Sunday, January 23, 2011

شعر أبو القاسم ألشابي و دوره في ثورة الشعب في تونس

أبو القاسم الشابي


عمر حسين الخذراوي

     قبل أن أبدأ الحديث أولا أحب أن أحيي إخواننا في تونس و أن أهنيهم على نيلهم حريتهم ، وأبارك لهم ثورتهم التي أذهلت بعظمتها العالمين ، فقد بعثت في قلوبنا الأمل بعد طول انكسار امتد  عقودا منذ هزيمة يونيو1967م.
وثانيا أ قف عند شعورنا بالحزن و الألم والأسى لما عليه الحال في أوطاننا من تسلط الظلم و القهر و الإستبداد أمرا جعلني أقول غير يائس و لكن بألم :

طال انتظاري لصبح فيك يابلدي
إني أراك في ذل القيد تنتحبي
إني أراك تقاسي المر تجترعي
كأس الهوان و ترميك يد النوب
تمضي الحياة فلا تدرين و جهتها
كـــــــــــــلا فإنك بالأيام تحتجبي
غدا ستعري و ثوب الزور ينخلع
فلا ترين سوى الأشباه و الخشب

نعم في ظل هذه التحولات الحضارية في عالم يتغير بشكل سريع ، نرى بعض بلداننا تلتحف الأيام محتجبة بستار الغفلة ، فما هو إلا قليل حتى ترى نفسها عارية تماما عندما يكتشف الناس الحقيقة فيرون البون شاسعا بين ما وصل إليه العالم وبين ما هم عليه من حال . ونقول في أمثالنا الشعبية " المتغطي بالأيام عريان " و قد عرت ثورة تونس و تحولات الشعوب، وتعطشها للحرية، بلدانا كثيرة.
أما موضوع كلمتي اليوم فهو:
 تمهيد

أبو القاسم الشابي هو أبوالقاسم بن محمد الشابي و الذي و لد في يوم الأربعاء في الرابع والعشرين من شباط فبراير عام 1909م .وذلك في بلدة توزر في تونس. وكان والده من كبار علماء الزيتونة و من حملة الإجازة الأزهرية  حيث مكث للدراسة في الجامع الأزهر سبع سنين رجع بعدها إلى تونس حيث درس بجامع الزيتونة سنتين، ثم  تولى القضاء الشرعي متنقلا بين ولايات القطر التونسي.
و في بيئة يسودها العلم و الأدب و التقى و الصلاح نشأ أبوالقاسم الشابي ، و كان لذلك الأثر الكبير في تكوين شخصيته، فقد كان أبوه صادق التُقى ، قوي العقيدة يعرف عنه أنه كان لا يخشى في الحق لومة لائم، وله غيرة على شؤون المسلمين و الإسلام ، تنفعل بما يجري آنذاك من أحداث بالشرق العربي و طرابلس الغرب.  يقول الشاعر أبوالقاسم الشابي متحدثا عن أبيه في كتاب " الخيال الشعري عند العرب " في صفحة الإهداء و قد أهداه لوالده : " إنه أفهمني معاني الرحمة و الحنان ، وعلمني أن الحق خير ما في هذا العالم و أقدس ما في الوجود " .


تعليمه وأدبه

كغيره من أبناء جيله تلقى أبوالقاسم الشابي تعليمه الأول بكتّاب القرية في بلدة توزر ، ثم عندما بلغ الثانية عشرة من عمره قدم تونس للدراسة بجامع الزيتونة و كان ذلك في عام 1920 م ، و قد تكون سريعا ، وقال الشعر باكرا حيث كانت أول قصائده " ياحب عام 1923" في الخامسة عشرة من عمره . وقد كوّن لنفسه ثقافة عربية واسعة بحثة جمعت بين التراث العربي في أزهى عصوره و بين روائع الأدب الحديث بمصر و العراق و سوريا و المهجر. و لعل من الافت للنظر بالنسبة لي على الأقل أن يكون الشابي و هو الذي عاصر الإستعمار الفرنسي البغيض لا يجيد لغة المستعمر. فهو لم يكن يعرف لغة أجنبية و لم يكن ذلك لينقص من قدره بل ربما كان السبب في تميزه رغم صغر سنه في العربية و آدابها التي كأنه أُشربها برضاع منذ نعومة أظفاره. بل زاد على ذلك بأن تمكن بمطالعاته الواسعة من استيعاب ما تنشره المطابع العربية عن آداب الغرب و حضارته.  و كانت أول نشراته في الصفحة الأدبية التي كانت ترتبها  "جمعية" النهضة كل إثنين سنة 1926 . و في عام 1927  و كان عمره ثمانية عشرة عاما ظهر شعره مجموعا في المجلد الأول من كتاب " الأدب التونسي في القرن الرابع عشر" و هو تأليف الأستاذ زين العابدين السنوسي.  و في نفس السنة ألقى بنادي قدماء الصادقية محاضرة حول " الخيال الشعري عند العرب" كانت مادة الكتاب الذي نُشر بنفس الإسم في السنة التالية. و كان الشاعر من تتبع كلماته و أشعاره يحمل بين جنبيه نفسا ثائرة تكره الظلم و تأنف من القديم الدخيل الذي أساء لسماحة الإسلام وتعاليمه، من أعراف وتقاليد بالية ما أنزل الله بها من سلطان ، فتجده  و هو يواصل دراسته و يضع شعره في صميم حركات الإصلاح التي كانت تعتلج بها النفوس آنذاك من بعث لحركة الشبان المسلمين و دعوة لتجديد الجهاز الثقافي التقليدي، والدعوة للتجديد في الأدب تحتل المكان الأول في نفسه وقد أحدث كتابه "الخيال الشعري " ضجة كبيرة في الأوساط الأدبية آنذاك، و قد تعرض بسبب آرائه وجرئته ، في الثورة على المألوف من الآراء والأفكار لحملة صحفية عنيفة ثبت لها ثبات المؤمن بما يقول وقد كانت آرائه تنشر في حياة والده ، فلم يُنكر عليه مذهبه ،وهوالعالم المتمكن في الشريعة وعلومها، ووجد الشاعرفي تسامح أبيه ما يُعزز جانبه ويُثب خطاه.

مرضه ووفاته

في عام 1929 م أُصيب الشاعر بداء تضخم القلب ، و هو في الثانية و العشرين من عمره ، و رغم نهي الطبيب له لم يُقلع عن عمله الفكري وواصل إنتاجه نترا و شعرا. و قد نشرت له سنة 1933 م بمجلة "أبولو" المصرية قصائد عملت على التعريف به في الأوساط الأدبية بالشرق العربي. و في أثناء مرضه في صيف 1934 م جمع ديوانه " أغاني الحياة " بنية طبعه فاستنسخه بنفسه ، فباغتته المنية وحالت دون مانوى. فقد انتابه المرض بغاية الشدة فتوفته المنية فجر يوم 9 أكتوبر من عام 1934 . و نقٌل جثمانه و دفن في مسقط راسه "توزر" رحم الله الشاعر رحمة واسعة .

دوره الشعري في تحريض الشعب على الثورة

عبر الشابي بشعره الوطني عن مشاعره الصادقة و أحاسيسه تجاه وطنه ، وصور قسوة المستعمر بكلمات تُحرض على الثورة و تستنهض الهمم.
فاللوطن أيها الأخوة ، في نفوس أبنائه من المعاني و الوشائج ما يجعله دائما متوهجا في القلب ، ولذلك نجد من الشعراء الوطنيين من يصوغ ذلك شعرا و مشاعر و قد حفلت الأمة العربية بالكثير من هذا الصنف من الادباء و الشعراء الذين أقرضوا الشعر مشاعل يُستضاء بنورها. و لعل من أبرز هؤلاء أبو القاسم الشابي في تونس كما كان في مصر أحمد شوقي أمير الشعراء، وفي فلسطين هارون هاشم رشيد وسميح قاسم ومحمود درويش. وفي ليبيا برز شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي.
 و إن الباحث في شعر الشابي و هو موضع حديثنا، يرى بوضوح كيف تتجلى الملكة الشعرية التي عبر بها الشابي عن حبه لوطنه تونس وتعلقه به تعلق الحبيب بحبيبه، فإذا بالعلاقة بينهما علاقة عشق وهيام يتجاوز حدود الاعتراف بالوجود فيه إلى الوجد به ، فكانت تونس ليست وطنا يعيش عليه  بل وطنا يعيش في قلبه فيقول شاعرنا في قصيدته الشهيرة "تونس الجميلة":
لست أبكي لعسف ليل طويل **** أو لربع غدا العفآءُ مراحه
إنما عبرتي لخطــــب ثقيــل **** قد عرانا و لم نجد من أزاحه
كلما قام في البلاد خطــــيب **** موقظ شعبه يُريد صلاحه
أخمدوا صوته الإلهي بالعسف*** أماتوا صداحه و نواحه
إلى ان يقول :
أنا يا تونس الجميلة  في لج **** ج الهوى قد سبحت أيّ سباحه
شرعتي حبك العميق وإنــي **** قد تذوقت مره وقـــــــراحــه
لا أبالي .. وأن أريقت دمائي **** فدماء العشاق دوما مُباحة
و بطول المدى تُريك الليالي**** صادق الحب و الولا و سجاحه
إن ذا عصرُ ظلمة غير اني **** من وراء الظلام شمت صباحه
ضيع الدهر مجد شعبي ولكن **** سترد الحياة يوما وشاحه

      فنجد في ثنايا هذه الكلمات عالم مثالي عاطفي ملء عشقا و مشاعر و أحاسيس راقية هي بالفعل التي جعلت من الشابي يتبوؤ مكانة خاصة في مدونة الشعر العربي المعاصروجعلت من كلماته  أغاني و أناشيد يرددها الأحرار جيلا بعد جيل.
فهي كلمات تعبر عن عشق قائم بين الشاعر و هذا الوطن. عشق يخرج من دائرة العشق السادج ليرتقي إلى مرتبة الإستعداد للتضحية بالدماء و النفس في سبيله . و هذه مرتبة لا يظفر بها إلا العشاق الصادقون. ولا أكون مبالغا إذ أقول إن أبا القاسم الشابي من هؤلاء ، إذ استعار في شعره صورة العاشق العذري الذي يتلف روحه في سبيل حبيبه و ذلك في قوله:

لا أبالي .. وأن أريقت دمائي                  فدماء العشاق دوما مُباحة

و إني لأجد هذا النوع من الوجد و الحب بين الشاعر و بين الوطن باديا كذلك في شاعر الوطن بلبل ليبيا في عصره أحمد رفيق المهدوي في قصيدته التي يقول في مطلعها:

رحيلي عنك عزّ علي جدا **** وداعا ايها الوطن المفدي
وداع مفارق بالرغم شاءت**** له الأقدار نيل العبش كدا
و خير من رفاه العيش كد  **** إذ ما عشت حرا مُستبدا

 وعود على بدء ، أقول إن أبا القاسم الشابي كان من الشعراء الوطنيين الذين لم يكتفوا فقط بتصوير الواقع و التعبير عن حب الوطن بل تعداه لينبري بنفسه للدفاع عن العرض و التحريض على الثورة ضد المستعمر و الجلاد. فلم يكن ذا روح سلبية تتمثل فيها قوله تعالى : ( و الشعراء يتبعهم الغاوون . ألم تر أنهم في كل واد يهيمون . و أنهم يقولون ما لا يفعلون). الشعراء الآية .... بل كان متصدرا الصفوف الأولى  محرضا على الثورة بالقلم  وهو واع تماما بخطورة هذه المهمة في عصر يؤثر فيه كثير من الشعراء أن يداهنوا وينافقوا و لا يقولون الشعر إلا في المدائح أو على غرار:

من إلى في ربما ** قد عسى لا إنما
 هكذا سلّمك الله ** قل الشعر لتبقى سالما
هكذا لن تشهق الأرض ** ولن تهوي السما
 هكذا وضح معانيك** دواليك دواليك
لكي يُعطيــــــــــــــــــــــك ** واليك فما

فكان الشابي محرضا على الثورة ، متغنيا بضرورة التسلح بالإرادة و العزيمة ، والتحلي بروح الفعل لا الإنفعال ، إذ لا يستجيب القدر إلا لمن تحلى بحب الكرامة و العزة وشهامة النفس ، لا ذلك المتخاذل و المتكاسل عن نصرة بلاده و نفسه وفي ذلك يقول الشابي في القصيدة التي بعنوان " يا ابن أمي "  و التي مطلعها :

خُلقت طليقا كطيف النسيم *** وحرا كنور الضحى في ضياه
تُغرد كالطير أين اندفعت *** و تشدو بما شاء و حي الإله
و تمرح بين ورود الصباح *** وتنعم بالنور أنى تراه
و تمشي كما شئت بين المروج *** و تقطف ورد الربى في رُباه
كذا صاغك الله يا ابن الوجود *** و ألقتك في الكون هذي الحياة
إلى أن يقول:
ألا انهض وسر في سبيل الحياة ****فمن نام لم تنتظره الحياة
و يقول في قصيدته "إرادة الحياة":
إذا الشعب يوما أراد الحياة *** فلابد أن يستجيب القدر
 ولا بد لليل أن ينجلي ****ولابد للقيد أن ينكسر
إلى آخر القصيدة.
 ولقد رأينا الناس في تونس في هذه الأيام على شاشات التلفاز يرددونها في ثورتهم ضد الطغيان فرأينا الشيخ الكبير مع المرأة العجوز جنبا إلى جنب مع أبنائهم و بناتهم يتغنون بهذا النشيد العذب الذي يبعت الهمة في النفوس فيجعلها تٌقبل دون تردد على المواجهة و الرصاص ، في ملحمة عز نظيرها  و لسان حالهم يقول كما قال أحد الشعراء:

تقدموا ...تقدموا
يموت منا الشيخ و الطفل
ولا يستسلم ....
و تسقط الأم على أبنائها ..
ولا تستسلم ...
تقدموا بناقلات جندكم ...
و راجمات حقدكم.
وهددوا .....
و شردوا .....
و يتموا ........
لن تكسروا أعماقنا ......
لن تهزموا أشواقنا ..........
نحن قضاء مبرم.......

فقصيدة إرادة الحياة للشابي هي قصيدة الإنتفاضة التونسية حقا ، أخذت إيقاع الشارع ، وإيقاع المظاهرة ، و رائحة الغاز المدّمع الذي يختلج الصدور . فكانت تلك الكلمات تبعث الأمل و تقتل اليأس في النفوس رغم مرور ستة و سبعين عاما على قائلها فها هي تبعث و تعود من جديد فتشهد حياة شعب و انبعاث أمة تشهد تحولا سيفرض نفسه يوما على الواقع لا محالة... و إن طال زمن الإنتظار ... و إن رآه البعض بعيدا فإنا نراه قريبا ... نكاد نلمسه يشق الظلام... يأتي مغيرا ملامح الحياة الكئيبة .. مبشرا بنهار يوم جميل مشرق... إنها حتمية انتصار الإستضعاف الذي سينهي عصر الطواغيت.  ستة و سبعون عاما مضت على وفاة شاعرنا و بالرغم من ذلك . ظل أبولقاسم الشابي عنوان حرية الشعب التونسي و نشيد ثورته فكانت كلماته عرائس من نور دبت فيها الروح من جديد وسرت فيها الحياة .  وتحية لمن يصنعون الفجر ....







1 comment: