Showing posts with label سير اعلام. Show all posts
Showing posts with label سير اعلام. Show all posts

Tuesday, November 22, 2011

د فتحي رجب العكاري- سيرة ذاتية

بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة ذاتية مختصرة
 الاسم : فتحي رجب العكاري
تاريخ الميلاد:  1950م
مكان الميلاد: درنة
المهنة: أستاذ جامعي و باحث و مستشار غير متفرغ.
الدور الوطني: كاتب و محلل سياسي و معارض للتخلف و مدون في"باقات ليبية"
التخصص العام:
 هندسة كهربائية و الكترونية. في مجال الكهروبصريات و الالكترونيات الدقيقة.
المؤهلات العلمية:
بكالوريوس بدرجة الشرف في هندسة الاتصالات من الجامعة الليبية يونيو 1973م.
ماجستير في الهندسة الالكترونية من جامعة كارنيقي ميلون بأمريكا يونيو 1976م.
دكتوراه في الهندسة الالكترونية من جامعة كارنيقي ميلون بأمريكا أغسطس 1980م.
دورات تدريبية
شارك في دورة مكثفة في علم الإدارة مع المعهد الأوربي للإدارة لمدة ثلاثة أسابيع بلندن 1984م.
شارك في العديد من الدورات في إدارة المؤسسات التعليمية لتدريب الأساتذة بأيرلندة.
شارك في عدد من الدورات القصيرة في إدارة البحوث و الدراسات العليا و تطوير المناهج على مستوى الاتحاد الأوربي باستخدام التقنيات الحديثة.
السيرة الوظيفية الأكاديمية:
معيد بكلية الهندسة بالجامعة الليبية طرابلس سبتمبر 1973م
مبعوث للدراسات العليا بأمريكا من يونيو 1974 إلى أغسطس 1980م.
محاضرا بكلية الهندسة بجامعة الفاتح أغسطس 1980م
تدرج بالكلية إلى درجة أستاذ مشارك في 1986م إلى ديسمبر 1991م
 أستاذ و باحث بعدد من الجامعات الأيرلندية من يناير 1992م إلى تاريخه.
أستاذ زائر بجامعة نانجين بالصين الشعبية لمناهج مكثفة لمدة شهر في الالكترونيات الدقيقة،  أربعة 
مرات من 2009م إلى 2011م.

مهام أكاديمية

عضو مجلس كلية الهندسة بجامعة طرابلس سبتمبر 1973 – يونيو 1974م.
عضو مجلس جامعة طرابلس من سبتمبر 1973م – يونيو 1974م.
أمين الشؤون العلمية بكلية الهندسة و عضو اللجنة الشعبية بالكلية 1984-1985م
عضو لجنة الشؤون العلمية بجامعة الفاتح 1984- 1985م.
عضو اللجنة العلمية لتنظيم أمانة البحث العلمي 1985م.
مؤسس كلية الهندسة العسكرية بطرابلس و أمين الشؤون العلمية بها 1985-1986م
أستاذ غير متفرغ بكلية الهندسة العسكرية 1986- 1991م.
أمين قسم الهندسة الكهربائية و الالكترونية بكلية الهندسة طرابلس 1986-1987م.
مهام استشارية
كل المهام المذكورة كانت من خلال كلية الهندسة و بموافقتها و هي:
مستشار غير متفرغ بأمانة الطاقة الذرية 1981-1982م
مستشار غير متفرغ بأمانة التربية و التعليم 1981-1983
مستشار غير متفرغ بالمؤسسة الوطنية للنفط بمشروعات الغاز 1982-1985م
مستشار غير متفرغ بالتصنيع الحربي إدارة البحث و التطوير 1982- 1985م
مستشار غير متفرغ بأمانة الصناعة- الصناعات الالكترونية 1986-1991م
مشاركات علمية
شارك في العديد من المؤتمرات العالمية و له عدد طيب من البحوث المنشورة في مجلات علمية مرموقة، كما شارك في اللجان العلمية لعدد من المؤتمرات الدولية في ليبيا. و ساهم في تقييم العديد من البحوث العلمية.
شارك في وضع المناهج العلمية لكلية الهندسة العسكرية و تطويرها.
شارك في تقييم مناهج عدد من المعاهد الليبية و الأيرلندية و ساهم في تطويرها.
شارك في لجان تقييم الإنتاج العلمي لعدد من الأساتذة في ليبيا و أيرلندة.
له عدة مقالات و دراسات في مجال تطوير التعليم العام والتعليم العالي.

السجل الوطني

لم أكن من مؤيدي انقلاب 1969م من أول يوم، و تم تهديدي بالسجن ليلة إعلان أول حكومة بعد الانقلاب في سبتمبر 69 و التي رأيت فيها جذور الانقسام داخل القيادة.
تم اتهامي ليلة خطاب زوارة بأني رجعي و كدت أن انتهي في السجن مع زملائي و منهم الشهيد مهذب حفاف.
لم أحضر أي اجتماع للإتحاد الاشتراكي مطلقا.
لم أحضر أي جلسة للمؤتمرات الشعبية و ليس لي بطاقة عضوية.
لم أشترك في اللجان الثورية و لم أدخل مقرا لهذه الحركة بفضل الله.
تم تهديدي عدة مرات خلال كل الأحداث التي مرت بها طرابلس و يكفي أن 35 سجين في أبي سليم كانوا معي في بتسبرق و هم أصدقائي و على رأسهم المرحوم د عبد المنعم النجار و الشهيد فرحات حلب و المرحوم د ونيس الشاعري الذين سجنوا بعد أحداث 1984م.
خرجت من ليبيا مضطرا و بقيت بالخارج و امتنعت سلطات المكتب في لندن عن تجديد جواز سفري و وضع اسمي في القوائم في المطارات الليبية و العربية القريبة من ليبيا.

عام 2005م دخلت بموافقة خاصة من آمر جهاز السيطرة و كنت مترددا في العودة بالكامل لأني لا 
أثق بهم، و لكنني كنت أتردد على ليبيا من أجل التواصل مع الداخل و هذا جلي في كتاباتي.

Saturday, October 8, 2011

رحلة الشيخ يونس الزلاوي بين المحن و المنح


من حكم القدر ان يمر المرء في حياته بين محطات من المحن و المنح و لكن  المنحة الكبرى تكون في الاعتبار، و ما أحوج الداعية للعبرة و الاعتبار فعندها يزداد قلبه تعلقا بالله و تثري تجاربه علمه و ينطق لسانه عما في قلبه و بالتالي ينفذ خطابه إلى قلوب سامعيه.
 وقد مر الشيخ الدكتور يونس محمد صالح الزلاوي بعدد من المحن و المنح التي ساهمت في رسم معالم شخصيته و أسهمت في تطوير قدراته.

نشأته
ولد يونس الزلاوي في قرية زله سنة 1967م و بعد أيام من ميلاده انتقل مع أسرته إلى مدينة بنغازي. دخل يونس المدارس في السادسة من عمره و مع وصوله للمرحلة الإعدادية سنة 1980م زاد تعلق قلبه بالمساجد من خلال المداومة على الصلاة في المسجد و الانخراط في حلق تحفيظ القرآن على يد الشيخ رائد الشريدي. وفي نفس تلك الفترة كان له نشاط رياضي متميز حيث زاول لعبة الكرة الطائرة ولعب لنادي الأهلي و المنتخب الوطني. و مع مرور الوقت في سنة 1984م مال إلى حفظ القرآن و المساجد على حساب الرياضة فبدأت مشاكله مع إدارة نادي الأهلي حيث كان المدعو الطيب الصافي بينهم فبدأت مضايقة يونس أمنيا لعله يترك المساجد و يعود للملاعب. و مع زيادة الملاحقة اضطر يونس للذهاب للعيش في اجدابيا فرارا من الملاحقة خاصة بعد أحداث محمد الفقي و مقتل المجرم أحمد مصباح الورفلي في بنغازي سنة 1988م حين اشتدت مطاردة الشباب الملتزم في بنغازي.

رحلته في طلب العلم
 اختفى يونس عن الأنظار في اجدابيا لمدة ثمانية أشهر إلى أن قيض الله له القبول للدراسة في السعودية حيث سافر للسعودية في شهر أغسطس سنة 1988م و التحق بالدراسة في جامعة المدينة المنورة و درس بها و تخرج منها في سنة 1993م. و كانت هذه المرحلة مرحلة تأسيس للشيخ يونس على طريق الدعوة إلى الله.
 و المحنة هنا تكمن في المتابعة الأمنية لشاب في مقتبل العمر مما اضطره للاغتراب عن بلده، و أما المنحة  فتكمن في أن الله مهد له طريقا من مساجد ليبيا إلى المسجد النبوي و حلق العلم و أعمال الحج و العمرة و عمارة المساجد الحرم و عمارة القلوب.
بعد تخرجه من جامعة المدينة المنورة لم يكن لديه خيار في العودة إلى ليبيا فذهب إلى السودان لدراسة الماجستير بجامعة أم درمان مع بداية 1994م، حيث تحصل على الماجستير في سنة 1998م و تقدم لنيل درجة الدكتوراه لكن السلطات السودانية طلبت منه مغادرة السودان خوفا على سلامته بعد آن بدأت السلطات الليبية الأمنية في ملاحقة الشباب الليبي في السودان. وهنا بدأت محنة أخرى للبحث عن موطن حياة آمن له و لأسرته الصغير المكونة من زوجته و أطفاله، و تأتي المنحة من الله أن سهل له اللجوء إلى جمهورية أيرلندة و زاده فضلا أن جعله داعية بين المسلمين فيها و تميز بحلاوة التلاوة و صدق العبارة و سلاسة الطبع و الطبيعة فنال القبول في قلوب المصلين وهذه هي المنحة الكبرى.
صلاة العيد بمسجد تالة بدبلن

واصل دراسته العليا و نال درجة الدكتوراه واستمر في العمل في المساجد و مدارس تحفيظ القرآن في ايرلندة كما ساهم في عدد من مساجد أوربا بالدعوة إلى الله و خاصة في مواسم الخير في شهر رمضان إلى أن فتح الله له طريقا إلى ليبيا بعد فترة الانفتاح في السنوات الأخيرة. و كان في تلك الفترة كحال جميع الليبيين شديد الشوق إلى بلده و أهله و ينتظر الفرصة للعودة إليهم، فهو كان يعتقد أن مكانه الصحيح في ليبيا و ليس خارجها  و القاعدة الشرعية تقول: الأقربون أولى بالمعروف، و خيركم خيركم لأهله.

العودة إلى الوطن
عاد الشيخ يونس إلى ليبيا في سنة 2009م و استقر في بنغازي حيث تعاون مع جامعة قار يونس في كليتي الآداب و التربية و كلية الفكر الإسلامي و ساهم في النشاط الدعوي في المساجد بدروس دورية يومي الثلاثاء و الخميس في أصول الفقه و فقه لبيوع للتجار في بنغازي بجامع الشهداء. و استمر في هذا حتى قيام ثورة 17 فبراير حيث كان له دور مع المجلس المحلي في بنغازي لتنظيم جهود التجار في دعم الثورة بتزويد الأسواق بما يحتاجه الناس. ثم رأى أن دوره الصحيح في الدعوة في المساجد فتعاون مع إدارة الأوقاف في هذه الفترة في تنظيم شؤون الدعوة و دعم الثورة من خلال الدعوة للمشاركة في الجهاد و ضرورة احترام حقوق الآخرين في ظل غياب القانون و غياب رجال الأمن من الشوارع.

المحنة الكبرى و المنحة الأكبر
بدأت محنة الشيخ يونس الكبرى عند ما وقع في اسر كتائب الطاغية ألقذافي صباح يوم 17 مارس 2011م عند ما كان عائدا من اجدابيا بعد رحلة إلى اجدابيا للدعوة و الاجتماع ببعض أئمة المساجد، فهو لم يكن مقاتلا و إنما عائدا إلى بنغازي بعد صلاة الصبح مع بعض من أفراد أسرته. استوقفتهم سيارة تابعة للكتائب و طلبت منهم التوقف وكان معهم أحد الشباب فأراد الجنود أخذه ثم تطور الأمر إلى اعتقال الشيخ يونس عند ما عرفوا أنه أستاذ جامعي و يحمل دكتوراه. و من تلك اللحظة بدأ الضرب و السب و الشتم و القيود و بدأت رحلة العذاب. و لقد تعددت صنوف العذاب من الأذى الشخصي المباشر الذي يصل في بعض المواقف إلى وضع مسدس في جبهة الشيخ التي لم تعرف إلا السجود لله و تهديده بالقتل في لحظة تتناثر فيها القنابل و الشظايا حول غرفة التحقيق، إلى سوء التغذية الذي يصل إلى مستوى التجويع القاتل و انعدام الرعاية الصحية بل وصل الأمر إلى إجبار السجناء على تناول داوية هم لا يحتاجونها و بكميات كبيرة بقصد أنهاك قواهم النفسية و انعدام أثاث حجرات السجن فينام الأسرى على الأرض، و استحالة الحصول على ملابس فيبقى السجين في ملابسه التي ألقي عليه القبض بها عدة أسابيع في غياب الصابون و توفر الماء المالح في قوارير فقط، إنه عذاب الهدهد. و إذا أضفنا إلى هذا مشاهد من تعذيب الأسرى الآخرين فإن الأمر يتحول إلى مأساة.
و لم يكن أمام الشيخ و رفاقه سوى التضرع إلى الله في الصلوات و في قيام الليل وفي صلاة التراويح و مساعدة بعضهم البعض و لقد كان لشيخنا الفاضل دور كبير في نصح و مؤازرة رفاقه و هي منحة من الله لهم في سجنهم الضيق لن ينسوها أبدا.
و لقد فرج الله كربة الشيخ و رفاقه مع تحرير طرابلس فخرج الجميع من سجن أبي سليم الشهير بتاريخ 21 أغسطس 2011م، و تم إطلاق سراحهم في دفعات من خمسين فردا. عند خروجهم استقبلهم سكان من منطقة أبي سليم و لا زالوا في وقتها على ولائهم لنظام ألقذافي و معظمهم كان يحمل سلاحه و لكنهم هنئوا الجميع بالسلامة و رافقوهم إلى الطريق الرئيسي عبر مساكن الحي.
 وصلوا إلى الطريق العام فقابلهم مواطن من طرابلس، فسلم عليهم و سألهم ماذا أنتم فاعلون الآن ؟ فقالوا نريد الذهاب إلى أقاربنا. فقال لهم هل لديكم مال؟ فردوا: نحن خارجون من السجن كما تعلم. فأخرج مالا من جيبه و دفع لكل واحد فيهم عشرة دينارات، ففرج عليهم كربة شديدة و الله ندعو أن يفرج عليه كرب الدنيا و الآخرة.
و لقد كان خروج الشيخ من السجن هو المنحة الأكبر له و لأهله و عياله و محبيه و طلابه، ففيها كانت نجاته من الموت و عودته إلى الدنيا من جديد لينفع الله به أقواما آخرين و يزيد في أجره و نفعه و علمه و عمله و لله الفضل و المنة و له الحمد أولا و آخرا.

مشاهد من أساليب أزلام ألقذافي في التعذيب

لقد مر الليبيون بمشاهد قاسية من العذاب في كل المواقع و المواقف و لكن هول ما رآه الشيخ يونس و رفاقه لا يليق إلا بمجازر سجن أبي سليم في طرابلس و حقد ألقذافي و أزلامه على الليبيين. فهذه الصنوف من العذاب يخجل المرء أن يوقعها في أعداء بلاده كما أنها لا يرضى بها شرع و لا دين.

الحقد على المتعلم المتميز
من المشاهد التي لا تنسى، ما شاهده الشيخ من تخصيص شخص بعينه بالضرب لأنه رجل متميز، فأخينا هذا كان متميزا خلقا و علما و دينا و وطنية. كان يعيش في أمريكا كطبيب استشاري متخصص في جراحة الأعصاب، و عند ما رأى مشاهد الحرب في ليبيا ترك أمريكا و أتى إلى بنغازي لمساعدة الجرحى فاقترح عليه الأطباء أن يذهب إلى اجدابيا فهي في حاجة أمس إلى خبرته. هاجمت الكتائب المستشفى في اجدابيا و قتلت الجرحى و أسرت هذا الطبيب. و في التحقيق قال لهم أنه أمريكي الجنسية بهدف تخويفهم من إيذائه، فتحول الأمر إلى استهدافه بالضرب يوميا ضربا مبرحا. فكانوا ينادون: أين الطبيب الأمريكي؟ ثم ينهالون عليه بالضرب و هو صابر و محتسب. و الضرب الذي نتحدث عنه يكون بالأيدي و الأرجل و العصي و الأنابيب و أخمس لبندقية و كل ما يجدونه في أيديهم.

سحب الأسير بين سيارتين
رافق الشيخ يونس في رحلته من اجدابيا إلى آخرها شاب من بنغازي من حي الدولار اسمه على وقع في اسر الكتائب فربطوه بوثاق في قدميه و يديه و وضعوه على الأرض ثم أوثقوا حبالا في أطرافه و ربطوا الحبال في سيارتين من الخلف. ثم أمروا السيارتين بالتحرك في اتجاهين مختلفين لسحب جسده بالطول. سحبوه حتى سمعوا أوصال أكتافه تتمزق من قوة الشد فأصيب بشلل نصفي أقعده عن الحركة. و مع كل هذا نقلوه إلى سجن أبي سليم ملقا على أرضية الشاحنة طوال الطريق، و بقى في السجن مع الشيخ بدون عناية طبية إلا عناية الله و مساعدة رفاقه له، و هو الآن في أحد مستشفيات طرابلس.

استخدام حامض الكبريتيك
التقى الشيخ بثلاثة أخوة من الزاوية كانت جريمتهم أنهم رفعوا قضية للمطالبة بأرض لهم تم نزع ملكيتها و تخصيصها لبعض أزلام ألقذافي و في الأحداث التي رافقت الثورة حانت الفرصة للانتقام منهم، فهجم بعض أفراد الكتائب على بيتهم و قام أحد المجرمين بصب حامض الكبريتيك على حوض "نادر" و أسفل بطنه ليصيب منطقة العانة بكاملها بحروق مركبة و أضرار بالغة، فعل به هذا أمام زوجته و أطفاله و في بيته و لا حول و لا قوة إلا بالله. و بقى أخينا معهم في السجن طوال المدة بدون عناية طبية إلا رعاية الله و مساعدة رفاقه و إخوته.

الحرب النفسية
كانت للسجانين أساليب مختلفة لتدمير معنويات الأسرى فعلى سبيل المثال يعلنون الإفراج عن بعض الأسرى و يخرجونهم من العنبر ثم يتم سجنهم في عنبر آخر و قد يدور نفس الشخص على العديد من العنابر بهذه الطريقة و منهم رجل مسن يدعى محمد اشتيوي من مصراته. يبلغ هذا الرجل من العمر 82 سنة و ألقت عليه الكتائب القبض في مصراتة و هو ذاهب لتغذية بعض شياهه ذات يوم في المساء. أخذوا سيارته و ما كان معه من المال و ألقوا عليه القبض كأسير و تم إيداعه في سجن أبي سليم و لم يخرج إلا بعد تحرير طرابلس. و هذا دليل على أن الكتائب كانت تسلب المواطنين أشيائهم ثم تودعهم السجن. و من أساليب الحرب النفسية مشاركة بعض عناصر النساء في تعذيب الأسرى و استخدامهن ألفاظا نابية و لمسات قبيحة لبعض أعضاء الأسير الخاصة مع الضرب بالسوط السوداني أو بالكهرباء.
و إذا تمكنوا من تحطيم مقاومة الأسير النفسية و قبل بالاعتراف بما يريده السجان يتم تقديمه إلى برامج الإعلام التي 
كان يديرها شاكير و قد قاموا في بعض الأحيان بالتغطية على آثار التعذيب بالماكياج.

الهوندا1، الهوندا2، الهوندا3
الهوندا اسم يطلق على تعليقة للإنسان في الأعلى مع تكتيفه و تزداد شدة التعذيب و هوله حسب الدرجة المبينة أمامها. و يتم فيها تجليس الأسير في وضع القرفصاء و تقيد يديه أمام رجليه ثم يتم إدخال قضيب معدني بين ساقه و فخذه و هو على الأرض ثم يرفع بواسطة هذا القضيب بعد تعليقه في رافعة خاصة. ثم يبدأ التعذيب بالعصي و الهراوات و لمس الأعضاء التناسلية و العورة و استخدام الكهرباء.
 و مع تقدم الدرجة يتم نزع الملابس و يبقى الأسير معلقا عاريا تحت تصرف السجان أو السجانة ليفعلوا فيه ما يشاءون. و من هول التعذيب أصيب أحد الأسرى بحالة عصبية تعتريه كل ما سمع صوت المعذب في الممر خارج الحجرة. أما أحد الأسرى فصاح عند ما أرادوا إدخاله للدرجة الثالثة قائلا: أنا لدى طائرة و دبابة و مدافع و كل ما يخطر على بالكم، أنا معترف بهذا.
 و يمكن لنا أن نسمي سجن أبي سليم بفندق جهنم في طرابلس من هول ما رآه النزلاء فيه.
و في الختام أحب أن أذكر الجميع بأن كل ما حدث كان باسم ألقذافي و لكن قام به أزلامه بالنيابة عنه و هم بالتالي شركاء في الجريمة و لا يجوز أن نغفر لهم هذا بدون محاسبة. و لا مكان بيننا لمن قتل أو عذب أو سرق أو ظلم مهما انشق من جلده أو خرج من ثيابه المسروقة أصلا.

Monday, June 20, 2011

علي إبراهيم الجربى... أحد بناة الدولة الليبية



علي الجربى وزير الدفاع الليبي في لقاء مع اللواء محمد نجيب
              يعتبر الأستاذ على أسعد الجربى من مؤسسي الدولة الليبية الحديثة من خلال مساهماته في وضع حجر الأساس لنظام التعليم أيام الإدارة البريطانية و من خلال دوره في نقل ليبيا إلى سيادة المملكة الليبية المتحدة و من خلال تأسيس الجيش الوطني الليبي الحديث و من خلال دوره في السياسة الخارجية الليبية كوزير و كسفير بالخارج.
مولده و نشأته
ولد السيد علي أسعد بن إبراهيم الجربى سنة 1903 م في مدينة درنة حيث كان والده إبراهيم بن محمد بن يونس الجربى يعمل في الإدارة المالية، أما والدته فكانت من أصول تركية يونانية و تدعى خديجة سودا بيك زاده.  و بدا حياته الدراسية في درنة و كان شغوفا بطلب العلم و مولعا بالقراءة من صغره، كما كان ميالا لتعلم اللغات الأجنبية. ثم توجه إلى تركيا لإتمام دراسته فيها حيث كان يطمح إلى دراسة العلوم الطبية و التحق بكلية الطب البيطري، و عاش في اسطنبول من 1911 إلى 1923م عند ما اضطرته الظروف السياسية العالمية للعودة إلى ليبيا. فعاد إلى درنة و انخرط في سلك التدريس سنة 1924م و تزوج من السيدة زكية بنت أحمد بو شلاط التي أنجبت له أولاده إبراهيم و تاج الدين و فيصل و بناته نعمت و سعاد.

علي الجربى بين أولاده في تركيا عند ما كان سفيرا بها

صفاته
كان الأستاذ على الجربى مهذبا و خلوقا مع كل الناس، و كان يحب عمل الخير و الإحسان للناس و خدوما لكل من عرف و من لم يعرف. كما كان حليما و محبا لبلده و متواضعا و سهلا و بسيط في التعامل مع الآخرين، و ساهم في بعث الأنشطة الثقافية و الفنية و الرياضية بالمدينة من خلال تأسيس فرقة لهواة التمثيل و نادي رياضي.


كان علي الجربى يبدي اهتمام بالنشاط الرياضي
 و كان منظما في حياته و شغوف بالقراءة في مجالات السياسة و التاريخ و كان يجيد خمسة لغات بطلاقة و هي العربية و الإيطالية و الفرنسية و الإنجليزية و التركية مما سهل عليه التعامل مع كل الأجانب في ليبيا، و لقد ذكره معظم الرحالة و الكتاب الذين زاروا درنة و التقوا به كي يستعينوا به في فهم أوضاع البلد، كل هذه الصفات جعلته عملة نادرة في ليبيا في ذلك الزمان.
أصدقائه
كانت تربطه علاقة طيبة بالجميع و لكن أقرب أصدقائه كان منهم على سبيل المثال عمر جبريل و إبراهيم الأسطى عمر و محمد ألبناني و عبد العزيز بو زيد و عبد العزيز جبريل و الشيخ عبد الكريم عزوز و من الأجانب الرئيس الفرنسي ديجول.


مع الرئيس الفرنسي ديجول عند تقديم أوراقه كسفير
سيرته الوظيفية
1924 -1944م
كانت البداية في حياته العملية في مجال التدريس ثم تولى منصب مدير الشؤون العربية بمتصرفية درنة سنة 1927م أيام الاحتلال الإيطالي و استمر في هذه الوظيفة إلى أن انتقل إلى بلدية درنة في عام 1936م و شغل منصب سكرتير الشؤون العربية فيها. ثم تولى عمادة بلدية درنة سنة 1940م خلال الاحتلال البريطاني الأول، و بعد انسحاب القوات البريطانية إلى مصر سافر إلى مصر مع العديد من الليبيين حيث عينه السيد إدريس السنوسي مستشارا له في القاهرة من 1942 إلى 1944م ثم توجه إلى السودان.
1944- 1950م
بعد هزيمة قوات المحور و انتصار الحلفاء عاد السيد علي إلى ليبيا و عين مديرا لمعارف برقة سنة 1944م أيام الإدارة البريطانية. و خلال توليه هذا المنصب نجح في وضع حجر الأساس لمسيرة التعليم في ليبيا عند ما اقنع الإدارة البريطانية بأهمية تطبيق المناهج العربية المصرية و استقدام بعثة تعليمية مصرية.
 كما قام بإعداد الكوادر الليبية في مجال التعليم و أرسل عدد من المدرسين إلى مصر للتدريب. و كانت هذه الخطوة أساسا لبناء قاعدة عربية للتعليم قضت بالكامل على آثار الحقبة الإيطالية، و لهذا السبب يصفه بعض الباحثين المنصفين بمؤسس التعليم الحديث في ليبيا.
و في عام 1945م تولى منصب نائب سكرتير مجلس التنمية في الإدارة البريطانية و بالتالي تعرف على أساليب التخطيط و التنمية في القطاعات المختلفة من خلال متابعة أعمال مجلس التنمية.
و في عام 1949م أصبح وزيرا للأشغال و المواصلات في حكومة برقة، كما كان أحد أميني المؤتمر الوطني في برقة قبيل الاستقلال.
و في عام 1950م تم تعيينه ممثل برقة بالمجلس الاستشاري للأمم المتحدة لليبيا، و هذا فتح له المجال للاحتكاك بالوفود الدولية و مبعوثي الأمم المتحدة و إدارة الأمير إدريس السنوسي.


صورة تذكارية مع السيد إدريس في مصر خلال زيارة لوفد من البعثة التعليمية له
و يظهر في الصورة الثالث من اليمين في الواقفين الاستاذ حامد الشويهدي 
1950-1954م
في 29 مارس 1950م تم تعيينه وزيرا للخارجية و الصحة في الحكومة الاتحادية المؤقتة حيث وقع وثيقة نقل السلطات من الإدارة البريطانية إلى الحكومة الليبية.
 ثم أصبح وزيرا للدفاع في حكومة الاستقلال الأولى بتاريخ 24 ديسمبر 1952م. و كانت أهم واجباته في تلك الفترة هي تأسيس الجيش الليبي الحديث انطلاقا من جيش التحرير السنوسي التطوعي البسيط في تركيبته العسكرية و الذي لا يزيد تعداده عن ثمانين رجلا.


 مع بعض الضباط الليبيين في تركيا و يظهر العقيد عمران الجاضرة إلى يمينه
 و لعل الله أراد أن يستفيد هو و تستفيد ليبيا من دراسته في تركيا حيث تعرف على أبناء الجالية الليبية هناك، و رأى أن يكون أحد ضباط الجيش التركي من اصل ليبي. و اختار العقيد عمران الجاضرة و هو تركي من أصل ليبي من مدينة درنة بالرغم من أن الحكومة التركية عرضت أن ترشح ضابطا تركيا لرئاسة أركان الجيش و لكنه رفض و أصر على تولي العقيد الجاضرة هذا المنصب و الذي استلم مهام عمله بتاريخ 25 أكتوبر 1952م كأول رئيس لأركان الجيش الليبي.


مع الطلاب العسكريين في العراق و الملك فيصل
 كما قام ببناء الأطر الليبية في مجال الدفاع بإيفاد بعثات تعليمية عسكرية إلى تركيا و العراق لتلقي العلوم العسكرية بالكليات المتخصصة في البرية و البحرية، كما أنشا الكلية العسكرية ببنغازي لتأمين  برامج إعداد الكوادر العسكرية محليا.
 و قام بعدة زيارات لتفقد أحوال المبعوثين و الجالية الليبية في تركيا و العراق. كما زار جمهورية مصر و العراق طلبا للعون المادي لمساعدة الدولة الليبية و تجنيبها لتأجير القواعد، و لكنه لم يحصل على أي عون منهما.


أثناء تسلمه قلادة النيل من اللواء محمد نجيب
و في هذه الفترة الزمنية شارك في العديد من المفاوضات الدولية في كل شؤون الدولة الليبية و لا تخلو وثيقة تتعلق بتاريخ ليبيا في تلك الفترة من ذكره و الحديث عن دوره فيها.
 و كان يحضا بثقة الملك لدرجة أن الملك بعد الاستقلال طلب منه تشكيل أول حكومة فرد عليه السيد على: يا مولاي رئيس الحكومة يجب أن يكون من طرابلس. و هذه مصداقية للرجل و بعد نظر في مصلحة البلد و صدق في النصيحة لمن يثق به نادر جدا، و هذه أول مرة يكشف عن هذا السر.
1954-1961م
عين السيد على الجربى سفيرا لدى جمهورية تركيا و سفيرا غير مقيم لدى العراق.
1961-1967م
أصبح سفيرا لدى الجمهورية الفرنسية إلى أن تقاعد من الخدمة العامة مع نهاية خدمته كسفير في فرنسا.
الأوسمة و النياشين


وشاح الاستقلال
    اعترافا بجهوده و دوره في ربط العلاقات الطيبة بين ليبيا و الشعوب الشقيقة و الصديقة نال السيد على الجربى العديد من الأوسمة و منها وشاح الاستقلال الليبي و قلادة النيل و وسام من دولة الصين الوطنية و بعضها لا نعرف مصدرها.
وفاته
انتقل السيد على الجربى إلى رحمة الله الرحيم الرحمان بتاريخ 19 أبريل 1969م و بذلك طويت صفحة مليئة بالإنجازات لهذا المواطن الصالح، و الله ندعو أن يتقبله في الصالحين و يسكنه فسيح جناته.

Sunday, May 22, 2011

عبد الكريم محمد لياس..رجل المواقف الوطنية



عبد الكريم لياس سنة 1968 م
         عبد الكريم لياس رمز من رموز النضال السياسي الوطني الليبي حيث ولد خلال فترة الاحتلال الإيطالي لليبيا و شب على النضال و ساهم في الحراك السياسي الذي قاد للاستقلال، و شارك في المسيرة الوطنية إلى أن أصبح وزيرا للزراعة و الثروة الحيوانية عند ما تمت الإطاحة بالنظام الملكي.
مولده و نشأته
 ولد السيد عبد الكريم لياس بمدينة درنة سنة 1917 م. و كبقية أباء جيله تعلم في المدارس و الكتاتيب العربية الأهلية ثم التحق بالمدرسة الايطالية فأتقن اللغة الإيطالية. بعد ذلك دخل معترك الحياة في مجال العمل. و يحمل السيد عبد الكريم في عنقه إرثا من المواقف الوطنية يمتد عبر السنين إلى جده محمد لياس الذي واجه الغزو الامريكى سنة 1805 م، و هذا الإرث و التراث ارتسم على خطاه خلال سني حياته و مواقفه في ليبيا و كذلك يفعل كل أصيل. و نسب السيد عبد الكريم لياس متصل حسب شجرة عائلة لياس إلى السيد محمد ابن السيد إدريس الأصغر حفيد سيدنا الحسن ابن سيدنا على بن أبى طالب كرم الله وجهه.
 صفاته
أما أبرز ما كان يتصف به السيد عبد الكريم حسب رواية أقرب من عرفه، إنه كان قليل الكلام و مستمع جيد و إذا تكلم فإنه يختصر و يفيد. و كان قليل الضحك و إذا سمع ما يسره فإنه يتبسم.  كما كان كريما و حكيما متزنا يسمع من جميع الأطراف قبل أن يصدر حكما. يحسن التصرف مع الغير، هادئ الطبع يكتم غضبه و يلاحظ ذلك على ملامح وجهه. كذلك كان يجيد تنظيم وقته بين أعماله و زياراته و قراءته و كان يلتزم بنصائح و توجيهات الأطباء فيما يخص حياته الشخصية فعاش في صحة طيبة بصفة عامة إلى يوم وفاته. كما كان نزيها في تعاملاته المالية فلم يستغل منصبه في تنمية ثروته و لم يتمكن من بناء بيت لأسرته في طرابلس إلا في عهد الجمهورية.
مواقفه في الحياة
 في مراحل حياته المختلفة كانت للسيد عبد الكريم مواقف وطنية و قومية مشرفة، ومثل هذه المواقف تدل في العادة على معدن صاحبها. فبينما قرر أن يقف بعضها باختياره، فإن مواجهة بعض الأحداث فرضت عليه أصعبها.
موقفه من التجنيد الايطالي
عند ما تم استدعاء الليبيين للالتحاق بالجيش الايطالي على اعتبار أنهم ايطاليون حسب القانون الايطالي الظالم، قرأ السيد عبد الكريم نموذج الانضمام فتبين له أن النموذج يشير إلى تطوع المعنيين فاعترض على ذلك بحجة انه استدعى قهرا و لم يتطوع. و بالتالي أحيل إلى أحد الضباط  فلم يستطع تغيير رأيه، ثم إلى ضابط آخر أعلى رتبة،  ثم إلى آخر وعند ما لم يتمكنوا من إرغامه على التوقيع  تقرر عدم التحاقه بالجيش الايطالي و بهذا نجا من خدمة العلم الايطالي بفضل إجادته للغة و قوة عزيمته.
جهوده في توحيد الجبهة الوطنية
لقد كان السيد عبد الكريم لياس احد أهم الذين ساهموا في توحيد مطالب قبائل برقة لتصب في مصلحة ليبيا ككل من خلال التخطيط و المشاركة الفاعلة في المؤتمر الوطني العام ببنغازي . ففي الوقت الذي كان فيه الكثيرون يطالبون باستقلال برقة تحت إمارة إدريس السنوسي و كانت أصوات كثيرة في طرابلس تنادى بإعلان الجمهورية الطرابلسية غربا انعقد المؤتمر الوطني العام في مدينة بنغازي و ضم ممثلين عن كل القبائل و المؤسسات الأهلية بجميع مناطق برقه بتاريخ 10 يناير 1948 م، و في نهاية الاجتماع أصدر المشاركون القرارات التاريخية الآتية:
1 ) البلاد الليبية مستقلة استقلالا تاما وموحدة بحدودها الطبيعية.
2) لا نقبل استعمارا و لا وصاية و لا انتدابا أجنبيا.
3)أمير البلاد الشرعي المطاع على ليبيا هو حضرة صاحب السمو المعظم الأمير السيد محمد إدريس المهدي السنوسي المعظم و أن تكون الإمارة وراثية في البيت السنوسي.

وكان هذا القرار بالإجماع و لا تنازل عنه مهما كانت العواقب, و بالتالي تغلب الشعب الليبي على معضلة الانقسام و التجزئة بين الشعب الليبي و بين الولايات الثلاث في ذلك الوقت طرابلس و برقة و فزان. و لقد تجلت في هذا الاجتماع حكمة الحاضرين و هم أهل الحل و العقد في برقة بخياراتهم الوحدوية و الوطنية في الاستقلال و الوحدة لكامل التراب الليبي.
دوره في جمعية عمر المختار فرع درنة
قام السيد عبد الكريم بدور بارز كسكرتير لجمعية عمر المختار التي خاضت النشاط السياسي و الاجتماعي في درنة لمدة ثلاثة سنوات، حيث ساهم في تنظيم نشاطاتها و إعداد تقاريرها و شارك في قيادة و تنظيم المظاهرات المطالبة بالاستقلال و الرافضة للتقسيم و الانتداب. كما ساهم في تعديل نظام الجمعية الأساسي بما يحقق ولوجها العمل السياسي، هذا العمل الذي كان له دور هام في رفع مطالب و رغبات الشعب الليبي في العالم و الأمم المتحدة من أجل الحرية و الاستقلال.
موقفه من القواعد الأجنبية
نشر السيد عبد الكريم لياس مقالا في مجلة ليبيا عام 1953م يخاطب فيه الملك مطالبا بعدم تمكين الأمريكان من إنشاء قاعدة لهم في ليبيا و يطالب فيه الملك بتلبية مطالب الشعب الرافضة لإعطاء قواعد لأمريكا على التراب الليبي. و كان في هذا الموقف في منتهى الشجاعة و الوطنية.
مطالبه في المجلس التشريعي البرقاوى
من خلال تواجده كعضو منتخب في المجلس التشريعي البرقاوى كان له العديد من المواقف و التى لا يسمح المجال بالخوض فيها كلها لكننا سنشير إلى أهمها و هي الآتية:
1) تقدم بتوصية إلى الحكومة لتغيير فتح رسائل العطاءات و لتكون إما بحضور مقدميها أوبنشر العطاء الفائز على صفحات الجرائد. وتمت الموافقة عليها بالإجماع.
2) طالب بإلغاء الآتي:
استعمال أغلب السيارات الحكومية بواسطة الموظفين
حراسة بيوت الشخصيات الحكومية
استخدام الموظف في عمل شخصي
استخدام المساجين في بيوت الموظفين
إصلاح أي بيت حكومي كان من قبل مسكونا
و قد تم العمل بأغلب هذه المطالب التقدمية في عصر بدايات الملكية في ليبيا.
3) قدم اقتراحا بزيادة الحد الأدنى لأجور العمال.
4) طالب بالحد من استيراد الكماليات و الأشياء التي تنتجها البلاد.
إن هذه النماذج من المواقف تعطى صورة واضحة عن نمط تفكير السيد عبد الكريم و أسلوبه في التعاطي مع شؤون الدولة من أجل صالح عامة الشعب. و بالتأكيد كان له مواقف و أعمال و إنجازات عديدة في المواقع المختلفة التي عمل بها ومن أبرزها مشروع  سد وادي المجينين الذي وقعه السيد عبد الكريم لياس عند ما كان وزيرا للزراعة، و كان يتطلع إلى توقيع عقد مشروع سد وادي القطارة بعده.

وفاته
توفى السيد عبد الكريم لياس بمنزله الكائن بمدينة طرابلس بعد إن أدى صلاة الفجر في منزله يوم التاسع و العشرين من مارس سنة 1995م. و قد حزن لفراقه أهله و رفاقه و أصدقاؤه. و من أبرز من رثى المرحوم بإذن الله هو الأستاذ أحمد الصالحين الهونى علما بان خلافا كبيرا وقع بين الاثنين خلال حياتهما و لكن هذا الخلاف لم يفسد للود قضية.  فوصفه الأستاذ الهونى بأنه رجل الشموخ و المواقف النبيلة و هذا يدلنا على معادن هؤلاء الرجال.



Wednesday, May 18, 2011

عبد الرازق شقلوف... من فرسان الاستقلال والدولة


مولده ونشأته
          
ولد عبد الرازق شقلوف في مدينة درنة سنة 1914 ميلادية وعاش فيها فترة من الزمن؛ ثم عاش في ربوع ليبيا متنقلا بين القرى والمدن إلى أن عاد إلى درنة، ثم استقر في بنغازي آخر أيامه ليموت فيها سنة 2004 م. نشأ عبد الرازق في درنة يتيما حيث مات والده وعمره لم يتجاوز الخمس سنوات وتولت رعايته والدته، و التحق في سنينه الأولى بكتاب المرغني ، ثم درس بالمدارس الإيطالية حيث أنهى دراسته بالمرحلة المتوسطة في العشرينيات من القرن العشرين. وفي سنة 1932 اشترك في امتحان إجازة المدرسين في بنغازي ونجح فيه وعين مدرسا للغة العربية باجدابيا سنة 1933 م. وخلال زيارته بنغازي للامتحان لقي اهتمام الأستاذ عمر فخري رئيس تحرير مجلة ليبيا المصورة 1936-1940، حيث أهداه مجلد العروة الوثقى التي كان يصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في باريس فانكب على قراءته مما ساهم في تشكيل وعيه السياسي في مرحلة متقدمة من عمره وكان يعتبر عمر فخري أستاذه في الوطنية. ثم أتيحت له فرصة زيارة روما في سنة 1933م و التي تم ترتيبها لعدد من الليبيين للإطلاع على معرض فيها؛ وكان بين رفاقه في هذه الرحلة الدكتور وهبي البوري و هو أحد كبار المخضرمين من رجال مدينة بنغازي، وبالتالي أتيحت الفرصة لعبد الرازق أن يلم ببعض جوانب الأحوال السياسية والفكرية بمدينة بنغازي، كما أتاحت له هذه الفرصة أن يرى مدى تقدم الحياة في الغرب من خلال روما.


عبد الرازق شقلوف في لقاء مع أحد مندوبي الدول العربية في الأمم المتحدة
         
 تنقل عبد الرازق شقلوف بين عدة مناطق من خلال عمله في التعليم حيث عمل في اجدابيا م1933 ثم الكفرة 1934م حيث افتتح أول مدرسة حديثة بها، ثم انتقل إلى سلوق سنة 1936 م وفيها درس بمدرسة خاصة بالأيتام وأحس بهموم وآلام الأيتام والفقراء وما فعله المستعمر بسكان ليبيا.
     بعد التعليم انتقل عبد الرازق إلى العمل الإداري حيث عين مديرا في اجدابيا ثم بعد ذلك في الفايدية ، ومما يجدر ذكره أن حياة التنقل هذه في تلك الأيام لم تكن سهلة فالمواصلات صعبة وظروف الحياة قاسية، فالبلد كانت في حالة استعمار وحرب لكن هذه الطريقة من الحياة ساهمت في تشكيل شخصيته وصقل خبرته في الحياة والإدارة والسياسة كما أتاحت له الفرصة للتعرف على رجالات البلد والخروج من قوقعة الانتماء الضيق إلى مدينة درنة فأصبح همه الكبير هو استقلال ليبيا.
        لقد كان عبد الرازق شقلوف أحد بناة رجال الدولة قبل أن يتحقق الاستقلال، فبعمله في التعليم مع العديد من رفاقه من أبناء ليبيا  وضعوا حجر الأساس  لإعداد جيل النهضة الذي ساهم في بناء صروح الدولة الليبية. أما اضطلاعهم بالأعمال الإدارية في مختلف قطاعات المجتمع المدني فساهم في تشكيل العقلية الإدارية الليبية من خلال الممارسة والاحتكاك بالعناصر الأجنبية سواء الإيطالية ثم الإنجليزية مما خلق جيلا من الكفاءات الوطنية في غياب التعليم العالي. ففي خلال فترة الاستعمار الإيطالي كان إعداد الكوادر الليبية بطريقة غير مباشرة كمن يشعل النار تحت الرماد؛ وأعني بها هنا جذوة الروح الوطنية والتطلع للاستقلال والحرية وبناء حياة أفضل. وتحضرني هنا كلمات ذكرها عبد الرازق لأخي الكريم محمد المفتي " كنت مديرا في الفايدية وكان المستعمرين الطليان منزلين في كبدي السم، كانوا يقولوا الجبل (الأخضر) لا مقر ولا ممر للعرب " وقد ذكر هذا المفتي في كتابة سهارى درنة، الصادر عام 2007 ميلادية.1

عمر شنيب و خليل القلال و عبد الرازق شقلوف في كواليس الامم المتحدة
مسيرته الوطنية

         لقد دخل عبد الرازق شقلوف الحياة العملية أيام الاستعمار الإيطالي وأحس بالظلم والقهر الذي يعيشه شعبه مع كل يوم مر به بين ربوع بلاده ولكن نقطة التحول في حياته كانت في رفقته لشيخ الشهداء عمر المختار شهرا ونصف عندما التحق بمعسكر المجاهدين في دور الفضيل بو عمر، ورافق في تلك الفترة المجاهد عبد الحميد العبار والمجاهد يوسف بو رحيل المسماري والمجاهد الفضيل بو عمر مما ألهب في نفسه الشوق للعمل الوطني و النضال السياسي المنظم. ولكن بقاءه في ادوار المجاهدين لم يطل لصغر سنه وقلة إمكانات المجاهدين،و حينها قال له سيدي عمرالمختار " يا وليدي أنت صغير وما عندناش شي لك، لا سلاح ولا كسوة " فعاد إلى درنة.
وبعد هزيمة إيطاليا في الحرب ضد الحلفاء وانسحابها من برقة ودخول الإنجليز بدأت مرحلة جديدة من العمل الوطني في حياة عبد الرازق شقلوف حيث بدأ تشكل العمل السياسي الوطني الليبي في العديد من المدن وخاصة درنة وبنغازي في الجهة الشرقية من خلال جمعية عمر المختار.
وعندما دخل الإنجليز برقة في ديسمبر 1940 م ووصلت طلائع جيش التحرير الليبي ومن بينهم المرحوم نوري الصديق الذي أصبح رئيسا للأركان في الستينات من القرن العشرين، أقام الليبيون احتفالا بالمناسبة ورفع عبد الرازق شقلوف العلم الليبي (علم إمارة برقة) لأول مرة في منطقة الجبل الأخضر وكان المعمرون الإيطاليون يراقبون ما يجري عن كثب.
  وفي فبراير 1941 م عندما انسحب الإنجليز باتجاه الشرق  وقع الليبيون المناهضون للطليان في حيرة ومنهم عبد الرازق شقلوف حيث كان يتوقع أن ينتقم منهم الإيطاليون، ونصحه أصحابه بالانسحاب مع الإنجليز إلى طبرق. وفي طبرق قابله نقيب في الجيش البريطاني يدعى هيزلن واتفق معه على العمل كفدائي خلف خطوط الإيطاليين كأحد أعضاء جيش التحرير الليبي، وشارك في العمل الفدائي عدة أشهر ثم أصيب بجروح في طبرق وتم ترحيله إلى مصر حيث دخل المستشفى في الإسكندرية، ثم نقل إلى السودان حيث التقى بالأديب عباس محمود العقاد في الخرطوم وعلي العنيزي وأستاذه السابق علي الحربي وعلي المكاوي و ونيس ألقذافي والعديد من الشخصيات الليبية والعربية مما أثرى علاقاته الفكرية والسياسة. وخرج عبد الرازق شقلوف من الحرب العالمية الثانية بحصيلة طيبة من المعارف وأهمها تعرفه على الشاعر الوطني إبراهيم الأسطى عمر الذي كان جنديا في جيش التحرير الليبي ثم أصبح رفيق دربه السياسي لفترة من الزمن، كما نال عبد الرازق ثقة الإنجليز بقدراته وذكائه وشجاعته.
 وفي هذه الفترة تبلورت في ذهن عبد الرازق والعديد من رفاقه فكرة الاستقلال التام لليبيا الموحدة. ووصل عبد الرازق إلى ذروة مسيرته الوطنية من خلال انتمائه إلى جمعية عمر المختار بدرنة والتي تأسست عام 1944 م تحت رئاسة علي باشا ألعبيدي، ففي ديسمبر 1945 م قررت الجمعية تأسيس رابطة للشباب كمنشط فرعي للجمعية و هي تختلف عن رابطة الشباب في بنغازي التي كانت تنافس الجمعية، واختير لها عبد الرازق شقلوف رئيسا. ولم تمض فترة وجيزة حتى انضم إلى هذه الرابطة ما يقرب من 250 عضوا وتنوعت أنشطتها الشعبية؛ و لكن بقى النشاط الثقافي هو المتميز والمؤثر في مسيرة الحياة الليبية.
 ويعتبر النشاط الثقافي لرابطة الشباب بدرنة بمثابة أكاديمية شعبية للتدريب وبناء المهارات السياسية والإدارية من خلال الندوات و المحاضرات و المناظرات؛ وشارك في هذه اللجنة كلٌ من عبد الرازق شقلوف وعبد الله سكته وإبراهيم الأسطى عمر والمبروك ألجباني.ولكن نشاط عبد الرازق المتميز أزعج الإدارة البريطانية فأصدرت في منتصف عام 1946 م منشورا يمنع على موظفي الإدارة المشاركة في العمل السياسي وإلا ستضطر للاستغناء عن خدماتهم، فكان رد عبد الرازق بنفس القوة حيث قال في رسالة احتجاج:
 "كان الدافع من وراء مقاومتي مع الحلفاء هو تحرير بلادي واسترجاع استقلالها المسلوب.... مؤكدا بأنني وطني ليبي قبل أن أكون موظفا حكوميا، وعربي صميم قبل أن أكون إمعة تسيرها السياسة الأجنبية ضد القومية العربية "
 وكتب هذا الكلام بخط يده إلى الجهة التي يعمل بها، وبالتالي تم قبول استقالته مما جعله حرا طليقا ينتقل في ليبيا ليقابل دعاة الاستقلال وبناة الدولة بعد ذلك. وسافر إلى طرابلس والتقى بالهادي المشيرقي ومصطفى ميزران و هما من رجال الحركة الوطنية فيها، مما زاد في تأكيد قناعته بالوحدة مع الاستقلال. ثم سافر إلى مصر بعد ذلك وذهب لطلب العون من الملوك والرؤساء العرب المجتمعين في أنشاص من أجل استقلال ليبيا، وقد مولت جامعة الدول العربية هذه الزيارة بمنحه عشرين جنيها شهريا ولمدة ثلاثة أشهر. وتكمن أهمية هذه الزيارة في ربطه برجال النخبة السياسة ومنحه الثقة في لقاء القادة وحضور الملتقيات السياسة الدولية وكأنها تعده لدوره مع فرسان الاستقلال في رحلتهم الشهيرة إلى الأمم المتحدة لإقناعها بضرورة استقلال ليبيا كدولة موحدة ذات سيادة لتصبح عضوا في المنظمة وعضوا في جامعة الدول العربية.

عبد الرازق شقلوف و عمر شنيب و بشير السعداوي و مصطفى ميزران و خليل القلال و مختار المنتصر
و راسم كعبار و محمد شكري يتوسطهم د فاضل المحجالي مندويب العراق

الاستقلال والدولة
    
تم اختيار عبد الرازق شقلوف ليلتحق بالوفد الليبي المسافر إلى الأمم المتحدة لعرض قضية استقلال ليبيا كدولة موحدة وكان ضمن وفد من ثلاثة أشخاص مثلوا برقة في المفاوضات مع كل من خليل القلال وعمر شنيب وقد أطلقت عليهم الصحافة في حينها فرسان الاستقلال.
     نجح الوفد الليبي، الذي كان يضم تسعة أعضاء يمثلون برقة و طرابلس إضافة إلى ممثلي بعض الأحزاب الليبية مثل حزب المؤتمر و حزب الاستقلال من طرابلس، في تحقيق هدفه باستصدار قرار من الأمم المتحدة بتاريخ 12 أكتوبر 1949 م يقضي باستقلال ليبيا في موعد أقصاه يناير 1952 م. و يرجع الفضل في هذا النجاح إلى جهاد الليبيين في الداخل و نضال من كانوا في المهجر و تعريفهم بالحقوق الليبية و كذلك دعم الدول العربية و دول العالم الثالث و خاصة من أمريكا اللاتينية.و لقد كان للدكتور فاضل المجالى مندوب العراق وقتئذ في الأمم المتحدة دورا هاما في تجميع الوفود الليبية و تنسيق جهودها من أجل استقلال ليبيا الموحدة.
 ولقد كان لعبد الرازق دورا أساسيا وفاعلا في هذه المفاوضات من خلال تحركه واتصالاته وأهمها في تمكنه و الدكتور علي العنيزي من إقناع مندوب هايتي على التصويت ضد مشروع بيفن سفورزا  ضد رغبة بلاده والتي قامت على الفور بعزله من منصبه كممثل لها بالأمم المتحدة، و يرجع سر موقف هايتي إلى ضغوط فرنسية. ففرنسا كانت تخشى من تأثير استقلال ليبيا على مستعمراتها في المغرب العربي و تريد الاحتفاظ بفزان تحت سيطرتها.2

مع السيد أحمد الشقيرى مندوب سوريا في الأمم المتحدة

أما دوره في الدولة الليبية فبدأ بفوزه بمقعد في البرلمان البرقاوي بعد إعلان استقلال برقة في يونيو 1949م، كما فاز بمقعد في البرلمان الليبي بعد الاستقلال عن مدينة درنة. لكن ذلك لم يدم طويلا فاستقال عبد الرازق ليتسلم وظيفة وكيل وزارة المالية في الدولة الليبية وهنا حصلت الجفوة بينه وبين أبناء مدينة درنة، حيث كان معظم الناس يرغبون في بقائه في البرلمان ممثلا لجناح المعارضة أو الجناح القومي التقدمي على عادة أبناء المدينة، ولكن عبد الرازق رأى أنه من الأفضل له ولبلاده أن يكون في موقع القرار السياسي ويساهم في بناء الدولة فمصلحة أغلبية الشعب الليبي فوق كل اعتبار. وربما رأى عبد الرازق أن المعارضة موقفا وليست مبدأ، وهذا هو الرأي الصحيح. ولو أن كل متعلم ومثقف رفض العمل في الدولة لشغل جميع المناصب الجهلة أو غير القادرين ناهيك عن عملاء إيطاليا وهؤلاء كانوا يمثلون الأغلبية المؤثرة في الشارع الليبي في تلك الفترة. وقد مال إلى رأي عبد الرازق بعد ذلك أبرز أعضاء جمعية عمر المختار في درنة وبنغازي وانخرطوا في سلك الدولة الليبية.
      بقى عبد الرازق لفترة طويلة وكيلا لوزارة المالية وبالتالي وضع بصماته على أهم أوراق السياسة المالية الليبية، وكان له دور بارز في الحياة الاقتصادية الليبية.و كان من أهم إنجازاته في هذا المجال تلييب قوانين المصارف الليبية من خلال رعايته لمشروع قانون رقم4 لسنة 1963 لتنظيم المصارف بمجهود ليبي صرف و بدون علم الخبراء الإنجليز الذين كانوا يسيطرون على هذا القطاع من خلال إدارة المصارف بقوانين بريطانية و مجموعة من المستشارين. و تمت العملية بطريقة سرية سواء في الإعداد أو الاستصدار من البرلمان و بالتالي تحرر قطاع المصارف من السيطرة البريطانية.
     وهو كذلك من فرسان الدولة الذين وضعوا حجر الأساس لليبيا الموحدة لأول مرة في تاريخها الحديث تحت حكم وطني محلى و كامل الاستقلال. فأكبر معضلة بعد الاستقلال كانت تتمثل في انعدام الكوادر فلم تكن بالبلاد كلية حديثة واحدة، بينما وجد حوالي ستة عشر خريجا معظمهم في العلوم الإسلامية و الآداب و كان في البلاد وقتها ثلاثة محامين و لم يتوفر طبيب ليبي واحد أو مهندس أو مساح أو صيدلي واحد. و على أعلى تقدير لم يتوفر أكثر من ربع مليون مواطن يستطيع القراءة و الباقي أميون، بينما نسبة العمى و محدودي البصر بسبب الأمراض مثل التراكوما تصل إلى حوالي 5% من عدد السكان ناهيك عن تفشى الأمراض المعدية الأخرى مثل السل بين الناس. بالفعل كانوا فرسان تلك المرحلة عندما كونوا دولة ذات سيادة مع كل هذه العوامل بالإضافة إلى نقص الموارد المالية.فلم تزد أول ميزانية ليبية عن مليوني جنيه معظمها مساعدات أجنبية.

رأى من عرفه عن قرب

يجدر بنا هنا أن نورد رأي بعض من عرفه عن قرب ومنهم الأستاذ أحمد فؤاد شنيب عندما قال:
شقلوف كان وطني .. ما فيش كلام .. وطنيته لا شك فيها .. نعم تعاون مع الإنجليز (عندما كان فدائيا خلف خطوط الطليان في الحرب العالمية) وهم بدورهم كانوا يثقون فيه... لكنه لم يخن وطنه.. كان رئيس رابطة الشباب وكنت أنا سكرتيرها.. أفاد الناس وما أفاد نفسه .. كان يملك ناصية المال ،لكنه كان يعطي ولا يأخذ.. أعطى الناس الكثير.. لكنه لم يعط نفسه شيئا ... مات فقيرا...فقيرا.
 رحمة الله عليه .. رجل تاريخ .. لكن هذا التاريخ طمس .. سواء بتجاهل الدولة له" .1
وما يأخذه كثير من الناس على شقلوف هو تهوره في فترة من حياته وإدمانه الخمر ولكنه تاب توبة نصوحا وعاد إلى الله وأقبل على العبادة وتلاوة القرآن وأذكر أننا كنا في الحج في عام 1982 م وكان هو حاجا أيضا وكان طوال وقته منكبا على قراءة القرآن.
أما الكاتب فتح الله سرقيوة فيقول عنه: عبد الرازق شقلوف لم يخن ولم يتآمر، ولم يعرف عنه أنه ظلم أحدا ولا استولى على أموال عامة، لم يغش ولم يزور ولم يملك الجوازات الدبلوماسية ولا المزارع ولا العقارات ولا السيارات الفارهة ولا الحسابات في سويسرا ،وليس لديه عمارات في دول الجوار ولا استثمارات باسمه وجدت بعد رحيله من هذه الدنيا عاش بشرف ومات بشرف ولا حياة إلا للشرفاء. هذا الرجل لم يترك ليبيا لأنه ينتمي لترابها وحب وطنه فوق كل اعتبار، لم يهرب ويقف في أي صف كان ضد الوطن ولهذا قدرت فيه الثورة هذا الموقف النبيل والمشرف والوطني، وأيضاً لم تتعرض له أية جهة في ليبيا بعد خروجه من السجن ومحاكمته.4
 وفى مراسلة خاصة من الأستاذ عبد الرحيم النعاس الذي عمل مع السيد عبد الرازق في وزارة المالية، و عرفه طول حياته، يقول: كان السيد عبد الرازق أمينا على الأموال العامة، و لم يستأثر لنفسه بشيء منها و نزيها في علاقته مع الآخرين ووفيا لمعارفه و العاملين معه. قام بدور إيجابي صادق كبير في تأسيس جمعية عمر المختار و دورها الثقافي في درنة وكذلك دورها في تحقيق الوحدة و الاستقلال و ظل طوال حياته موضع التقدير و الاحترام من جميع عارفيه.3
        كما تحدث عنه السيد بشير المنتصر في شهادته على العهد الملكي فقال: كان لا يستطيع أحد التدخل في سلطات السيد عبد الرازق شقلوف أو في تصرفاته،و كان مستقلا في اتخاذ القرار، و كان هذا موضع تعليق في المجالات الحكومية و الشعبية. وكان في نفس الوقت يتمتع بثقة جميع رؤساء الحكومات الذين عمل معهم لطبيعته السمحة و إخلاصه و نزاهته شخصيًا.كان شهما و متعلما و ملمًا بعمله و يحبه الجميع.5

تقاعده

بعد رحلة طويلة من النضال السياسي و العمل الوظيفي تقاعد السيد عبد الرازق شقلوف في درجة خاصة و هو وكيلا لوزارة المالية و كان معاشه التقاعدي في حدود 300جنيه في أول سنة 1969 و هو ما يعادل ألف دولار. و بعد قيام الثورة تم التحفظ عليه و تقديمه لمحكمة الشعب التي حكمت له بالبراءة و بعد تعديل الدرجات والمرتبات انخفض معاشه التقاعدي إلى 110 دينار أي ما يعادل سبعين دولارا. و هذا الأمر جعله في ضائقة مالية اضطر معها إلى أن يبيع كاطه أي بدلته العربية كي يواجه مصاريف الحياة ،و كلنا يعرف الالتزامات المالية لشخص مرموق بين أهله و أبناء بلدته في مثل هذه السن.و الإنسان في العالم يعمل بإخلاص آملا في أن ينال مرتبا تقاعديا مجزيا يكفل له العيش الكريم، إن مثل هذا الرجل يستحق أعلى الأوسمة بدلا من حياة الضيق و الحاجة و هو بطبعه عصامي لا يطلب و لا يقبل  المساعدة من أحد.

وفاته

  في آخر حياته استقر في مدينة بنغازي إلى أن وافته المنية وانتقل إلى جوار ربه يوم 5 أبريل 2004 عن عمر يتجاوز التسعين سنة وهو في تمام قواه العقلية، و عند تشييع جثمانه من منزل ابنه فيصل خرج وراءه ثلاثة رجال فقط ابنه فيصل و السيدين صالح جبريل و سليمان أمنينه ثم لحق بهم بعض الأصدقاء في المقبرة.
و غادر الدنيا مثلما دخلها فقيرا لا يملك شيئا إلا رجاءه في رحمة الله ورضوانه. لم يترك مزارع في أوروبا ولا قصورا أو أموالا ولكنه ترك أعمالا ومآثر يعتز بها كل من عرفه وعرفها و الله نسال أن يجعلها في ميزان حسناته يوم لا ينفع مال و لا بنون، و هكذا يكون العظماء من الرجال و في الليلة الظلماء يفتقد البدر.
كانت هذه نبذة مختصرة عن فارس من فرسان الاستقلال والدولة الليبية أزفها لمن يبحث عن التاريخ والعبرة و ما أكثر العبر و ما أقل الاعتبار.
المراجع:
1)محمد المفتى، سهارى درنة، 2007م.
2)فرج نجم، مقالات وتراجم ليبية، 2005م.
3)عبد الرحيم النعاس، مراسلة خاصة، 2010م.
4)فتح الله سرقيوة،قراءة في ملف وزير مالية سابق، فيلادلفيا8نوفمبر 2007م.
5)بشير السني المنتصر، مذكرات شاهد على العهد الملكي الليبي، 2008م.