . الكل يعبر عن رأيه دون إقصاء ولا قمع والكل يجمع علي رفض الالتفاف علي الثورة ومكتسباتها وأهمها الحريات التي حرم منها الجميع علي امتداد 55 سنة من دولة الاستقلال والاستبداد ، عهدين رفع فيهما الصوت الواحد وهيمن فيهما الرأي الواحد و الحزب الواحد . هنا في ساحة الشعب كما يحلوا للشباب تسميتها حاليا حلقات نقاش بين مختلف الفيئات شباب وكهول  ومختلف الحساسيات والتيارات الفكرية والسياسية من مختلف الأجيال المناضلة فكمي الثروات تورث فالثورات تورث فما أجمل أن يلتقي مناضلين اختلفوا في الماضي ويتذكرون سنوات الجمر التي أحرقت الكل من يساريين وقوميين وإسلاميين وحقوقيين. سنوات تميزت بالسجون وكم الأفواه وقمع الحريات والإقصاء.
ما أجمل أن تلتقي الأجيال السابقة من المناضلين مع أبطال ثورة التحرير ثورة جانفي 2011 هؤلاء الشباب الذي مل جلهم نظام ولدوا وترعوا فيه ولم ينالوا منه سوي الوعود الكاذبة . أرهقهم نظام الجنرال وسد أمامهم الأفاق فقرروا أن يكسروا القيود وينتفضوا ليحرروا أنفسهم ووطنهم كانت لهم الجرأة علي انجاز ما عجز عليه جيلنا والأجيال التي سبقتني . لكن هذا الجيل في أمس الحاجة لينهل من التجارب السابقة من الأجيال التي سبقته لكي لا يقع في أخطائهم هذه الأجيال التي اختلفت واصطدمت وتصارعت في حروب مجانية كان النظام يغذي هذه الصراعات .
ما أجمل إن تلتقي هذه الأجيال لتتصارح وتتصالح لتستخلص الدروس من أخطاء الماضي المتمثلة في ثقافة الإقصاء ورفض الأخر التي مكنت النظام من تصفية كل الأطراف الواحد تلو الأخر وكل واحد ينئي بنفسه أما خوفا أو شماتة  ليتجرع الجميع من نفس الكأس كأس السجون وكم الأفواه لكي لا يبقي علي الساحة سوي عبدت الصنم أولائك الانتهازيين من مختلف الحساسيات الذين أعلنوا الولاء والطاعة إما بالتحاقهم بالحزب الحاكم أو الذين فتحوا دكاكين(أحزاب) تعود ملكيتها له ليشاركوا في حفلة النهب المنظمة لممتلكات الشعب الكل ينال نصيبه وعلي قدر أهل العزم تأتي العزائم.
ما أجمل أن نستخلص دروس الماضي لنبني عليها المستقبل بأقل الأخطاء و أن نتجاوز الفرقة والاختلافات الصراعات الهامشية لقد تصارعت كل التيارات والحساسيات وأمطرت بعضها بعضا بشتى التهم  والشتائم والنعوت من الإلحاد إلي الظلامية إلي الشوفينية هذه الصراعات هي التي مكنت النظام من الهيمنة علي البلاد وقهر العباد وخلف تركة ثقيلة من الفقر والديون والتصحر السياسي والثقافي والفكري وعلينا أن نعمل علي محو أثاره جميعا . فعلينا جميعا أن نعمل علي بناء وطن لكل أبناءه بلد تسوده ديمقراطية توافقية تقوم علي تبني نظام سياسي يكفل حق المشاركة ، نظام برلمانا لا رئاسيا نظام تحكمه حكومة برلمانية تقوم علي المحاسبة والمسائلة وتكفل الحريات السياسية والفكرية والثقافية . فلنتوقف عن عبادة الأفراد والزعامات التي لا تقود إلا إلي الاستفراد.
لقد آن الأوان لنقول بأننا جميعا شركاء في الوطن ونعمل علي الحفاظ عليه وعلي ثورته ولا نتركه بأيدي عصابات النهب الاقتصادي والسياسي. لقد ناضلت أجيال تلو الأجيال لنصل إلي هذا الانجاز التاريخي الذي أنجزه الشباب الذي تبين بالفعل بأنه هو الحل ولكننا جميعا مطالبين بمد العون له دون وصاية علي أفكاره وطموحاته فالنعمل علي  فتح الفضاءات والمنتديات والمنابر لنجذر تجربتنا الديمقراطية القائمة علي القطيعة مع الماضي الأليم تجربة تقوم علي احترام إنسانية الإنسان فعلا لا قولا .
وليدرك الجميع أن لا وطنية بدون مواطن و إن هذا الوطن يتسع للكل لجميع أبناءه ، فلتعش تونس حرة دون وصاية وليعمل الجميع علي حماية هذه الثورة ومكتسباتها ولعل أبرزها هو كسر الانفراد والاستفراد وحق حرية التعبير والتنظيم وكفالة حق الحريات لكل الفيئات والحساسيات تلك الحريات التي تطلق العرين للإبداع في مختلف المجالات الفكرية والثقافية والاقتصادية وليبقي شعارنا دائما :
 تونس حرة حرة والطغاة علي بره.                       


Monday, January 24, 2011

المبروك عبد العزيز الجربى.. شاعر من بلادى




مولده ونشأته

ولد شاعرنا المبروك عبد العزيز الجربى فى درنة سنة 1936م و عاش فى درنة و مات  و دفن فيها سنة 2007م، اما و الده عبد العزيز المبروك الجربى فعاش فى درنة و مات فيها و تزوج  من السيدة حليمة بنت على المزينى و أنجب منها ابنه الوحيد المبروك، اما جده المبروك محمد الجربى فولد و عاش و مات فى درنة و تزوج من السيدة حمالة بنت الجويفى البرعصى من البيضاء و وقد أنجبت له كلا من حسين و عبد العزيز و يوسف ، أما جد والده محمد يونس الجربى فولد و عاش و مات فى درنة و تزوج خلال حياته من السيدة محبوبة بنت الرايس على العكارى و أنجبت له كل أبنائه و هم المبروك و ابراهيم ويونس وعبدالله و محمد خالص و مصطفى ، والسيد محمد يونس الجربى هو جد عائلة الجربى فى درنة، و الجد المؤسس هو يونس بن عثمان و الذى لقب بالجربى لقدومه من جربة فى تونس فى الخمسينيات من القرن التاسع عشر ، وأما الرايس على العكارى فهو الجد المؤسس لعائلة العكارى فى درنة و صديق و رفيق يونس بن عثمان.

دراسته وعمله ورحلته

درس المبروك الجربى فى مدارس درنة ، ثم التحق بالجامعة الليبية و تخرج من قسم اللغة العربية سنة 1961 وعين فى وزارة الخارجية ، لكنه لم ينسجم مع السلك الدبلوماسى و الحياة بالخارج أو الغياب عن درنة و عن براريها ، فقرر العودة للعمل فى درنة. كان متعلقا بالطبيعة و تربية الاغنام و الابل مثل والده و اعمامه. تزوج المبروك من السيدة  ناجية بنت الصالحين بن سعود سنة 1963 م وأنجب منها كل أولاده.
عمل المبروك فى التدريس ثم فى القطاع الخاص و اشتهر بين اصحابه بالتزامه الدينى و بشعره الجميل و البليغ بالعامية و الفصحى و بحبه لبلاده وبخاصة منطقة الجبل الاخضر التى قلما ابتعد عنها ، فلقد تشرب حب حياة البادية بين النجوع من أمه و جدته لأبيه ، و يتضح هذا فى دقة وصفه لجمال الطبيعة و روعة محيطها من أزهار و طيور و أصوات بهيجة.
من خلال هذه المقدمة يتضح جليا عمق الرابط بين الشاعر و المدينة فهو لم يك عابرسبيل فيها او طالب رزق او عيش فيها ؛ بل رجلا تمتد له جذور فيها زمنا و نسبا و نضالا و حياة و عزا و اعتزازا بها. ووالده عبد العزيز الجربى كان شاعرا ايضا بالعامية ، وكان أحد أبرز شيوخ القبائل فى درنة ومن أقدرهم على مواعيد القبائل و فض النزاعات. وأثناء فترة الاحتلال الايطالى حكمت عليه ايطاليا بالاعدام و تمكن من الفرار من الإيطاليين في منطقة سرت و منها الى السودان مشيا على الاقدام بين الواحات ، ثم عاد عن طريق مصر بعد ان مكث فى السودان فترة من الزمن.

شعره

ولقد ذكرت فى مقالة سابقة بعضا من أبياته فى قصيدة أهداها إلى كل عاشق لمدينة درنة و الى أكثرهم عشقا حسب وصفه له ، وهو ابن عمته و صديقه المرحوم عبد الرازق إعمير لما يعلم من حبه لدرنة وتعلقه بها . و أنا بدورى أهدي هذه القصيدة لكل قارىء يحب الجمال وجمال الوصف فى الشعر العربى الجميل و لكل محب لمدينته؛ و قد قيل قديما :
و ما حب الديار شغفن قلبى      و لكن حب من سكنوا الديار.
في الحديث عن ربوع القوم بعدما رحلوا ، حيث قال شاعرنا المبروك  فى هذه القصيدة  و التي أسميتها " درنة في ذاكرتي"


منظر عام للمدينة 2000م

درنة فى ذاكرتى

أتنسم نفحاتك عطرا            و شفاء أترسم فيها
خطوات سنينى ماثلة           فى كل طريق فيها
حدثا و غلاما يذرعها         و ازقتها و حواريها
شجنا فى لحن عنادلها       نجما من نبت روابيها
لا يهدأ حتى يحضنها         و يغفو فى حلم مآقيها
تتحسسه تتفرسه             تتساءل إن كان شبيها
فيداعبها و يلاعبها            و يمازحها و يناجيها
تتلقفه   تترشفه                   و تطوقه بذراعيها
و يراها ليست أرصفة          صما للناس لتمشيها
أو صنما صلدا تلثمه            و فناء مواسم تحييها
و طلول رسوم باهتة         و رؤوسا قد دفنت فيها
أو أسماء لا تحضره              كل ما شاء يسميها
بل تخطر حدثا و حديثا    و صحائف عمر ترويها
شفة التاريخ فتظهرها        طورا للناس و تخفيها
و تكررها فتخلدها            ليذوق الحاضر ماضيها
عبرا و قطوفا دانية              و اباريزا و افاويها
ما زالت كل معالمها             بكرا لا شىء ينسيها
أسواط الجهل و سورته       لم تقتل طهر مرائيها
عبق التاريخ يضمخها          شفق الأفاق يحنيها
نسمات الفجر تصبحها       زفرات الورد تمسيها
يجلو الشلال مفاتنها           والبحر يمسد رجليها
عرس لا يهدأ محتدما          و عروسا تتأود تيها
دالُ  دعوات صحابتها      و دماء مصارعهم فيها
راءُ رشفات مناهلها       و روائع همس سواقيها
نونُ و نواح حمائمها         و شجى نياح بواكيها
        هاءُ  هى همى و هيامى     و هواجس كل محبيها


أما بالنسبة للشعر الشعبى ، فأهدي هذه القصيدة لمن يعرفون هذا الفن و ينسجمون معه فى قصيدة جميلة فى وصف مدينة درنة أيام زمان حيث يقول فيها:

درنة أيام زمان

زها لوريت ايام زمان؛

الخاطر متريح مطمان           الضحكة كل نهار تزيد
الكلمة حق الوطن امان       الود صحيح العيش رغيد
 زهرها زرَع فالسيسان          اليسمين مغطى الجريد
 الورد مظلل على البيبان         تقول مع التقطيع يزيد
 شجرها مشماش ورمَان    ادقول اخدود عروس جديد
عنبهاباشكال و بالوان           حدَر فى ظلال عناقيد
عسل وتطرشق فى لوبان        الفم يستبطى فى الليد
سواقيها فى كل مكان          بطالاجن من وطن بعيد
فراحا بالشلال و بان          عليهن لابس جرد جديد
عريس امهيف بين أغصان      ايهيم اويثاوب و يميد
 او نيسى يشَمس و جران       يزغرد و طيور مواعيد
 مشن منه مشية بطلان        اللى موعارف وين يريد
برم عالنسرى و الروبيان        وعالنوارعويد عويد
خذن فى واديهن الامان        أو شقنه علوه و هويد
وباتن فى جرفه و جنان     حذا نخلة فى عش جريد
رطبها كيف عليك يبان      أمغير تقول خشوم عبيد
أيسهف لو تبقى شبعان        تمنيت البطن حماميد
  صحابتا جنة رضوان            وبيحتا سبعين شهيد
    صقوره من جيش الرحمان  فزع روَح من وطن بعيد
  ابقاضيهم جوها ماهان      عليهم ما راعت من كيد
    تنابو شياب و شبان            و قالو نحنا وين انريد
    الموت ولا قولت لوكان       ودارو عالموت مواريد
      قروا فيها ختمة قرآن          و خشوا طقرور مهاويد
        إفدا عدَوا عدَة و احصان   او سيف و مصحف وأجاويد
        اوهى ادفنتم بين أجفان            أمواقيها فى كل وريد
         او تموَا تاريخ او ديوان        او خرافه و مزار و عيد

لقد حاولت فى هذه المقالة إبراز ملامح حب الوطن وروعة تصوير الجمال بأدق تفاصيلها فى شعر أخى العزيز المبروك الجربى على أمل أن نرى كل أعماله فى ديوان مطبوع باذن الله تعالى قريبا.



Sunday, January 23, 2011

شعر أبو القاسم ألشابي و دوره في ثورة الشعب في تونس

أبو القاسم الشابي


عمر حسين الخذراوي

     قبل أن أبدأ الحديث أولا أحب أن أحيي إخواننا في تونس و أن أهنيهم على نيلهم حريتهم ، وأبارك لهم ثورتهم التي أذهلت بعظمتها العالمين ، فقد بعثت في قلوبنا الأمل بعد طول انكسار امتد  عقودا منذ هزيمة يونيو1967م.
وثانيا أ قف عند شعورنا بالحزن و الألم والأسى لما عليه الحال في أوطاننا من تسلط الظلم و القهر و الإستبداد أمرا جعلني أقول غير يائس و لكن بألم :

طال انتظاري لصبح فيك يابلدي
إني أراك في ذل القيد تنتحبي
إني أراك تقاسي المر تجترعي
كأس الهوان و ترميك يد النوب
تمضي الحياة فلا تدرين و جهتها
كـــــــــــــلا فإنك بالأيام تحتجبي
غدا ستعري و ثوب الزور ينخلع
فلا ترين سوى الأشباه و الخشب

نعم في ظل هذه التحولات الحضارية في عالم يتغير بشكل سريع ، نرى بعض بلداننا تلتحف الأيام محتجبة بستار الغفلة ، فما هو إلا قليل حتى ترى نفسها عارية تماما عندما يكتشف الناس الحقيقة فيرون البون شاسعا بين ما وصل إليه العالم وبين ما هم عليه من حال . ونقول في أمثالنا الشعبية " المتغطي بالأيام عريان " و قد عرت ثورة تونس و تحولات الشعوب، وتعطشها للحرية، بلدانا كثيرة.
أما موضوع كلمتي اليوم فهو:
 تمهيد

أبو القاسم الشابي هو أبوالقاسم بن محمد الشابي و الذي و لد في يوم الأربعاء في الرابع والعشرين من شباط فبراير عام 1909م .وذلك في بلدة توزر في تونس. وكان والده من كبار علماء الزيتونة و من حملة الإجازة الأزهرية  حيث مكث للدراسة في الجامع الأزهر سبع سنين رجع بعدها إلى تونس حيث درس بجامع الزيتونة سنتين، ثم  تولى القضاء الشرعي متنقلا بين ولايات القطر التونسي.
و في بيئة يسودها العلم و الأدب و التقى و الصلاح نشأ أبوالقاسم الشابي ، و كان لذلك الأثر الكبير في تكوين شخصيته، فقد كان أبوه صادق التُقى ، قوي العقيدة يعرف عنه أنه كان لا يخشى في الحق لومة لائم، وله غيرة على شؤون المسلمين و الإسلام ، تنفعل بما يجري آنذاك من أحداث بالشرق العربي و طرابلس الغرب.  يقول الشاعر أبوالقاسم الشابي متحدثا عن أبيه في كتاب " الخيال الشعري عند العرب " في صفحة الإهداء و قد أهداه لوالده : " إنه أفهمني معاني الرحمة و الحنان ، وعلمني أن الحق خير ما في هذا العالم و أقدس ما في الوجود " .


تعليمه وأدبه

كغيره من أبناء جيله تلقى أبوالقاسم الشابي تعليمه الأول بكتّاب القرية في بلدة توزر ، ثم عندما بلغ الثانية عشرة من عمره قدم تونس للدراسة بجامع الزيتونة و كان ذلك في عام 1920 م ، و قد تكون سريعا ، وقال الشعر باكرا حيث كانت أول قصائده " ياحب عام 1923" في الخامسة عشرة من عمره . وقد كوّن لنفسه ثقافة عربية واسعة بحثة جمعت بين التراث العربي في أزهى عصوره و بين روائع الأدب الحديث بمصر و العراق و سوريا و المهجر. و لعل من الافت للنظر بالنسبة لي على الأقل أن يكون الشابي و هو الذي عاصر الإستعمار الفرنسي البغيض لا يجيد لغة المستعمر. فهو لم يكن يعرف لغة أجنبية و لم يكن ذلك لينقص من قدره بل ربما كان السبب في تميزه رغم صغر سنه في العربية و آدابها التي كأنه أُشربها برضاع منذ نعومة أظفاره. بل زاد على ذلك بأن تمكن بمطالعاته الواسعة من استيعاب ما تنشره المطابع العربية عن آداب الغرب و حضارته.  و كانت أول نشراته في الصفحة الأدبية التي كانت ترتبها  "جمعية" النهضة كل إثنين سنة 1926 . و في عام 1927  و كان عمره ثمانية عشرة عاما ظهر شعره مجموعا في المجلد الأول من كتاب " الأدب التونسي في القرن الرابع عشر" و هو تأليف الأستاذ زين العابدين السنوسي.  و في نفس السنة ألقى بنادي قدماء الصادقية محاضرة حول " الخيال الشعري عند العرب" كانت مادة الكتاب الذي نُشر بنفس الإسم في السنة التالية. و كان الشاعر من تتبع كلماته و أشعاره يحمل بين جنبيه نفسا ثائرة تكره الظلم و تأنف من القديم الدخيل الذي أساء لسماحة الإسلام وتعاليمه، من أعراف وتقاليد بالية ما أنزل الله بها من سلطان ، فتجده  و هو يواصل دراسته و يضع شعره في صميم حركات الإصلاح التي كانت تعتلج بها النفوس آنذاك من بعث لحركة الشبان المسلمين و دعوة لتجديد الجهاز الثقافي التقليدي، والدعوة للتجديد في الأدب تحتل المكان الأول في نفسه وقد أحدث كتابه "الخيال الشعري " ضجة كبيرة في الأوساط الأدبية آنذاك، و قد تعرض بسبب آرائه وجرئته ، في الثورة على المألوف من الآراء والأفكار لحملة صحفية عنيفة ثبت لها ثبات المؤمن بما يقول وقد كانت آرائه تنشر في حياة والده ، فلم يُنكر عليه مذهبه ،وهوالعالم المتمكن في الشريعة وعلومها، ووجد الشاعرفي تسامح أبيه ما يُعزز جانبه ويُثب خطاه.

مرضه ووفاته

في عام 1929 م أُصيب الشاعر بداء تضخم القلب ، و هو في الثانية و العشرين من عمره ، و رغم نهي الطبيب له لم يُقلع عن عمله الفكري وواصل إنتاجه نترا و شعرا. و قد نشرت له سنة 1933 م بمجلة "أبولو" المصرية قصائد عملت على التعريف به في الأوساط الأدبية بالشرق العربي. و في أثناء مرضه في صيف 1934 م جمع ديوانه " أغاني الحياة " بنية طبعه فاستنسخه بنفسه ، فباغتته المنية وحالت دون مانوى. فقد انتابه المرض بغاية الشدة فتوفته المنية فجر يوم 9 أكتوبر من عام 1934 . و نقٌل جثمانه و دفن في مسقط راسه "توزر" رحم الله الشاعر رحمة واسعة .

دوره الشعري في تحريض الشعب على الثورة

عبر الشابي بشعره الوطني عن مشاعره الصادقة و أحاسيسه تجاه وطنه ، وصور قسوة المستعمر بكلمات تُحرض على الثورة و تستنهض الهمم.
فاللوطن أيها الأخوة ، في نفوس أبنائه من المعاني و الوشائج ما يجعله دائما متوهجا في القلب ، ولذلك نجد من الشعراء الوطنيين من يصوغ ذلك شعرا و مشاعر و قد حفلت الأمة العربية بالكثير من هذا الصنف من الادباء و الشعراء الذين أقرضوا الشعر مشاعل يُستضاء بنورها. و لعل من أبرز هؤلاء أبو القاسم الشابي في تونس كما كان في مصر أحمد شوقي أمير الشعراء، وفي فلسطين هارون هاشم رشيد وسميح قاسم ومحمود درويش. وفي ليبيا برز شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي.
 و إن الباحث في شعر الشابي و هو موضع حديثنا، يرى بوضوح كيف تتجلى الملكة الشعرية التي عبر بها الشابي عن حبه لوطنه تونس وتعلقه به تعلق الحبيب بحبيبه، فإذا بالعلاقة بينهما علاقة عشق وهيام يتجاوز حدود الاعتراف بالوجود فيه إلى الوجد به ، فكانت تونس ليست وطنا يعيش عليه  بل وطنا يعيش في قلبه فيقول شاعرنا في قصيدته الشهيرة "تونس الجميلة":
لست أبكي لعسف ليل طويل **** أو لربع غدا العفآءُ مراحه
إنما عبرتي لخطــــب ثقيــل **** قد عرانا و لم نجد من أزاحه
كلما قام في البلاد خطــــيب **** موقظ شعبه يُريد صلاحه
أخمدوا صوته الإلهي بالعسف*** أماتوا صداحه و نواحه
إلى ان يقول :
أنا يا تونس الجميلة  في لج **** ج الهوى قد سبحت أيّ سباحه
شرعتي حبك العميق وإنــي **** قد تذوقت مره وقـــــــراحــه
لا أبالي .. وأن أريقت دمائي **** فدماء العشاق دوما مُباحة
و بطول المدى تُريك الليالي**** صادق الحب و الولا و سجاحه
إن ذا عصرُ ظلمة غير اني **** من وراء الظلام شمت صباحه
ضيع الدهر مجد شعبي ولكن **** سترد الحياة يوما وشاحه

      فنجد في ثنايا هذه الكلمات عالم مثالي عاطفي ملء عشقا و مشاعر و أحاسيس راقية هي بالفعل التي جعلت من الشابي يتبوؤ مكانة خاصة في مدونة الشعر العربي المعاصروجعلت من كلماته  أغاني و أناشيد يرددها الأحرار جيلا بعد جيل.
فهي كلمات تعبر عن عشق قائم بين الشاعر و هذا الوطن. عشق يخرج من دائرة العشق السادج ليرتقي إلى مرتبة الإستعداد للتضحية بالدماء و النفس في سبيله . و هذه مرتبة لا يظفر بها إلا العشاق الصادقون. ولا أكون مبالغا إذ أقول إن أبا القاسم الشابي من هؤلاء ، إذ استعار في شعره صورة العاشق العذري الذي يتلف روحه في سبيل حبيبه و ذلك في قوله:

لا أبالي .. وأن أريقت دمائي                  فدماء العشاق دوما مُباحة

و إني لأجد هذا النوع من الوجد و الحب بين الشاعر و بين الوطن باديا كذلك في شاعر الوطن بلبل ليبيا في عصره أحمد رفيق المهدوي في قصيدته التي يقول في مطلعها:

رحيلي عنك عزّ علي جدا **** وداعا ايها الوطن المفدي
وداع مفارق بالرغم شاءت**** له الأقدار نيل العبش كدا
و خير من رفاه العيش كد  **** إذ ما عشت حرا مُستبدا

 وعود على بدء ، أقول إن أبا القاسم الشابي كان من الشعراء الوطنيين الذين لم يكتفوا فقط بتصوير الواقع و التعبير عن حب الوطن بل تعداه لينبري بنفسه للدفاع عن العرض و التحريض على الثورة ضد المستعمر و الجلاد. فلم يكن ذا روح سلبية تتمثل فيها قوله تعالى : ( و الشعراء يتبعهم الغاوون . ألم تر أنهم في كل واد يهيمون . و أنهم يقولون ما لا يفعلون). الشعراء الآية .... بل كان متصدرا الصفوف الأولى  محرضا على الثورة بالقلم  وهو واع تماما بخطورة هذه المهمة في عصر يؤثر فيه كثير من الشعراء أن يداهنوا وينافقوا و لا يقولون الشعر إلا في المدائح أو على غرار:

من إلى في ربما ** قد عسى لا إنما
 هكذا سلّمك الله ** قل الشعر لتبقى سالما
هكذا لن تشهق الأرض ** ولن تهوي السما
 هكذا وضح معانيك** دواليك دواليك
لكي يُعطيــــــــــــــــــــــك ** واليك فما

فكان الشابي محرضا على الثورة ، متغنيا بضرورة التسلح بالإرادة و العزيمة ، والتحلي بروح الفعل لا الإنفعال ، إذ لا يستجيب القدر إلا لمن تحلى بحب الكرامة و العزة وشهامة النفس ، لا ذلك المتخاذل و المتكاسل عن نصرة بلاده و نفسه وفي ذلك يقول الشابي في القصيدة التي بعنوان " يا ابن أمي "  و التي مطلعها :

خُلقت طليقا كطيف النسيم *** وحرا كنور الضحى في ضياه
تُغرد كالطير أين اندفعت *** و تشدو بما شاء و حي الإله
و تمرح بين ورود الصباح *** وتنعم بالنور أنى تراه
و تمشي كما شئت بين المروج *** و تقطف ورد الربى في رُباه
كذا صاغك الله يا ابن الوجود *** و ألقتك في الكون هذي الحياة
إلى أن يقول:
ألا انهض وسر في سبيل الحياة ****فمن نام لم تنتظره الحياة
و يقول في قصيدته "إرادة الحياة":
إذا الشعب يوما أراد الحياة *** فلابد أن يستجيب القدر
 ولا بد لليل أن ينجلي ****ولابد للقيد أن ينكسر
إلى آخر القصيدة.
 ولقد رأينا الناس في تونس في هذه الأيام على شاشات التلفاز يرددونها في ثورتهم ضد الطغيان فرأينا الشيخ الكبير مع المرأة العجوز جنبا إلى جنب مع أبنائهم و بناتهم يتغنون بهذا النشيد العذب الذي يبعت الهمة في النفوس فيجعلها تٌقبل دون تردد على المواجهة و الرصاص ، في ملحمة عز نظيرها  و لسان حالهم يقول كما قال أحد الشعراء:

تقدموا ...تقدموا
يموت منا الشيخ و الطفل
ولا يستسلم ....
و تسقط الأم على أبنائها ..
ولا تستسلم ...
تقدموا بناقلات جندكم ...
و راجمات حقدكم.
وهددوا .....
و شردوا .....
و يتموا ........
لن تكسروا أعماقنا ......
لن تهزموا أشواقنا ..........
نحن قضاء مبرم.......

فقصيدة إرادة الحياة للشابي هي قصيدة الإنتفاضة التونسية حقا ، أخذت إيقاع الشارع ، وإيقاع المظاهرة ، و رائحة الغاز المدّمع الذي يختلج الصدور . فكانت تلك الكلمات تبعث الأمل و تقتل اليأس في النفوس رغم مرور ستة و سبعين عاما على قائلها فها هي تبعث و تعود من جديد فتشهد حياة شعب و انبعاث أمة تشهد تحولا سيفرض نفسه يوما على الواقع لا محالة... و إن طال زمن الإنتظار ... و إن رآه البعض بعيدا فإنا نراه قريبا ... نكاد نلمسه يشق الظلام... يأتي مغيرا ملامح الحياة الكئيبة .. مبشرا بنهار يوم جميل مشرق... إنها حتمية انتصار الإستضعاف الذي سينهي عصر الطواغيت.  ستة و سبعون عاما مضت على وفاة شاعرنا و بالرغم من ذلك . ظل أبولقاسم الشابي عنوان حرية الشعب التونسي و نشيد ثورته فكانت كلماته عرائس من نور دبت فيها الروح من جديد وسرت فيها الحياة .  وتحية لمن يصنعون الفجر ....