Tuesday, January 11, 2011

عبد الله محمد سكته.. أنموذج للوطنية



عبد الله محمد سكتة
مقدمة

         كم كان بودي أن أكتب هذه الكلمات في حياة المرحوم بإذن الله الحاج عبدالله سكته والذي أكن له أسمى آيات الود والاحترام من خلال معرفتي به لأكثر من أربعة عقود، فهو والد أحد أعز رفاقي الدكتور فتحي عبد الله سكته، ولقد توطدت بيني وبينه علاقة خاصة أعتبرها جسرا بين الأجيال في الحياة الوطنية. لقد استفدت من لقاءاته ونقاشه وكنت أحرص على لقائه كلما سنحت الظروف وبالفعل تعلمت منه الكثير وعرفت منه الكثير من المعلومات عن الحياة في الجيل الذي سبقنا. كانت له كلمة مشهورة عندما يحتد النقاش في دوائر الدولة الليبية يقولها: أنا رأس مالي نظارتي وقلمي. فهو لم يكن مدعوما من القصر أو الحاشية أو قبيلة أو حزب بل كان يعتمد على كفائته و قدراته. كان نزيها ونظيفا ماليا وشريفا في تعامله يحبه كل من تعامل معه في السلك الوظيفي وكان  الكثير منهم  يحرص  على زيارته في بيته بعد تقاعده. تدرج في السلك الوظيفي من موظف بسيط كاتب بمصلحة الزراعة بدرنة إلى وزير للدولة لشؤون الخدمة المدنية، ثم سفيرا للبلاد في إيطاليا ومالطا حيث أحيل إلى التقاعد بقرار من مجلس قيادة الثورة بتاريخ 26 أغسطس 1970 وهو في سن الواحدة والخمسين مما حرم قطاع الدولة من خدماته وخبراته في العمل الإداري.


اثناء تقديم اوراق اعتماده كسفير لدى مالطا 
و بعد ذلك استمر يعمل في مجال البحوث والدراسات ونقل المعلومات من المصادر الإيطالية حول تاريخ الصراع الليبى الايطالى متعاونا مع مركز بحوث الجهاد الليبى. و قد تعرّض للتحقيق أكثر من مرة ولكنه كان يخرج بسجل ناصع البياض في كل مرة. وأذكر حادثة حكاها لي؛ حدثت عندما كان سفيرا في إيطاليا خلال زيارة الملكة فاطمة لها و كان من المفترض إعداد هدية للملكة بمناسبة الزيارة، فكان رأي السفير عبدالله سكته أنه إذا كانت هى الملكة وأنا سفير المملكة فكيف أهدي لها من مال الدولة؛ فقرر أن يهدي إلى الملكة باقة ورد من ماله الخاص وتم تقديمتها لها عند وصولها.
        لقد كان لي شرف الاطلاع على مذكرة أعدها الحاج عبدالله سكته عنوانها اعتبره كافيا لمعرفة المضمون واستهلها بالعبارة التالية
" مذكرة للذكرى والتاريخ أحررها أنا المواطن الحاج عبدالله محمد سكته عن وقائع ما قاسيته من تضحيات وشدائد وما قدمته من خدمات وأعمال في سبيل حرية وطني ليبيا وازدهارها "
 وحررها بتاريخ 6 أبريل 1981م في ذكري مرور أربعين عاما على محاولة اغتياله رميا بالرصاص من قبل الاستعماريين الإيطاليين الفاشست. فكان من أغلى ما يصبو إليه الحاج عبد الله أن يكون مواطنا خادما لوطنه مهما كانت الشدائد والتضحيات والتي بلغت حد الشروع في قتله بإطلاق الرصاص عليه في مدينة البيضاء ولكن الله كتب له أن يعيش ليرى بلاده مستقلة ذات سيادة ويشارك في بناء صروحها متنقلا بين ربوعها.
       في هذا المقال سوف أتناول أبرز معالم سيرته وأترك التفاصيل لكتاب عن حياته و اعماله قيد الإعداد.


نشأته وتعليمه

    ولد السيد عبد الله سكته بمدينة درنة بتاريخ 19 أبريل 1919م وأتم دراسته الابتدائية سنة 1934 ثم التحق بالعمل الوظيفي سنة 1935 م. لديه إلمام جيد باللغتين الإيطالية والإنجليزية وحصيلة طيبة من الثقافة العامة، ولقد كان لذكائه النادر وقدرته على تنظيم حياته الدور الأساسي في بناء خبرته من خلال الممارسة العملية وبعض الدورات التدريبية والنشاط الثقافي والسياسي بجمعية عمر المختار بدرنة والبيضاء، كلها كان لها الأثر الكبير في تكوين وتنوع عطائه عبر السنين. بالإضافة إلى ما تقدم فإنّ الاحتكاك والتفاعل مع أبرز القيادات الوطنية والعيش في ظل إدارات أجنبية مختلفة ساعد على توسيع أفقه وإثراء تجربته. إنّ جيل الرعيل الأول لم يعرف الجامعات ولم يتعود على مساعدة أحد، كانوا يقفزون من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرجولة رغم قسوة الحياة وقلة الإمكانيات.

نشاطه السياسي

     كان عبد الله سكته من العناصر النشطة في جمعية عمر المختار حيث شغل منصب أمين عام فرع الجمعية في البيضاء ثم أمين عام فرع الجمعية ذاتها في مدينة درنة بانتخابه في مجلس إدارتها مع الشاعر الوطني الكبير إبراهيم الأسطى عمر في شهر مايو 1947 م وساهم في وضع النظم واللوائح الإدارية للجمعية بدرنة ومن أبرز أعماله المذكرة المقدمة للجمعية الوطنية البرقاوية بتاريخ 20/06/1947 م والمذكرة المقدمة إلى الأحزاب الطرابلسية بتاريخ 23/09/1947 م والمذكرة المقدمة إلى لجنة التحقيق الدولية شرحا ودفاعا عن أهداف الجمعية الوطنية في الوحدة والاستقلال بتاريخ 23/04/1948 م والتي رفعت جميعها باسم الجمعية في درنة. ولقد قابل  السيد عبدالله من ضمن وفد خاص لجنة التحقيق الدولية في شهر مايو 1948م وكان لمجهوداته الأثر الكبير في اللجنة مما أثار ثائرة الإدارة البريطانية حيث أصدرت قرارا بإبعاده من مدينة درنة إلى مدينة طبرق في وظيفة أقل وعند اعتراضه على هذا القرار تم فصله من عمله. علما بأنه لم يشترك في أي حزب سياسي بعد ذلك ولم يترشح في الانتخابات ولم يدخل البرلمان. 

نشاطه الثقافي

      عمل كمراسل لجريدة برقة الجديدة من الأول من أكتوبر 1946 إلى نهاية عام 1949 م. كما شارك في النشاطات الثقافية لجمعية عمر المختار بمدينة درنة من خلال برامج المحاضرات والمناظرات و نشر العديد من المقالات الجيدة ومنها على سبيل المثال:
1- جريدة "برقة الجديدة العدد" 661 بتاريخ 17/11/1945م الموضوع "درنة درة برقة"
2- جريدة "برقة الجديدة العدد" 662 بتاريخ 19/12/1945م الموضوع "درنة درة برقة"
3 -جريدة "برقة الجديدة العدد" 677 بتاريخ19\ 12\1945م الموضوع"مستقبل برقة الاقتصادى" الجزء الاول
4 - جريدة "برقة الجديدة العدد"678 بتاريخ21\ 12\1945 م الموضوع"مستقبل برقة الاقتصادى" الجزء الثانى و الاخير.
5- جريدة "برقة الجديدة العدد"728 بتاريخ19\ 4\1946م الموضوع" وحدة ليبيا و استقلالها و نظام حكمها".
6- جريدة "برقة الجديدة العدد740 بتاريخ17\ 5\1946م الموضوع"كلمة صريحة حول موقف ليبيا السياسى".
7- مجلة الفجر العدد 2 بتاريخ15\3\1947م الموضوع"ما لنا و ما علينا من حقوق و واجبات".
8- جريدة "برقة الجديدة العدد875 بتاريخ4\ 4\1947م الموضوع" وضع الامور فى نصابها حول مفاوضات الوحدة و الاستقلال".
9- جريدة "برقة الجديدة العدد892 بتاريخ23\5\1947م الموضوع"جمعية عمر المختار بدرنة تدخل الميدان السياسى على أساس قانونى".
10- جريدة الوطن العدد 91بتاريخ16\9\1947م الموضوع" كيف نقابل لجنة التحقيق الدولية" في ما نرغبه من مصير لوطننا ليبيا العزيزة.
11 - مجلة الفجر العدد15 بتاريخ 20\2\1948 الموضوع" مؤهلات استقلالنا".
 و يتضح جليا من هذا العرض المحدود لعدد من المقالات الحنكة السياسية فى التدرج فى الطرح و مواكبة الاحداث وصولا إلى الهدف  وهو الاستقلال التام لليبيا الموحدة. و بالاضافة الى هذه المقالات له مشاركات ادبية و لقاءات صحفية و ندوات لا يتسع المجال لذكرها. كما يتضح دور الصحافة الحرة فى تناول قضايا المجتمع و تقريب وجهات النظر و خلق وعى شعبى عام يدعم الحراك السياسى على أساس الفهم و الوعى بعيدا عن العواطف.
     وسوف نسلط مزيدا من الضوء على مناظرة محكمة من قبل لجنة مكونة من أربعة أشخاص جرت بتاريخ 9/11/1946م وذلك في الندوة الأدبية التابعة لجمعية عمر المختار بدرنة بينه وبين المرحوم الأستاذ الشاعر الكبير إبراهيم الأسطى عمر رئيس الجمعية آنذاك, وموضوعها:
"الحكومة تستعد لإنشاء مدرسة أو مستشفى في قرية ما، فأيهما تفضل؟"
 وتبنى السيد عبدالله مشروع  المدرسة والدفاع عنه بينما تبنى الشاعر الكبير مشروع المستشفى والدعوة إلى إنشائه. ولمن لا يعرف أذكر أن الندوة الثقافية كان يحرص على حضورها جل شباب درنة في ذلك الوقت, وفي معظم الأوقات يضيق المكان بالناس من كثرة الحضور. وتعتبر هذه الندوات مدرسة و أكاديمية شعبية مفتوحة لطرح الآراء ووجهات النظر في جو ودي يقبل بالاختلاف فى وجهات النظر ويبحث عن الأفضل. وكان الفوز حليفا للمناظر المناصر لمشروع المدرسة. وكأني بالشاعر الكبير يذكر بما عاناه شعبنا من ويلات الحرب والاستعمار وحاجته إلى المشافي لعلاج الجرحى والمرضى والمصابين بالعاهات من جراء الحروب وهو يستحث المشاعر من أجل دعم مشروع المستشفى، بينما يرد عليه رجل الدولة من خلال الحاجة إلى إعداد الأطباء والمهندسين والمعلمين من خلال برامج التعليم، فالمدرسة هي نواة البناء ونحن عندما نعالج مريضا قد يشفى ولكنه يبقى على حاله بينما تعليم الإنسان يرقى به وينمي قدراته. المهم كانت النتيجة انتصار مشروع المدرسة وتخللت المناظرة بعض الأسئلة وتعليق وتصفيق الحاضرين وكان الدرس عظيما في فكرة التخطيط الاستراتيجي قبيل الاستقلال. والدرس الأهم هو في انتصار عضو من الجمعية على رئيس الجمعية أمام الجميع. والدرس الأعظم من هذا كله أنه وقبل المناظرة عند توزيع الأدوار اقترح السيد عبدالله على الأستاذ إبراهيم أن يتولى الرئيس الدفاع عن المدرسة بحكم أنها الأولى بالنجاح فرد عليه إبراهيم الأسطى عمر "يجب ألا نعود الناس أن الرئيس على حق ويجب أن ينتصر في كل مرة" ولقد ذكر هذا الأمر الحاج عبدالله في حديث خاص منذ سنوات قليلة ولا يعرفه الكثير ممن حضر الندوة رحمهم الله جميعا.

محاولة الايطاليين قتله

        عندما دخلت القوات البريطانية لمدينة البيضاء للمرة الأولى بعد هزيمة القوات الإيطالية استقبلهم عبدالله سكته بالهتاف "لقد أذاقنا الإيطاليون مر الجوع ثلاثين عاما أما الآن فكفى" ثم اقترح على البريطانيين أن يطلبوا من البلدية شهادة الوضع العائلي لكل مستوطن إيطالي موجود بالمنطقة وذلك بسبب اختفاء بعض الجنود الإيطاليين بين المستوطنين هروبا من الوقوع في الأسر، وبناء على هذا الإجراء أعدت القيادة الإنجليزية جدولا بأسماء من يجب إرسالهم للاعتقال. ثم تنقلب الكفة لصالح الإيطاليين مع دخول القوات الألمانية إلى ليبيا وانسحاب القوات البريطانية من البيضاء. فخرج الإيطاليون الفاشست في مظاهرة صاخبة أقيمت بالمدينة يوم 6 أبريل 1941م وفي تلك الفترة كان السيد سكتة مديرا لمدينة البيضاء فقام اثنان من المستعمرين الإيطاليين بعد مواجهته وجها لوجه مع المظاهرة المذكورة و قاما بفرز السيد عبدالله والإمساك به وهم يقولون "أنت خائن، أنت خائن" وأخذوا في ضربه ضربا مبرحا بالأيدي والأرجل والحجارة ثم اخرج أحدهما مسدسا وأطلق منه عدة طلقات. أصابت إحداها عظمة الفك الأسفل من الفم فكسرتها كما كسرت بعض أسنانه، وأصابته رصاصة أخرى في ذراعه الأيسر قرب المرفق أما الرصاصة الثالثة فأصابته في صدره تحت الثدي الأيمن حيث سكنت حتى أخرجها الطبيب. سقط عبدالله سكته على الرصيف مضرجا بدمائه فاقدا للوعي مما جعل المجرمان يعتقدان أنه فارق الحياة فتركاه في الشارع مطروحا على الأرض، ولم يفق السيد عبدالله إلا بين يدي الطبيب وهو يضمد جراحه بعد أن أخرج الرصاصة من صدره. ونظرا لعدم وجود مستشفى في البيضاء وضعه الطبيب في سكن الممرضات الراهبات لتلقي العلاج وبقي هناك ما يقارب من شهرين تحت حراسة رجال البوليس خوفا من هربه أو تكرار الاعتداء عليه. ثم تم تقديمه للمحاكمة ولكن لغياب المعتدي لم يصدر عليه حكما كما كانت تتمنى السلطات الإيطالية فنقل إلى طرابلس ووضع في السجن قيد التحقيق باعتباره من العناصر الخطيرة على الأمن الإيطالي. فبقي هناك حتى انهزمت القوات الإيطالية والألمانية في شهر يناير 1943م حيث أطلق سراحه فكانت آثار هذه الرصاصات في جسده تحمل في طياتها أعظم وأجمل وسام حمله عبدالله سكته في حياته وبالفعل كانت الوسام الوحيد حيث لم يحظ بأي وسام ليبي طوال عمله في الدولة الليبية. وسنحت له فرصة السجن في طرابلس للتعرف على بعض الشخصيات الوطنية فيها وعلى الحصول على بعض الوثائق الإيطالية الهامة التي نسخها سرا رجل وطني شجاع من طرابلس هو الحاج رمضان بن معتوق من شارع الظل، الذي كان يعمل في قسم المحفوظات بالإدارة السياسية بحكومة ليبيا المستعمرة وأهمها الرسالة السرية الخطيرة رقم 409943 المؤرخة في 23 أغسطس 1941م الصادرة عن نائب حاكم ليبيا العام إلى والي محافظة بنغازي يعترف فيها بالكثير من الأعمال الإجرامية التي اقترفها الطليان في ليبيا. واستخدم الوفد الليبي إلى الأمم المتحدة هذه الوثيقة للتدليل على جرائم إيطاليا في ليبيا مما ساعد على رفض طلب إيطاليا العودة لحكم ليبيا بعد الحرب وساهم في إصدار قرار باستقلال ليبيا.

أهم الإنجازات

     لقد كانت حياة السيد عبدالله سكته حافلة بالإنجازات على جميع المستويات ولكن يبقى أهمها ما يتعلق بالمصلحة العامة ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
1) وضع مشروع قانون الخدمة المدنية الصادر سنة 1954م ومشروع جميع اللوائح التنفيذية لهذا القانون بعد ذلك.
2 )وضع مشروع التقاعد المدني وقانون تقاعد أصحاب المناصب العامة الصادرين سنة 1956م.
3) بينما كان مكلفا برئاسة مجلس إدارة مؤسسة الكهرباء بطرابلس نجح في تأميم الشركة وإخراج المساهمين الإيطاليين وإدارة مشروع إنشاء محطة طرابلس الوطنية.
4) إعداد مشروع جديد لقانون الخدمة المدنية صدر سنة 1964م.
5) وضع مشروع قانون التقاعد العام الذي صدر في عام 1967م.
6) المساهمة الكبيرة في وضع ومراجعة العديد من أنظمة الوزارات والمصالح في دوائر الدولة المختلفة.


وقد قام بكل هذه الأعمال خلال توليه العديد من المناصب الرسمية حيث شغل مناصب وكيل وزارة العدل، ثم وكيل وزارة برئاسة مجلس الوزراء ثم وكيلا لوزارة التخطيط والتنمية ثم وزيرا للدولة لشؤون الخدمة المدنية، و تلقى العديد من رسائل الشكر من عدة مسئولين فى الدولة. و بقى منظما الى آخر يوم فى حياته يحتفظ بكل اوراقه و كتاباته بشكل منسق و منظم فترك موسوعة من المعلومات فى المجالات التى تعامل معها.

عبدالله سكته سفيرا في روما

     عندما كان سفيرا في إيطاليا استطاع أن يحصل على موافقة سلطات مدينة روما لبناء أول مسجد في روما وهذا يعتبر نجاحا منقطع النظير في روما عاصمة الفاتيكان.كان سفيرا يحب أن يظهر بمستوى يليق ببلاده وشخصه فكان يحرص على مستوى طيب من المعيشة، كما كان يجتمع بالطلاب الليبيين الدارسين في إيطاليا ويقدم لهم النصح ويتعرف على مشاكلهم، وقد قال لي احدهم وهو الدكتور بشير حمودة "كان اللقاء به كاللقاء بالوالد، كنا نشعر بحرصه علينا وعلى مستقبلنا".


ولقد كان لوجوده سفيرا أثرا طيبا في نفوس الكثير من المهتمين بالشأن العربي والليبي في السياسة الإيطالية مما أكسبه احتراما خاصا في إيطاليا حتى بعد تنحيته من منصب السفير.

وفاته

      بعد عمر ناهز التسعين عاما انتقل الحاج عبدالله سكته إلى جوار ربه في شهر سبتمبر 2009م يوم عيد الفطر المبارك بمدينة طرابلس و تم دفنه فيها، والله ندعو أن يكون من أصحاب الجائزة فقد رحل إلى ربه يوم عيد عند المسلمين، والله لطيف بعباده كريم يجود برحمته على عباده في كل حين.
وأذكر هنا أنه عندما ذهبت لعزاء أسرته وتحدثت مع السيدة الفاضلة زوجته وهي تعرف مكانته في نفسي، سالت دمعة في عينها فقلت لها " يا عمتي الحاجة لا تبكي على الحاج فهو عاش عزيز ومات عزيز فانتقل إلى ربه يوم عيد"، اللهم اجعله خير عيد مر به في ظل رحمتك ورضوانك.

خاتمة

       و فى الختام لا يسعنى الا ان اختم مقالتى هذه بما ختم به السيد عبد الله سكتة مذكرته حيث قال:
 الآن و على الدوام فانه يكفينى شرفا و مكافأة و تعويضا ان اعيش ايام تقاعدى هذه متمعا بموفور الصحة و الكرامة فى بلادى ليبيا العزيزة؛ و قد نالت بفضل الله تعالى كامل حريتها و استقلالها و غمرها الله جل شانه بنعم الثراء و التنمية جزاء ما قاساه شعبها من المظالم و المآسى وما تكبده من الخسائر و التضحيات، و الله تعالى لا يضيع اجر من احسن عملا و الله مع الصابرين. الحاج عبد الله محمد سكتة، طرابلس فى 6 ابريل 1981م.
          و هكذا يكون الوطنيون الاحرار، فهم لا يرجون من احد جزاءا و لا شكورا، وسعادتهم تكمن فى خدمة الوطن الحبيب مهما كانت التضحيات و مهما كان الثمن. و لقد اردت من هذا المقال أن أزف الى المهتمين بالشأن الليبى باقة عطرة من تاريخ الكفاح الوطنى الليبى تجسدت فيها الوطنية فى أسمى صورها فى حياة السيد عبد الله محمد سكتة رحمه الله.




العمارة الخضراء هى عمارة المستقبل

لقد ارتبط تاريخ البشرية فى هذا الكون بعمارة الارض و العيش عليها و معها و بها. و تطور هذا التعمير باشكال و انماط مختلفة عبر التاريخ بعضها تميز بالتعايش مع البيئة و الحفاظ عليها بينما أهمل هذا الجانب فى فترات عديدة جريا وراء الكسب السريع او الحلول المؤقتة و كل هذا تأثر بالدرجة الأولى بثقافة العصر السائدة. و العمارة الخضراء أو الصديقة للبيئة و المنسجمة مع نواميس الكون هى تلك العمارة التى تحافظ على نظافة البيئة و جمال الطبيعة و توفر المحيط المناسب للحياة على الارض بشكل مريح.
     وفى هذا العصر الذى طغت عليه المادة نرى بأم أعيننا صدق ما قاله الله سبحانه و تعالى فى كتابه الحكيم: "ظهر الفساد فى البر و البحر بما كسبت أيدى الناس" ؛ و نلمس هذا فى تلوث الجو بالغازات الضارة و تلوث البحر بمخلفات المصانع و تلوث البر بالنفايات و تلوث الانهار بمياة الصرف الصناعى ، و ارتفاع درجة الحرارة فى الارض بسبب الاحتباس الحرارى الناجم عن كل هذا التلوث ثم فى النهاية تلوث صحة الانسان و الحيوان و النبات و تدهورها من جراء كل هذه الظواهر مجتمعة. إ نها فى النهاية دائرة مغلقة متصاعدة بشكل يهدد الحياة على الارض بجميع أشكالها.
و تنطلق العمارة الخضراء عبر عدة محاور أصلها هو التناغم مع خلق الله و نواميسه فى هذا الكون. و المحور الاول يرتكز على اسس التصميم العمارى بما يخدم الاستخدام الأمثل للإمكانات المتاحة من حيث الفراغات المثلى و ملائمتها لحاجة المستخدم ، و المواد المستعملة الصديقة للبيئة و الألوان و الأشكال الملائمة للطبيعة المحيطة و الاستهلاك الاقتصادى لمصادر الطاقة، ثم بالإعتماد على أسليب التدوير لإعادة استخدام المخلفات الناتجة من البناء أو الاستعمال. و هنا يجب أن لا يفوتنا أن نؤكد على ضرورة اللجوء الى المعمارى المتخصص فى اعمال التصميم و يتضح هذا جليا فى الصورة الآتية.



تناغم المبنى مع الطبيعة

و المحور الثانى يؤسس لأساليب إنتاج مواد البناء بالإستخدام الامثل للموارد الطبيعية بما يضمن سهولة إعادة استعمالها و تدويرها من جديد، و كما نعلم هناك بعض المواد المستعملة الآن  لا تقبل التدوير و يصعب التخلص منها باساليب صحية بيئيا. ثم تأخذ فى الاعتبار خواص هذه المواد من المزايا الاعمارية و هى درجة العزل للحرارة و الصوت و طول العمر المفيد و القدرة على تحمل الاحمال، اى الصفات الميكانيكية.


عازل حرارى داخل الجدار

عازل حرارى مناسب للمسطحات

نوافذ ذات عزل حرارى عالى
اما المحور الثالث فيعنى بأساليب البناء بحيث يستعمل البناؤون الموارد و القدرات لإتمام المبنى بأسلوب إقتصادى من حيث كمية المواد وإستهلاك الطاقة و زمن التنفيذ و جودة المنتج. فعلى سبيل المثال يمكن تيسير عملية البناء بإستخدام و حدات بناء خفيفة الوزن عالية العزل و سهلة التجميع و التركيب.


ارضية خشبية فوق عازل حرارى
أما المحور الرابع و فهو الاستخدام و الاستعمال المستديم للمبنى بما يحقق الحفاظ على البيئة باستخدام إقتصادى لمصادر الطاقة و بتدوير المخلفات و صيانة المبنى حسب المواصفات المطلوبة.


اسقف معشبة

ثم يأتى المحور الخامس و الذى يعنى بإستخدام الطاقات المتجددة فى تزويد المبنى بما يحتاجه من إضاءة و تكييف لدرجات الحرارة صيفا و شتاءا و من تسخين للمياة بالطاقة الشمسية أو الطاقة الجيوحرارية ، أو فى توليد الطاقة الكهربائية باستخدام الخلايا الشمسية و الرياح، كذلك يعنى بتجميع و تخزين مياه الأمطار و استغلالها الاستغلال الأمثل.


تسخين المياة بحرارة الشمس

كهرباء من الرياح

خلايا شمسية لتوليد الكهرباء

و يمكن تحديد أهم مزايا العمارة الخضراء فى النقاط الآتية:
التصميم الإقتصادى الذى يستعمل الفراغات بكفاءة عالية تناسب حاجة المستخدم.
التصميم المعمارى الملائم للبيئة المحيطة.
الإستخدام الأمثل للموارد الطبيعية بالمنطقة.
استخدام مواد البناء الصديقة للبيئة من حيث العزل الحرارى و الصوتى و التدوير.
استخدام أساليب البناء الصديقة للبيئة و تدوير المخلفات.
الاستعمال الإقتصادى للطاقة بالمبنى.
الإعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.
معالجة و تدويرجميع المخلفات و الإستفادة منها.
تجميع و استغلال مياه الأمطار.
إستخدام أساليب الرى الاقتصادى.
توفير جوصحى و مريح للمستخدم من حيث درجات الحرارة و الضوضاء و الإضاءة.

         اما من الناحية المادية فإن البيت الاقتصادى ليس بالضرورة هو البيت الرخيص، و المردود الهام لأى مبنى يكمن فى درجة الاستفادة و تكلفة هذا الاستخدام عبر السنين. و لقد ثبت فى كثير من هذه المبانى فى أوروبا أنها إقتصادية على مدى عشرة سنوات بالرغم من انها لازالت فى طور التجريب و لم تكتسح السوق بحجم كبير يساعد على إنخفاض الاسعار.و بالنسبة لمنطقتنا حيث الطاقة المتجددة موجودة بوفرة و المياه شحيحة جدا فإن الوقت قد حان لولوج هذه التقنية، و لقد  استعمل الانسان العربى فى القديم أنماطا من البناء هى أكثر صداقة للبيئة مما نراه فى القوالب المستوردة لتقنية البناء فى الوقت الحالى.

و فى خضم النهضة العمرانية الحادثة فى وطننا الحبيب و بشكل غير مسبوق حجما و امكانيات مادية و تنفيذية أتوجه الى المسئولين عن هذا القطاع بضرورة الاسراع فى بعث و تطوير أساليب العمارة الخضراء فى وطننا الحبيب كى ندخل عصر الصداقة مع البيئة و عصر الطاقات المتجددة بمختلف اشكالها، و بالتالى تثمر هذه الاستثمارات فى تطوير حياة و ثقافة المواطن الليبى لعدة اجيال. و بالتأكيد هذا سوف يساعد على دعم الشركات و المؤسسات المهتمة بمثل هذه التطورات  و يساهم فى نشر الوعى البيئى والمعمارى السليم فى المجتمع الليبى.

ربيـــــــــــــــــــع بـــــــــــــلادي

لقد سن الله سبحانه وتعالى سنة التداول بين الفصول فجعل فصل الشتاء رمزاً لبعث الحياة ، وللغرس والغيث وجعل الربيع رمزاً للأمل وللحياة وللمستقبل وللتجديد تتزين فيه الارض بحلة جميلة استجابة لرحمة السماء التي تجود بالغيث النافع.
أما الصيف فهو فصل جني المحاصيل والثمار والأفراح. وأهم ما يميز فصل الخريف هو إعتراف القديم بحاجة الجديد إلى مساحة للنمو والعطاء، فتتسافط الاوراق القديمة لتمنح فرصة الحياة للبراعم الصغيرة كي تنمو .  سبحان من يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.
ولقد أكرمني الله بجولة في ربوع بلادي خلال فصل الربيع لعام  2008 م فأحببت أن أزف لأحباء بلادي باقة من الصور تتغنى بالأمل والحياة والجمال.  حيث نشاهد في اللقطات الأولى ربوع الجبل الأخضر على ضفاف الطريق الساحلي بين مديتني درنة  والمرج حيث لم تر المنطقة مثل هذا الربيع منذ عشرات السنين.




وبعد ذلك ننتقل إلى مناظر بديعة لأحدى المزراع في منطقة سوق السبت خلف مطار طرابلس العالمي. حيث تزينت الأرض ببساط 
 من الزهور البرية بشكل يصعب حتى على الزراع تشكيله.








إنها الأرض الليبية اذا نزلت عليها رحمة السماء استجابت بدون زارع وازدانت بحلة بهية اختلطت فيها الالوان مع روائح الزهر بين اشواط البرتقال انها فعلاً ارض الخير والعطاء والأمل المتجدد، تستقبل بأحضانها من يريد ان يبني المستقبل في لقطات أخذت بتاريخ 28 مارس 2008.



 بعد ذلك نعرج على أعالي منطقة غريان عند مدخلها الجنوبي من طريق العربان ، ويبدو واضحاً للعيان كيف أحاطت الأرض ببساط من الزهور البرية بعض المباني القديمة.





 "راجياً أن تكون هذه اللقطات باعثاً للأمل في النفوس  وكل ربيع وبلادي وأهلها بكل خير "

Friday, January 7, 2011

صناعة المستقبل 3

        إن صناعة المستقبل الكريم تحتاج إلي رجال أحرار، أحرار في القرار وأحرار في الأختيار لا قيد يلزمهم إلا مصلحة الوطن وقواعد الدين الحنيف. فالرجال الأحرار هم الذين يبنون وهم الذين يدافعون. وهم الذين يضحون وهم الذين يحققون الحرية وهم الذين يقودن النهضة.

                                                   الحرية قبل التحرير


في السبعينيات كتب الأستاد سليم اللوزي مقالاً في مجلة الحوادث بعنوان" الحرية قبل التحرير يا أبو عمار "، ولقد دفع الكاتب حياته ثمناً لهذا المقال والذي تحدث فيه عن أهمية معنى الحرية والممارسات الديمقراطية في المخيمات في لبنان في مرحلة النضال من أجل التحرير ودلل على كلامه بمقولة عنترة بن شداد الذي قال " إن العبد لا يكر " عندما طالبه شداد بالكر على الأعداء، ثم أبرز بطولات عنترة بعدما حرره شداد ونسبه إليه . وفي نفس المقال عرج الكاتب على بعض الأنظمة العربية، مؤكداً على أهمية الممارسات الديمقراطية في ظل الحرية في نسيج العلاقة بين الشعب والقادة. والآن ونحن نرى مراحل النضال الفلسطيني تصل إلي طريق مسدود  تسجن فيه السلطة الوطنية المناضلين وتعاقب العصابات الصهيونية أهل الشهداء بتدمير بيوتهم، كما نرى العراق والمنطقة العربية على أبواب مرحلة جديدة من الاستعمار المباشر لا نجد بديلاً عن مبدأ الحرية قبل التحرير. فالأصل في الأمر أن يكون الانسان حراً في وطنه وبين أهله لكي يقرر النضال، لكي يقرر الجهاد ، لكي يقرر الأستشهاد أما إذا كان عبداً مأموراً فإنه لا يفكر إلا في الهروب من المسئولية، ومن النضال ، ومن الجهاد، ومن المعركة وشتان بين الأحرار والعبيد.
       إن أمتنا العربية والأسلامية تتطلع إلي اليوم الذي تأخذ فيه مكانها كأمة مستقلة ذات سيادة تتعامل مع الأمم الأخرى على قدم المساواة، تفتخر بحاضرها وتصبو إلي مستقبل أفضل،والبشرية بحاجة إلي دورها في إحياء قيم العدل ونشر السلام في ربوع الدنيا في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى. لكن أنى لها هذا وهي تأن تحت استبداد أبنائها وتدميرهم لكل الامكانيات والطاقات واستخفافهم بكل قيمها. إن الطريق إلي تحرير الأمة وتوحيدها لن يتم إلا إذا تحققت الحرية الكاملة لأبنائها. نعني بالحرية حرية الفكر، حرية النشاط الأقتصادي والأجتماعي من أجل البناء. وتحقيق الحرية الكاملة هو جزء من ثقافة ومنهاج حياة، فنحن دائماً نقول " لا إله إلا الله " وهى تعني أنه لا يوجد سيد يستحق الطاعة الكاملة ونحتاج إلي رضاه كاملاً إلا الله، لا زعيم ولا قبيلة ولا حزب ولا جماعة يجب أن يكون لها هذا الحق أو حتى جزء منه فالاحزاب والحركات والجماعات وسائل يتجمع فيها الناس لتحقيق غايات سامية تخدم مصلحة المجتمع ككل ويجب ألا تتحول إلي معبودٍ آخر أو دين جديد. وإذا كانت الحركات أو الجماعات تصنع قيوداً بأسم السمع والطاعة والالتزام بالعمل فإن هذا يجب ألا يرقى إلي مستوى التضحية بالهدف من أجل الوسلية. وللأسف كثيراً مانلاحظ الصدام الحاد بين الحركات  ذات التوجه الواحد مثل روافد التيار الاسلامي أو أجنحة التيار القومي أو فصائل المقاومة أكثر من الاشتباك مع العدو المشترك لها. كما نشاهد ضراوة المعارك بين الدول العربية المتجاورة على عدة حدود في الوطن العربي بينما لا يحدث مثل هذا مع العدو الصهيوني. كما يمكننا أن نسجل مشاركات الجهات الشعبية في الوطن العربي في النضال من أجل التحرير أيام الأستعمار في فلسطين والجزائر وليبيا كان أكثر وأفضل من الدورالذي تقوم به الدول العربية مجتمعة في جامعة الدول العربية. فبالرغم أن ليبيا لم تكن مستقلة سنة 1948 م إلا أن شبابها تطوع ورحل إلي فلسطين وشارك في المعارك وبالرغم من أن الجميع كان ينظر إلي العهد الملكي في ليبيا على أنه رجعي إلا أنه ساهم في تحرير الجزائر أفضل مئة مرة من مساهمة أي دولة عربية في النضال الفلسطني حالياً وهذا يدل على أن الاستقلال الوهمي والأنظمة القطرية كبلت المواطنين وهمشت دورهم في الحياة السياسية والحياة بصفة عامة إلي حياة ميت ينتظر ملك الموت، فلا حياة بدون الحرية ولا معنى لاستقلال بدون حق المشاركة في تقرير المصير من خلال  ممارسة السلطة. الحرية مبدأ سامي لا يجوز أن نساوم عليه أو نرضى بحل وسط فيه وهي ممارسة على أرض الواقع وليست شعاراً يرفع ليقتل الناس لأجله. وأعتقد أن الطريق إلي الحرية يحتاج إلي صبر وتضحيات وعمل دؤوب من خلال نضال تشارك فيه فئات المجتمع. وتحقيق الحرية كاملة يعني السعادة للجميع والازدهارللجميع والعزة للجميع والتقدم للجميع. وإذا كانت الحرية غايتنا  فيجب أن تكون وسيلتنا، وبتأكيد أهمية الحرية في حياتنا وخلال نضالنا نؤسس لها ونجذر لقيمتها بيننا وفي  مجتمعنا ونفوسنا. ولن يتم لنا التحرير الكامل إلا إذا تحققت فينا وبيننا الحرية من كل شئ فالماديات تفنى ولا تبقى إلا المبادئ السامية. وعندها يمكن لأمتنا أن تكمل مشوار التحرير كبقية شعوب العالم. فلا يوجد خيار أمام الشعوب العربية إلا خوض معركة التحرير والله لا يغيرما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم.  إن ما حدث منذ عشرات السنين هو استقلال شكلي ولكننا الآن بحاجة إلي أن نحرر:

·        الإرادة السياسية بإفراز قيادات منتخبة تمثل الجماهير وتدافع عن مصالحها وتقودها بإخلاص.
·        الإرادة الأقتصادية بتسخير امكانيات الأمة العربية الأقتصادية لبناء قدرتها وقوتها وتأسيس اقتصادها على أسس زيادة الأنتاج وعدالة التوزيع بما يحقق الرخاء للجميع.
·        الإرادة الحضارية بتحقيق الحرية وحقوق الإنسان بما يحقق انطلاقة فكرية وثقافية وحضارية ابداعية تساهم في صنع مستقبل الأمة وتثري التقدم الحضاري للبشرية.
·        الإرادة العسكرية بيناء كوادر عسكرية وطنية تؤمن بالله وبعزة الأمة وتتسلح بالعلم والايمان لحماية الأمة في عصر التقنيات المتقدمة بكافة الوسائل.
ربما يكون الطريق محفوفاً بالمخاطر ومعبداً بالتضحيات، لكنها كلها تهون في سبيل سعادة أبناؤنا وأحفادنا وعزتهم. ولقد كان الطريق أصعب على عبد القادر الجزائري وعمر المختار وأحمد بن بيلا ويمكن أن تكون مهمتنا أسهل بكثير إذا تعلمنا الحوار بدل الصراع وحسن الظن بالجميع بدل سوء الظن، ومحاولة التلاقي بدل التنافر والتناحر، واتبعنا سياسة المراحل بدلاً من القفزات الخيالية والتي تنتهي بنا في الحفر. ولنكن على يقين  من أن المستقبل الزاهر فيه خير الجميع وسعادة الجميع ويحتاج إلي جهد الجميع. إذا وعينا ذلك جيداً وقام كل منا بدوره توزع الثقل وقل الضرر.    

Sunday, January 2, 2011

أحداث سيدي بوزيد


أحداث سيدي  بوزيد...

من أجل أن تبقى شأنا وطنيا محضا
أ.د.سالم لبيض
أستاذ محاضر في علم الاجتماع
جامعة تونس المنار
labiadhsalem@yahoo.fr

ما من شك في أن الاسم  لم يعد يتطابق مع المسمى والوقائع لم تعد تتطابق مع العنوان لأن الأحداث وبكل بساطة انطلقت شرارتها من سيدي بوزيد المدينة ومعتمدياتها المجاورة، ولكنها اليوم عنوان مناطق عديدة مثل القيروان والقصرين ومدنين وصفاقس وتونس العاصمة وسليانة وقفصة والكاف وباجة وبنزرت وحتى سوسة المدينة المحظوظة. ولا نعرف إلى أين ستمتد لاحقا لأن الأسباب التي ولّدتها لا تخلو منها مدينة ولا قرية ولا ريف ولا بادية فأين ما وليت وجهك ستعترضك "فلول" البطالين والمهمشين القابضين على جمر البطالة والفقر والتهميش. نحن نعرف ذلك جيدا لأن طلبتنا وطالباتنا كثيرا ما يستغلون هامش الحوار معهم لإثارة جدوى الدراسة والتعلم في ظل انسداد الآفاق المهنية وتكاثر بل وتضاعف أعداد الخريجين الذين تقذف بهم الجامعات إلى الشوارع دون وجود بصيص أمل في الشغل ولو كان ذلك بعد عدة سنوات، حتى وصل عددهم إلى أكثر من 150 ألف حسب الإحصائيات الرسمية للدولة وحسب الأرقام التي تنشرها بعض الوزارات عند إجراء مناظرة أو فتح خطة لانتداب عون أو مجموعة من الأعوان، ليضاف إليهم 40 ألف خريج حامل للأستاذية أو الإجازة سنويا لا يشتغل منهم إلا النزر القليل ومن بينهم من لا يجد لنفسه مكانا في سلم الشهادات التي تعترف بها المؤسسات العمومية والخاصة ولا يُنتدب أصحابها للعمل إلا بقدرة قادر، وهنا نشير تحديدا إلى خريجي علم الاجتماع الذين تتناثر المواد المشكلة لاختصاصهم في البرامج التربوية دون أن يتولون تدريسها، وفي مختلف المؤسسات دون أن ينتدبون لمعالجتها.
نتساءل من موقعنا بوصفنا من أهل الذكر في شؤون المجتمع وقضاياه هل أن الأمر يتعلق بمجرد حادث معزول قام به شخص لم يمتثل للتراتيب المعمول بها والقوانين المنظمة للحياة العامة فأقدم على حرق نفسه، وآخر اختار الانتحار لأسباب مجهولة، يستغله اليوم من يصطادون في المياه العكرة كما يروج لذلك الإعلام الرسمي؟ إن التحليل والفهم الذي ينشد الموضوعية هو في منأى عمّا يروجه الإعلام الرسمي من خطاب صالح لكل زمان ومكان في تشخيص مثل تلك الأحداث فهو مُنسحب لا محالة على أحداث الخبز لسنة 1984 وما جرى في الرديف سنة 2008 وفي بنقردان سنة 2010 ..، على الرغم من أن ذلك لا يخدم المجتمع ولا مؤسسة الدولة والحكم التي من المفترض أنها تعبيرة من تعبيرات ذلك المجتمع. إن التعريف البسيط لما جرى ويجري في سيدي بوزيد ومدنها وقراها وفي مختلف مناطق البلاد الأخرى هو نوع من الحراك الاجتماعي والسياسي الذي يفرضه المجتمع من فترة إلى أخرى لتعديل أنساقه وأنظمته وجعلها تشتغل بطريقة سليمة ومتوازنة وقد عرفت البلاد الكثير منه بداية بربيع العربان الذي قاده علي بن غذاهم وصولا إلى الاحتجاجات الراهنة، وهو فعل ناتج عما تقوم به الحركات الاجتماعية والسياسية ومختلف مكونات المجتمع المدني والسياسي من دور تعديلي لوظيفة الدولة بوصفها الجهاز الوحيد الذي يمتلك شرعية استخدام العنف والإكراه واحتكاره. وعندما تُفكك قوى الحركة الاجتماعية الجديدة المنبعثة من قفصة والرديف ثم من برقردان وصولا إلى سيدي بوزيد وما تلاها، تقابلنا منذ البداية قوة شبابية لا يُستهان بها تبدو من أول وهلة أنها عفوية وغير منظمة وهذا بدوره أمر خطير لأن تلك القوة  تنبعث من خارج التوقعات والبرامج والمؤسسات بالرغم من الاستشارات الشبابية والسنة الدولية للشباب وما صاحبها من دعاية لم تعد تقنع الشباب أنفسهم ومن استثمار سياسي بدا مبالغا فيه. ولكن عفويتها تبدو محدودة فهي تمثل قوة احتجاجية لم يفلح في "تدجينها" الخطاب الأيديولوجي والسياسي الرسمي الذي كثيرا ما وصف نفسه بأنه المؤتمن على البلاد والعباد. وهؤلاء الشبان الذين يشعرون بأنهم تحت الضيم مما دفعهم إلى الشوارع والاحتجاج وحتى "التمرد"، لم يتمكن ذلك الخطاب من الحفاظ على وظيفة الوصاية التي يتولاها تجاههم منذ نصف قرن أو يزيد، وهذا درس مهم من الدروس المستفادة. وهذه القوة الشبابية التي تتظاهر هنا وهناك وإن اختارت التظاهر كأسلوب فهي تعبر بذلك عن الوعي بالخلفية المدنية في المطالبة بالحقوق لأن بعض أترابهم وأصدقائهم وأقرانهم في المدرسة والجامعة  اختاروا الانتماء إلى تنظيمات القاعدة والجهاديين وتعج بهم السجون والمحاكم والملاحقات ومنهم من لقي حتفه في إحدى الجبهات العسكرية المفتوحة لفائدة كبار اللاعبين الاقتصاديين الدوليين وهو يعتقد أنه يقاتل دفاعا عن إعلاء كلمة الله في الأرض، والبعض الآخر ألقى بنفسه إلى حيتان البحر لتأكله وهو يحلم بالوصول إلى أروبا الجنة المنشودة. فهذا الشكل أي التظاهر والاحتجاج في الشوارع هو دليل خلفية فكرية ناضجة ومعتدلة، ولنقلب الصورة فما رأيكم أيها السادة لو أن هؤلاء الشباب العاطلين عن العمل لسنوات من خريجي الجامعة ومن غيرهم وبدل من التظاهر في الشوارع قام الآلاف منهم بإحراق أنفسهم أو الانتحار على أعمدة الكهرباء وتوزيع صورهم على وسائل الإعلام العالمية فكيف سيكون موقف الحكومة والقائمين على الدولة والمجتمع؟ إن هؤلاء الشباب يتأثرون بدون شك بما يشيعه الإعلام ولهم من الإمكانيات الذهنية التي تمكنهم من تقمص الأيديولوجيا أو الموقف السياسي الذي يبتغون وأن وصفهم بالعفوية التامة هو نوع من الانتقاص من قدراتهم ومن وعيهم ومن إرادتهم بل هو احتقار فاضح لهم ولمطالبهم المشروعة، وهو بالإضافة لكل ذلك نوع من التعسف ضدهم. إن هؤلاء الشباب يعلمون أن تضحياتهم الكبيرة على مقاعد الدراسة لم تمنحهم ما تمنحه ملاعب كرة القدم أو مسارح الأغنية أو المسلسلات التلقزيونية أو بعض الأنشطة الربحية القائمة على المضاربة، لأصحابها من مال وشهرة ودعاية وسلطة وتأثيرا، لكنهم لم يتوقعوا البتة أن الدراسة والجامعة ستتحول إلى نوع من الرذيلة الاجتماعية لأن خريجها باتوا في أدنى سلم التراتب الاجتماعي أو هو سلم القيم قد انقلب إلى ضده. دوافع كثيرة قادت الشبان إلى هذا الفعل الاحتجاجي من أهمها سوء التوازن الجهوي واستشراء التجاذبات الجهوية التي تحولت إلى نوع من مراكز القوى في أوساط أصحاب القرار فأنتجت مشاريع تنموية مختلة لفائدة بعض المدن الساحلية والعاصمة على حساب بقية المناطق في الشمال والوسط والجنوب، وكثيرا ما كانت نتيجة ذلك تفاقم النزوح والهجرة فأُفرغت مناطق بكاملها وعظُمت أخرى وباتت العاصمة(تونس الكبرى) والمناطق الساحلية وصفاقس، تعدُ أكثر من ثلثي البلاد فتتمركز بها الوزارات والإدارات والمستشفيات والمصانع الكبرى وغالبية النزل والجامعات الهامة، كل ذلك في مثلث أضلاعه محددة، وباتت بقية الجهات مجرد مطمور لخدمة ذلك المثلث وتوفير مستلزماته، فما تنتجه من ثروات طبيعية من نفط وغاز وفسفاط وحديد وملح (لا يُعرف حجمها تحديدا)  .. ومن منتجات زراعية وفلاحية -ومنطقة سيدي بوزيد أحسن مثال على ذلك- تعود بالنفع على ذلك المثلث لاسيما العاصمة منه لأنها تحتوي المقرات العامة للشركات المستثمرة العمومية منها والخاصة. إن اللافت للانتباه هو طبيعة القوى التي تقف وراء تلك الحركة الاجتماعية التي انتشرت كالنار في الهشيم، فالأمر لا يتعلق بمجرد فعل عفوي لشاب أو مجموعة من الشباب وإن كان منطلقه كذلك، لأن كافة التحركات بدون استثناء قد احتمت بالاتحاد العام التونسي للشغل، وإن تنصلّت قيادته من تبنيها (انظر تصريح عبد السلام جراد الأمين العام للاتحاد إلى جريدة الصباح بتاريخ 28 -12-2010)، فإن النقابات وإطارات وقواعد المنظمة النقابية هم القوة التي أسندت الفعل الاحتجاجي وحولته من رد فعل "عفوي" إلى فعل منظم ولعل ذلك قد وفر الفرصة أمام كثير من النقابات والاتحادات المحلية والجهوية وحتى المركزية للخروج مما يمكن تسميته بالبطالة النقابية وتغيير اتجاه النقاش العام في الوسط النقابي من الداخل ووجهته الفصل العاشر والتداول المشروع على السلطة والمسؤولية، إلى الخارج ووجهته القضايا الاجتماعية المتعلقة بالتنمية والبطالة والتشغيل. وهذا الأمر يكاد ينسحب على الأحزاب السياسية المعارضة بتوجهاتها المختلفة فكافة قواعدها ومناضليها وحتى قيادتها تبدي التعاطف مع الأحداث أو تشارك فيها أو في قيادتها ميدانيا، ولكن بعضها يجد نفسه تحت الضغط الحكومي الداعي إلى عدم المشاركة والتأييد وفي أحسن الأحوال تجاهلها أو التنديد بمن روج لها إعلاميا وخاصة قناة الجزيرة القطرية وتحويلها إلى كبش فداء (بيان الاجتماعي التحرري والاتحاد الديمقراطي الوحدوي والوحدة الشعبية وحزب الخضر بتاريخ 27-12-2010) في حين أن نفس الدور تتولاه قناة الحرة الأمريكية وفرنسا 24 الفرنسية وكثير من القنوات الأخرى، وقد يعود ذلك إلى غياب الإعلام الرسمي عن مسرح الأحداث وتجاهله لما يجري ليحل محله ما بات يعرف بإعلام المواطن الذي ينطلق من ساحات الفعل اليومي إلى القنوات الدولية مباشرة مستخدما وسائط النت، أما البعض الآخر من الأحزاب فقد وجد في الحركة الاحتجاجية مبتغاه واصفا إياها بالانتفاضة والثورة وكأنها الفرصة المتاحة لتصفية حسابات قديمة عالقة مع الحكومة والحزب الحاكم وسياساته. ولكن هذا الاتجاه تدعمه شريحة مهنية ذات تأثير ومصداقية ونقصد بذلك المحامين الذين نظموا أو شاركوا في العديد من المسيرات والاعتصام واصفين تلك المشاركات بأنها عربون دفاع عن الحق وهم الصف الأول للقيام بهذه المهمة، تشهد على ذلك كثير من المحاكم في مختلف الولايات. إن مشاركة النقابات والأحزاب والمحامين يعطي الدليل على أن الحركة الاحتجاجية ليست مجرد فعل معزول أو غوغائي وهي لا تستهدف الحكومة في ذاتها وإن تبنى البعض ذلك الاتجاه وإنما تهدف إلى تغيير السياسات العامة للدولة. وهذه السياسات لم توضع بعد نقاش عام وحقيقي وشفاف شاركت فيه مختلف الأطراف المذكورة سلفا، كما أنها اختيارات رسمت من قبل المقرضين من أمثال الاتحاد الاروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهم وبصماتهم في التفويت في مؤسسات الدولة لتسديد الديون المتخلدة بادية للعيان ومنشورة على مواقع الوزارات مرجع النظر، ناهيك أن المشرفين على وضع تلك السياسات والمشرفين على تنفيذها لم يتغيروا في أغلبهم منذ أكثر من عشريتين وما يعنيه ذلك من عدم بعث روح جديدة ودم جديد يستند إلى أفكار ورؤى مغايرة  في جمهور المشرفين على تسيير الدولة الذين هم في حاجة إلى القيام بعملهم في كنف الشفافية والوضوح والخضوع للرقابة الإعلامية والقضائية. لكن يبدو أن الحكومة قد سلكت مسلكا آخر يعتمد اتجاهات  ثلاثة، الأول أمني يلوّح باستخدام العصا الغليظة أو هو يستخدمها وكأن التاريخ متوقف في زمنه الأول، وذلك بالتصدي للتحركات وملاحقة من يصنفون بالخروج على القانون وتقديمهم للمحاكمة أو وضعهم على ذمتها، والثاني يعتمد نوع من "الرشوة" للمناطق التي تشهد تحركات وذلك بضخ مزيد من الأموال لم تكن مبرمجة سابقا ضمن ميزانية تلك الجهات، لتحسين وضع المحتجين وإسكاتهم وثنيهم عن مواصلة حركتهم، وهذا العلاج لا يزيد الوضع إلا تأزما لأن الجهات التي لا تحتج لا يكون لها نصيبا وهذا يدفع بعدوى الاحتجاج في الجهات إلى أقصى درجاته، والثالث هو تجييش الإعلام الرسمي وما كان يعرف سابقا بالمنظمات القومية بوصفها جزء من المجتمع المدني، والهيئات التشريعية وكذلك بعض الأحزاب القريبة من مؤسسة الحكم لإدانة ما يجري ومن يقف وراءه من أعداء حقيقيين أو وهميين يعملون على تشويه صورة البلاد النقية الناصعة والتآمر على النجاحات التي تحققت...إلخ. وهذه المعالجة بمكوناتها الثلاث لم تعد الوصفة الأنجع في مشهد سياسي واقتصادي دولي صعب ومعقد سرعان ما تتمكن قواه النافذة من تدويل ما كان بالأمس القريب وطنيا صرفا، ولنا في جنوب السودان ودارفور ولبنان ويوغزلافيا السابقة...أمثلة دالة في دعم هذه المجموعة أو تلك،  وعندها لن ينفع ندم النادمين من الحكام والمحكومين.