Monday, May 23, 2011

خلود الجمال عبر الأجيال






فتاة ليبية للفنان بشير حمودة 

لقد تفنن الرجال عبر الأجيال في وصف و إطراء ملامح الحسن و الجمال في بنات حواء، و لا يفرقهم في هذا لغة أو زمان أو قومية أو دين فسبحان من جعل للجمال سحر لا يفنى و لا يبيد. فمن ريشة الفنان الليبي بشير حمودة إلى شعر شاعر الإنجليزية ويليام شكسبير إلى ترجمة شاعرنا الحديث احمد إبراهيم و كل من هم يغني على ليلاه.

Eternal Life

Poet: W. Shakespeare

Shall I compare thee to a summer's day?
Thou art more lovely and more temperate.
Rough winds do shake the darling buds of May,
And summer's lease hath all too short a date.
Sometime too hot the eye of heaven shines,
And often is his gold complexion dimmed;
And every fair from fair sometime declines,
By chance, or nature's changing course untrimmed.
But thy eternal summer shall not fade
Nor lose possession of that fair thou ow'st;
Nor shall death brag thou wand'rest in his shade,
When in eternal lines to time thou grow'st,
So long as men can breathe or eyes can see,
So long lives this, and this gives life to thee.

ترجمة الشاعر أحمد إبراهيم

يا حبيبا وهل أرى يوم صيف       لك كاف لكي يحاكي الجمالا
إنما للجمال عندك سحر           غلب الصيف زينة واعتدالا
إنّ في الصيف من رياح شداد           ولآيار من زهور تبيد
وأرى الصيف عمره بعض يوم      ولعين السماء وهج شديد
ينطفي لونها وكانت نضارا      تتجلى بالحسن وقت الأصيل
كل حسن مصيره لزوال            مع مرور الزمان والتبديل
إنما صيفك الخلود سيبقى          حسنه منك دائما لن يزولا
لن تكوني للموت يختال زهوا    وهو يلقي عليك منه ظلالا
طالما في الأنام من هو حيّ        وعيون ترى وتقرأ شعري
                           ستعيشين في متون القوافي       وحياة الخلود فيك ستسري                              


مَنْ يرفض الاصلاح و المصالحة الوطنية ؟


استدراك

لقد نشرت هذا المقال على موقع ليبيا وطننا بتاريخ 9 ديسمبر 2003م، و أنا الآن أضيفه إلى مدونتي للتوثيق. و للتاريخ أحب أن أقول أنني كنت من مؤيدي و مشجعي المصالحة مع توقعي أنها قد لا تنجح، و لكنها ستمكن عددا كبيرا من المعارضين من دخول البلد و تساهم في خروج أعداد كبيرة من السجناء السياسيين و كان لدي شعور بأن الوضع قد ينهار في أي لحظة و وجود معارضين بالداخل سيخدم مصالح ليبيا.

 و للتاريخ أحب أن أسجل أن التعليق الوحيد الذي استلمته بالبريد الالكتروني كان من سيف ألقذافي و قال: رسالتك وصلت يا دكتور و يوما ما سوف نلتقي. و لكنني لم أرد عليه و لم نلتق أبدا.

مقدمة

لا يختلف عاقلان على  أن الاصلاح  والمصالحة الوطنية هي أفضل حل للمشكلة السياسية في ليبيا ، بل وفي أي قطر عربي . وإذا تصالح العرب مع الصهاينة فلماذا لا يتصالح العرب مع بعضهم البعض ؟

ولكن ما هي المصالحة الوطنية المطلوبة ؟

هل هي مصالحة وطنية شاملة أم مصالحة مصالح مرحلية ؟. أم هي مصالحة بين النظام والشعب ككل ؟ وذلك بتسليم السلطة إلي صاحب الحق وهو الشعب الذي دفع الثمن عبر الأجيال تضحيات و دماء و دموع. وذلك في شكل يحمي مصالح كل الناس أي كل الفئات ويضمن الاستمرارية ويحقق التقدم والازدهار . وإذا كان هذا هو المطلوب فماذا يمكن لكل مواطن حسب موقعه أن يقدم ليحقق هذا الهدف السامي؟

في هذا الإطار يمكن تحديد ثلاثة فئات لها أدوار مختلفة وذلك حسب قدرتها وموقعها من الإعراب السياسي، وقبل أن نتكلم عن هذه الفئات علينا أن نتفق على أسس للتعامل يلتزم بها الجميع:

1- نبذ العنف و إتباع الأساليب السلمية في التعامل سواءً كان ذلك تعاوناً أو صراعاً سياسياً معارضة ونظاما.

2- نبذ العمل السري والاتجاه إلي العمل العلني بما يبني الثقة ويصقل التجارب ويكشف العيوب.

3- احترام القوانين والشرائع والأعراف الدولية خلال مراحل الانتقال من الخلاف إلي المصالحة الشاملة.

4- الاحتكام إلي رأي الأغلبية وإجماع الشعب على المستوى العام والاحتكام إلي المحاكم على مستوى الأفراد والحقوق الشخصية.

5- إخراج القوات المسلحة والأجهزة الحكومية من اللعبة السياسية بالكامل.

6- احترام الرأي الآخر مهما كان مختلفاً.

7- جعل مصلحة الوطن فوق جميع المصالح الشخصية والقبلية والحزبية.

8- نبذ الأحقاد الشخصية واحترام حق الجميع في المشاركة في العمل السياسي وبناء المستقبل.

9- الاستعداد لتقديم التضحيات والتنازلات إيثاراً لمصلحة الوطن وتحقيقاً للصالح العام للشعب.

10- التحلي بالصبر فالعملية قد تحتاج إلي وقت طويل تمر خلاله بعدة مراحل.

     وأهم أهداف  المصالحة و الإصلاح يجب أن يكون تحسين مستوى المعيشة داخل الوطن وصولاً إلي تحقيق الشرعية الدستورية فى نهاية المسار.

 ويمكن تحسين مستوى المعشية داخل الوطن بالخطوات التالية:

 1) توفير فرص عمل لكل مواطن.

 2) دفع الرواتب والأجور في موعدها المحدد.   

3 ) تحديد سعر صرف الدولار لايزيد عن 300 درهم .

4) توفير خدمات صحية لائقة.

5) توفير خدمات تعليمية مجانية لكل أفراد المجتمع .

6) توفير الأمان والاطمئنان للمواطنين

دور الليبيين في المهجر    

يوجد خارج ليبيا مئات الألوف من المواطنين الذين دفعتهم ظروف البلد إلي الانتقال إلي الخارج ومهما  تعددت الأسباب فالحال واحد، ويوجد شبه إجماع على الإحساس بالواقع المر والمستقبل المظلم لكل ليبيا وكل الليبيين إذا تركنا الحبل على الغارب ولم نفعل شيئاً على طريق الإصلاح . ولكن واقع الليبيين في المهجر حالياً لا يساعد كثيراعلى أية مساهمة إيجابية وبناءة في خدمة مصالح الوطن. فالغالبية العظمى موقفها سلبى و غير ايجابي وقد يكون السبب هو انعدام تهيئ الظروف الملائمة للمساهمة الايجابية وذلك لغياب الرؤية السليمة والبرنامج العلمي والعملي المناسب لتحقيق شأ ملموس على أرض الواقع بشكل عقلاني و واضح المعالم والأهداف والوسائل. ولا يمكن لليبيين في الخارج لعب دور أساسي في المعادلة الليبية بل يمكنهم لعب دور مساعد في إظهار المظالم وإبراز الحقوق والاتصال بمن يمكن أن يكون له دور في القضية والاستعداد دائماً لتقديم الخبرات لتذليل الصعاب و إدارة الحوار بنزاهة و حيادية.

دور الليبيين في الداخل  

 المقصود بالليبيين في الداخل عامة الشعب الذي فقد القدرة على التأثير فقرر الانسحاب من الميدان ورضي بالقليل. ويمكن تلخيص دور هذه الفئة في استرجاع حقوقها من خلال المؤسسات الرسمية في المجتمع وذلك من خلال التكاتف والتعاون. ونقطة البداية في عملية المصالحة الوطنية ستكون بتفعيل الحوارات الوطنية بين المؤسسات والهيئات ، من خلال منتديات سياسية وفكرية وثقافية وطنية ، وذلك بالحضور والتفاعل الايجابي الصادق والشجاع . وتفعيل النقابات  و الاتحادات والروابط المهنية وجعلها الحامية لأعضائها . والوقوف إلي جانب المظلومين من فئات وأفراد المجتمع .

ومن خلال الممارسة سوف تبرز قيادات شعبية تصقلها التجارب كما سيتم تطوير وبلورة الحلول ووضع التصورات للمستقبل والجميع يعلم أن من دفع ويدفع الثمن الأكبر ويعاني في كل الأحوال هو شعبنا الطيب، فهو صاحب المصلحة الحقيقية في المصالحة و الإصلاح. والجميع يجب أن يراهن على صدق هذا الشعب وعلى صبره وشجاعته وعلى حكمة أبنائه وبناته في كل المواقع و بدون استثناء.

ولقد أنجبت ليبيا عبر العصور رجالاً أشاوس كان لهم دور بارز وهام في تاريخ المنطقة والعالم ولا زالت تنجب كل يوم. إنما هي التجارب التي تصقل الرجال، والشاعر الليبي قال:

" من لم تحنكه يد التجريب يعيش في ديناه كالغريب "

دور النظام الحاكم               

 النظام الحاكم هو المسيطر على مجرى الأمور خلال الأربعة العقود الماضية وكل من بقى هذه المدة فهو جزء من النظام طالما كان له دور في أخذ القرار أو في استمرارية النظام. ونحن هنا نريد أن نصل إلي بر الأمان بالشعب ككل وكل من يريد السلامة لهذا الشعب فهو جزء منه له ماله وعليه ما عليه. و نرحب  بالنقد الذاتي و الشجاع  الدائرفى الداخل و أبرز أركانه سيف الإسلام القذافي و عموم الشباب الليبي  الذي يتطلع إلى مستقبل أفضل.

      وللنظام الليبي الذي يعترف بكل شجاعة بكل الأخطاء دور هام وتاريخي في المصالحة الوطنية وتبنى عليه قرار هامة منها:

1- إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين.

2- إصدار عفو شامل وإلغاء أي حكم صادر في حق الليبيين في الداخل والخارج.

3- حل مكتب الاتصال باللجان الثورية وإنهاء علاقته بالدولة،  ويمكن له أن يكون تياراً سياسياً إذا توفرت لدى أعضائه القناعة بذلك.

4- حل جهاز الأمن الخارجي  وتسخيرجهاز الأمن الداخلي لحماية المواطن و الوطن.

5- إطلاق يد المؤتمرات الشعبية لصياغة المستقبل بشكل ديموقراطى حر.

6- فتح قنوات الحوار الهادف مع جميع الفئات في الداخل والخارج في شكل جمعية وطنية تأسيسية لوضع دستور دائم .

 

       


Sunday, May 22, 2011

عبد الكريم محمد لياس..رجل المواقف الوطنية



عبد الكريم لياس سنة 1968 م
         عبد الكريم لياس رمز من رموز النضال السياسي الوطني الليبي حيث ولد خلال فترة الاحتلال الإيطالي لليبيا و شب على النضال و ساهم في الحراك السياسي الذي قاد للاستقلال، و شارك في المسيرة الوطنية إلى أن أصبح وزيرا للزراعة و الثروة الحيوانية عند ما تمت الإطاحة بالنظام الملكي.
مولده و نشأته
 ولد السيد عبد الكريم لياس بمدينة درنة سنة 1917 م. و كبقية أباء جيله تعلم في المدارس و الكتاتيب العربية الأهلية ثم التحق بالمدرسة الايطالية فأتقن اللغة الإيطالية. بعد ذلك دخل معترك الحياة في مجال العمل. و يحمل السيد عبد الكريم في عنقه إرثا من المواقف الوطنية يمتد عبر السنين إلى جده محمد لياس الذي واجه الغزو الامريكى سنة 1805 م، و هذا الإرث و التراث ارتسم على خطاه خلال سني حياته و مواقفه في ليبيا و كذلك يفعل كل أصيل. و نسب السيد عبد الكريم لياس متصل حسب شجرة عائلة لياس إلى السيد محمد ابن السيد إدريس الأصغر حفيد سيدنا الحسن ابن سيدنا على بن أبى طالب كرم الله وجهه.
 صفاته
أما أبرز ما كان يتصف به السيد عبد الكريم حسب رواية أقرب من عرفه، إنه كان قليل الكلام و مستمع جيد و إذا تكلم فإنه يختصر و يفيد. و كان قليل الضحك و إذا سمع ما يسره فإنه يتبسم.  كما كان كريما و حكيما متزنا يسمع من جميع الأطراف قبل أن يصدر حكما. يحسن التصرف مع الغير، هادئ الطبع يكتم غضبه و يلاحظ ذلك على ملامح وجهه. كذلك كان يجيد تنظيم وقته بين أعماله و زياراته و قراءته و كان يلتزم بنصائح و توجيهات الأطباء فيما يخص حياته الشخصية فعاش في صحة طيبة بصفة عامة إلى يوم وفاته. كما كان نزيها في تعاملاته المالية فلم يستغل منصبه في تنمية ثروته و لم يتمكن من بناء بيت لأسرته في طرابلس إلا في عهد الجمهورية.
مواقفه في الحياة
 في مراحل حياته المختلفة كانت للسيد عبد الكريم مواقف وطنية و قومية مشرفة، ومثل هذه المواقف تدل في العادة على معدن صاحبها. فبينما قرر أن يقف بعضها باختياره، فإن مواجهة بعض الأحداث فرضت عليه أصعبها.
موقفه من التجنيد الايطالي
عند ما تم استدعاء الليبيين للالتحاق بالجيش الايطالي على اعتبار أنهم ايطاليون حسب القانون الايطالي الظالم، قرأ السيد عبد الكريم نموذج الانضمام فتبين له أن النموذج يشير إلى تطوع المعنيين فاعترض على ذلك بحجة انه استدعى قهرا و لم يتطوع. و بالتالي أحيل إلى أحد الضباط  فلم يستطع تغيير رأيه، ثم إلى ضابط آخر أعلى رتبة،  ثم إلى آخر وعند ما لم يتمكنوا من إرغامه على التوقيع  تقرر عدم التحاقه بالجيش الايطالي و بهذا نجا من خدمة العلم الايطالي بفضل إجادته للغة و قوة عزيمته.
جهوده في توحيد الجبهة الوطنية
لقد كان السيد عبد الكريم لياس احد أهم الذين ساهموا في توحيد مطالب قبائل برقة لتصب في مصلحة ليبيا ككل من خلال التخطيط و المشاركة الفاعلة في المؤتمر الوطني العام ببنغازي . ففي الوقت الذي كان فيه الكثيرون يطالبون باستقلال برقة تحت إمارة إدريس السنوسي و كانت أصوات كثيرة في طرابلس تنادى بإعلان الجمهورية الطرابلسية غربا انعقد المؤتمر الوطني العام في مدينة بنغازي و ضم ممثلين عن كل القبائل و المؤسسات الأهلية بجميع مناطق برقه بتاريخ 10 يناير 1948 م، و في نهاية الاجتماع أصدر المشاركون القرارات التاريخية الآتية:
1 ) البلاد الليبية مستقلة استقلالا تاما وموحدة بحدودها الطبيعية.
2) لا نقبل استعمارا و لا وصاية و لا انتدابا أجنبيا.
3)أمير البلاد الشرعي المطاع على ليبيا هو حضرة صاحب السمو المعظم الأمير السيد محمد إدريس المهدي السنوسي المعظم و أن تكون الإمارة وراثية في البيت السنوسي.

وكان هذا القرار بالإجماع و لا تنازل عنه مهما كانت العواقب, و بالتالي تغلب الشعب الليبي على معضلة الانقسام و التجزئة بين الشعب الليبي و بين الولايات الثلاث في ذلك الوقت طرابلس و برقة و فزان. و لقد تجلت في هذا الاجتماع حكمة الحاضرين و هم أهل الحل و العقد في برقة بخياراتهم الوحدوية و الوطنية في الاستقلال و الوحدة لكامل التراب الليبي.
دوره في جمعية عمر المختار فرع درنة
قام السيد عبد الكريم بدور بارز كسكرتير لجمعية عمر المختار التي خاضت النشاط السياسي و الاجتماعي في درنة لمدة ثلاثة سنوات، حيث ساهم في تنظيم نشاطاتها و إعداد تقاريرها و شارك في قيادة و تنظيم المظاهرات المطالبة بالاستقلال و الرافضة للتقسيم و الانتداب. كما ساهم في تعديل نظام الجمعية الأساسي بما يحقق ولوجها العمل السياسي، هذا العمل الذي كان له دور هام في رفع مطالب و رغبات الشعب الليبي في العالم و الأمم المتحدة من أجل الحرية و الاستقلال.
موقفه من القواعد الأجنبية
نشر السيد عبد الكريم لياس مقالا في مجلة ليبيا عام 1953م يخاطب فيه الملك مطالبا بعدم تمكين الأمريكان من إنشاء قاعدة لهم في ليبيا و يطالب فيه الملك بتلبية مطالب الشعب الرافضة لإعطاء قواعد لأمريكا على التراب الليبي. و كان في هذا الموقف في منتهى الشجاعة و الوطنية.
مطالبه في المجلس التشريعي البرقاوى
من خلال تواجده كعضو منتخب في المجلس التشريعي البرقاوى كان له العديد من المواقف و التى لا يسمح المجال بالخوض فيها كلها لكننا سنشير إلى أهمها و هي الآتية:
1) تقدم بتوصية إلى الحكومة لتغيير فتح رسائل العطاءات و لتكون إما بحضور مقدميها أوبنشر العطاء الفائز على صفحات الجرائد. وتمت الموافقة عليها بالإجماع.
2) طالب بإلغاء الآتي:
استعمال أغلب السيارات الحكومية بواسطة الموظفين
حراسة بيوت الشخصيات الحكومية
استخدام الموظف في عمل شخصي
استخدام المساجين في بيوت الموظفين
إصلاح أي بيت حكومي كان من قبل مسكونا
و قد تم العمل بأغلب هذه المطالب التقدمية في عصر بدايات الملكية في ليبيا.
3) قدم اقتراحا بزيادة الحد الأدنى لأجور العمال.
4) طالب بالحد من استيراد الكماليات و الأشياء التي تنتجها البلاد.
إن هذه النماذج من المواقف تعطى صورة واضحة عن نمط تفكير السيد عبد الكريم و أسلوبه في التعاطي مع شؤون الدولة من أجل صالح عامة الشعب. و بالتأكيد كان له مواقف و أعمال و إنجازات عديدة في المواقع المختلفة التي عمل بها ومن أبرزها مشروع  سد وادي المجينين الذي وقعه السيد عبد الكريم لياس عند ما كان وزيرا للزراعة، و كان يتطلع إلى توقيع عقد مشروع سد وادي القطارة بعده.

وفاته
توفى السيد عبد الكريم لياس بمنزله الكائن بمدينة طرابلس بعد إن أدى صلاة الفجر في منزله يوم التاسع و العشرين من مارس سنة 1995م. و قد حزن لفراقه أهله و رفاقه و أصدقاؤه. و من أبرز من رثى المرحوم بإذن الله هو الأستاذ أحمد الصالحين الهونى علما بان خلافا كبيرا وقع بين الاثنين خلال حياتهما و لكن هذا الخلاف لم يفسد للود قضية.  فوصفه الأستاذ الهونى بأنه رجل الشموخ و المواقف النبيلة و هذا يدلنا على معادن هؤلاء الرجال.



Saturday, May 21, 2011

كاباو من نفائس جبل نفوسة



جبل نفوسة كما بدا لنا من قرية قصر الحاج

كثر الحديث عن جبل نفوسة هذه الأيام بشكل يدفع المرء ليعرف أكثر بعض من نفائس هذا الجبل الأشم و يسمي هذا الجبل باسم القبيلة الأمازيغية التي سكنته خلال القرون الماضية، و يضم الآن بين جنبيه عرب و أما زيغ و بعض الطوارق و كالعقد ينتثر على قممه الشاهقة العديد من القرى الجبلية و يمتد من غريان شرقا إلى أن يلتحم بجبال الجزائر من الغرب على شكل هلال يحيط بنجمة ليبيا أو طرابلس و ما حولها من سهول.


قصر كاباو

كاباو
كاباو هي إحدى مدن جبل نفوسة و تكتسب أهمية تاريخية خاصة ففيها عاش المجاهد الكبير سليمان الباروني و كثيرين من عائلة الباروني و هم من مشايخ و علماء الأباظية و ينحدرون من أصول عربية من منطقة عمان.


بيت المجاهد سليمان الباروني من وسط البيت و يرى الماجن
 و لا زال فيها البيت الذي سكن فيه سليمان الباروني عند ما زرته في أكتوبر 2010م. كما توجد مكتبته و مكتبه الذي كان يستقبل فيها زواره و هي الآن أثر بعد عين.


جانب من مكتبة سليمان الباروني منحوتة في الصخر بمكتبه القريب من بيته
و من أهم معالم كاباو قصرها الشهير وسط المدينة القديمة و الذي كان يستخدم كخزانة عامة لكل الأغراض من زيت و عسل و حبوب و أدوات و كذلك الأوراق المهمة لأهل كاباو، كما هو الحال في العديد من القرى الجبلية في شمال أفريقيا.


معصرة الزيتون بالجبل

و من الأشياء العجيبة و التي تستحق الزيارة معصرة للزيتون تدار بالجمال تم قطعها من الجبل داخل كهف تحت الأرض و لا زالت في شكل جيد، و تقول الخرافة الشعبية أن الجن نحتوها للشيخ سعيد الباروني و الذي يعتقد الناس أنه تحكم في الجن و له كهف مقابل للمعصرة يقدسه الناس إلى الآن بوضع الشموع و البخور في هذا الكهف.


أحد مساجد القرية

كما توجد طاحونة للحبوب كانت تدار بواسطة الجمال في القرية.


طاحونة الحبوب بأحد الكهوف

و قد تأقلم أهل الجبل مع طبيعة الجبل فهم يجنون ثمار الزيتون الفرعوني و هي كناية عن أشجار زيتون يقدر عمرها بآلاف السنين، زرعها أجداد القوم الأوائل و يرعون الماشية كما يزرعون الحبوب في السهول القريبة من الجبل.


شجرة زيتون قرعونية

 و قد تمرس سكان كاباو على صعوبة الحياة و سكنوا أعالي الجبال فسمت أرواحهم، فهم يتميزون بعزة و أنفة و كرم مع قلة في الكلام و شدة في العزائم و هذه هي طبيعة أهالي الجبال.


هكذا تبدو البيوت على قمة الجبل

 و قد نحتوا في الجبال بيوتا و استخدموا صخور الجبال في بناء البيوت السطحية و هي عادة ما تتكون من عدة أدوار حسب حجم العائلة.


منظر عام لكاباو من أمام القصر

و هكذا يتعلق قلب الليبي بموطنه و مسقط رأسه و لو كان في قلب صخرة، و يعتز بالانتماء إليه و يدافع عنه عبر العصور جحافل الطغاة و الغزاة و المعتدين.

Wednesday, May 18, 2011

عبد الرازق شقلوف... من فرسان الاستقلال والدولة


مولده ونشأته
          
ولد عبد الرازق شقلوف في مدينة درنة سنة 1914 ميلادية وعاش فيها فترة من الزمن؛ ثم عاش في ربوع ليبيا متنقلا بين القرى والمدن إلى أن عاد إلى درنة، ثم استقر في بنغازي آخر أيامه ليموت فيها سنة 2004 م. نشأ عبد الرازق في درنة يتيما حيث مات والده وعمره لم يتجاوز الخمس سنوات وتولت رعايته والدته، و التحق في سنينه الأولى بكتاب المرغني ، ثم درس بالمدارس الإيطالية حيث أنهى دراسته بالمرحلة المتوسطة في العشرينيات من القرن العشرين. وفي سنة 1932 اشترك في امتحان إجازة المدرسين في بنغازي ونجح فيه وعين مدرسا للغة العربية باجدابيا سنة 1933 م. وخلال زيارته بنغازي للامتحان لقي اهتمام الأستاذ عمر فخري رئيس تحرير مجلة ليبيا المصورة 1936-1940، حيث أهداه مجلد العروة الوثقى التي كان يصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في باريس فانكب على قراءته مما ساهم في تشكيل وعيه السياسي في مرحلة متقدمة من عمره وكان يعتبر عمر فخري أستاذه في الوطنية. ثم أتيحت له فرصة زيارة روما في سنة 1933م و التي تم ترتيبها لعدد من الليبيين للإطلاع على معرض فيها؛ وكان بين رفاقه في هذه الرحلة الدكتور وهبي البوري و هو أحد كبار المخضرمين من رجال مدينة بنغازي، وبالتالي أتيحت الفرصة لعبد الرازق أن يلم ببعض جوانب الأحوال السياسية والفكرية بمدينة بنغازي، كما أتاحت له هذه الفرصة أن يرى مدى تقدم الحياة في الغرب من خلال روما.


عبد الرازق شقلوف في لقاء مع أحد مندوبي الدول العربية في الأمم المتحدة
         
 تنقل عبد الرازق شقلوف بين عدة مناطق من خلال عمله في التعليم حيث عمل في اجدابيا م1933 ثم الكفرة 1934م حيث افتتح أول مدرسة حديثة بها، ثم انتقل إلى سلوق سنة 1936 م وفيها درس بمدرسة خاصة بالأيتام وأحس بهموم وآلام الأيتام والفقراء وما فعله المستعمر بسكان ليبيا.
     بعد التعليم انتقل عبد الرازق إلى العمل الإداري حيث عين مديرا في اجدابيا ثم بعد ذلك في الفايدية ، ومما يجدر ذكره أن حياة التنقل هذه في تلك الأيام لم تكن سهلة فالمواصلات صعبة وظروف الحياة قاسية، فالبلد كانت في حالة استعمار وحرب لكن هذه الطريقة من الحياة ساهمت في تشكيل شخصيته وصقل خبرته في الحياة والإدارة والسياسة كما أتاحت له الفرصة للتعرف على رجالات البلد والخروج من قوقعة الانتماء الضيق إلى مدينة درنة فأصبح همه الكبير هو استقلال ليبيا.
        لقد كان عبد الرازق شقلوف أحد بناة رجال الدولة قبل أن يتحقق الاستقلال، فبعمله في التعليم مع العديد من رفاقه من أبناء ليبيا  وضعوا حجر الأساس  لإعداد جيل النهضة الذي ساهم في بناء صروح الدولة الليبية. أما اضطلاعهم بالأعمال الإدارية في مختلف قطاعات المجتمع المدني فساهم في تشكيل العقلية الإدارية الليبية من خلال الممارسة والاحتكاك بالعناصر الأجنبية سواء الإيطالية ثم الإنجليزية مما خلق جيلا من الكفاءات الوطنية في غياب التعليم العالي. ففي خلال فترة الاستعمار الإيطالي كان إعداد الكوادر الليبية بطريقة غير مباشرة كمن يشعل النار تحت الرماد؛ وأعني بها هنا جذوة الروح الوطنية والتطلع للاستقلال والحرية وبناء حياة أفضل. وتحضرني هنا كلمات ذكرها عبد الرازق لأخي الكريم محمد المفتي " كنت مديرا في الفايدية وكان المستعمرين الطليان منزلين في كبدي السم، كانوا يقولوا الجبل (الأخضر) لا مقر ولا ممر للعرب " وقد ذكر هذا المفتي في كتابة سهارى درنة، الصادر عام 2007 ميلادية.1

عمر شنيب و خليل القلال و عبد الرازق شقلوف في كواليس الامم المتحدة
مسيرته الوطنية

         لقد دخل عبد الرازق شقلوف الحياة العملية أيام الاستعمار الإيطالي وأحس بالظلم والقهر الذي يعيشه شعبه مع كل يوم مر به بين ربوع بلاده ولكن نقطة التحول في حياته كانت في رفقته لشيخ الشهداء عمر المختار شهرا ونصف عندما التحق بمعسكر المجاهدين في دور الفضيل بو عمر، ورافق في تلك الفترة المجاهد عبد الحميد العبار والمجاهد يوسف بو رحيل المسماري والمجاهد الفضيل بو عمر مما ألهب في نفسه الشوق للعمل الوطني و النضال السياسي المنظم. ولكن بقاءه في ادوار المجاهدين لم يطل لصغر سنه وقلة إمكانات المجاهدين،و حينها قال له سيدي عمرالمختار " يا وليدي أنت صغير وما عندناش شي لك، لا سلاح ولا كسوة " فعاد إلى درنة.
وبعد هزيمة إيطاليا في الحرب ضد الحلفاء وانسحابها من برقة ودخول الإنجليز بدأت مرحلة جديدة من العمل الوطني في حياة عبد الرازق شقلوف حيث بدأ تشكل العمل السياسي الوطني الليبي في العديد من المدن وخاصة درنة وبنغازي في الجهة الشرقية من خلال جمعية عمر المختار.
وعندما دخل الإنجليز برقة في ديسمبر 1940 م ووصلت طلائع جيش التحرير الليبي ومن بينهم المرحوم نوري الصديق الذي أصبح رئيسا للأركان في الستينات من القرن العشرين، أقام الليبيون احتفالا بالمناسبة ورفع عبد الرازق شقلوف العلم الليبي (علم إمارة برقة) لأول مرة في منطقة الجبل الأخضر وكان المعمرون الإيطاليون يراقبون ما يجري عن كثب.
  وفي فبراير 1941 م عندما انسحب الإنجليز باتجاه الشرق  وقع الليبيون المناهضون للطليان في حيرة ومنهم عبد الرازق شقلوف حيث كان يتوقع أن ينتقم منهم الإيطاليون، ونصحه أصحابه بالانسحاب مع الإنجليز إلى طبرق. وفي طبرق قابله نقيب في الجيش البريطاني يدعى هيزلن واتفق معه على العمل كفدائي خلف خطوط الإيطاليين كأحد أعضاء جيش التحرير الليبي، وشارك في العمل الفدائي عدة أشهر ثم أصيب بجروح في طبرق وتم ترحيله إلى مصر حيث دخل المستشفى في الإسكندرية، ثم نقل إلى السودان حيث التقى بالأديب عباس محمود العقاد في الخرطوم وعلي العنيزي وأستاذه السابق علي الحربي وعلي المكاوي و ونيس ألقذافي والعديد من الشخصيات الليبية والعربية مما أثرى علاقاته الفكرية والسياسة. وخرج عبد الرازق شقلوف من الحرب العالمية الثانية بحصيلة طيبة من المعارف وأهمها تعرفه على الشاعر الوطني إبراهيم الأسطى عمر الذي كان جنديا في جيش التحرير الليبي ثم أصبح رفيق دربه السياسي لفترة من الزمن، كما نال عبد الرازق ثقة الإنجليز بقدراته وذكائه وشجاعته.
 وفي هذه الفترة تبلورت في ذهن عبد الرازق والعديد من رفاقه فكرة الاستقلال التام لليبيا الموحدة. ووصل عبد الرازق إلى ذروة مسيرته الوطنية من خلال انتمائه إلى جمعية عمر المختار بدرنة والتي تأسست عام 1944 م تحت رئاسة علي باشا ألعبيدي، ففي ديسمبر 1945 م قررت الجمعية تأسيس رابطة للشباب كمنشط فرعي للجمعية و هي تختلف عن رابطة الشباب في بنغازي التي كانت تنافس الجمعية، واختير لها عبد الرازق شقلوف رئيسا. ولم تمض فترة وجيزة حتى انضم إلى هذه الرابطة ما يقرب من 250 عضوا وتنوعت أنشطتها الشعبية؛ و لكن بقى النشاط الثقافي هو المتميز والمؤثر في مسيرة الحياة الليبية.
 ويعتبر النشاط الثقافي لرابطة الشباب بدرنة بمثابة أكاديمية شعبية للتدريب وبناء المهارات السياسية والإدارية من خلال الندوات و المحاضرات و المناظرات؛ وشارك في هذه اللجنة كلٌ من عبد الرازق شقلوف وعبد الله سكته وإبراهيم الأسطى عمر والمبروك ألجباني.ولكن نشاط عبد الرازق المتميز أزعج الإدارة البريطانية فأصدرت في منتصف عام 1946 م منشورا يمنع على موظفي الإدارة المشاركة في العمل السياسي وإلا ستضطر للاستغناء عن خدماتهم، فكان رد عبد الرازق بنفس القوة حيث قال في رسالة احتجاج:
 "كان الدافع من وراء مقاومتي مع الحلفاء هو تحرير بلادي واسترجاع استقلالها المسلوب.... مؤكدا بأنني وطني ليبي قبل أن أكون موظفا حكوميا، وعربي صميم قبل أن أكون إمعة تسيرها السياسة الأجنبية ضد القومية العربية "
 وكتب هذا الكلام بخط يده إلى الجهة التي يعمل بها، وبالتالي تم قبول استقالته مما جعله حرا طليقا ينتقل في ليبيا ليقابل دعاة الاستقلال وبناة الدولة بعد ذلك. وسافر إلى طرابلس والتقى بالهادي المشيرقي ومصطفى ميزران و هما من رجال الحركة الوطنية فيها، مما زاد في تأكيد قناعته بالوحدة مع الاستقلال. ثم سافر إلى مصر بعد ذلك وذهب لطلب العون من الملوك والرؤساء العرب المجتمعين في أنشاص من أجل استقلال ليبيا، وقد مولت جامعة الدول العربية هذه الزيارة بمنحه عشرين جنيها شهريا ولمدة ثلاثة أشهر. وتكمن أهمية هذه الزيارة في ربطه برجال النخبة السياسة ومنحه الثقة في لقاء القادة وحضور الملتقيات السياسة الدولية وكأنها تعده لدوره مع فرسان الاستقلال في رحلتهم الشهيرة إلى الأمم المتحدة لإقناعها بضرورة استقلال ليبيا كدولة موحدة ذات سيادة لتصبح عضوا في المنظمة وعضوا في جامعة الدول العربية.

عبد الرازق شقلوف و عمر شنيب و بشير السعداوي و مصطفى ميزران و خليل القلال و مختار المنتصر
و راسم كعبار و محمد شكري يتوسطهم د فاضل المحجالي مندويب العراق

الاستقلال والدولة
    
تم اختيار عبد الرازق شقلوف ليلتحق بالوفد الليبي المسافر إلى الأمم المتحدة لعرض قضية استقلال ليبيا كدولة موحدة وكان ضمن وفد من ثلاثة أشخاص مثلوا برقة في المفاوضات مع كل من خليل القلال وعمر شنيب وقد أطلقت عليهم الصحافة في حينها فرسان الاستقلال.
     نجح الوفد الليبي، الذي كان يضم تسعة أعضاء يمثلون برقة و طرابلس إضافة إلى ممثلي بعض الأحزاب الليبية مثل حزب المؤتمر و حزب الاستقلال من طرابلس، في تحقيق هدفه باستصدار قرار من الأمم المتحدة بتاريخ 12 أكتوبر 1949 م يقضي باستقلال ليبيا في موعد أقصاه يناير 1952 م. و يرجع الفضل في هذا النجاح إلى جهاد الليبيين في الداخل و نضال من كانوا في المهجر و تعريفهم بالحقوق الليبية و كذلك دعم الدول العربية و دول العالم الثالث و خاصة من أمريكا اللاتينية.و لقد كان للدكتور فاضل المجالى مندوب العراق وقتئذ في الأمم المتحدة دورا هاما في تجميع الوفود الليبية و تنسيق جهودها من أجل استقلال ليبيا الموحدة.
 ولقد كان لعبد الرازق دورا أساسيا وفاعلا في هذه المفاوضات من خلال تحركه واتصالاته وأهمها في تمكنه و الدكتور علي العنيزي من إقناع مندوب هايتي على التصويت ضد مشروع بيفن سفورزا  ضد رغبة بلاده والتي قامت على الفور بعزله من منصبه كممثل لها بالأمم المتحدة، و يرجع سر موقف هايتي إلى ضغوط فرنسية. ففرنسا كانت تخشى من تأثير استقلال ليبيا على مستعمراتها في المغرب العربي و تريد الاحتفاظ بفزان تحت سيطرتها.2

مع السيد أحمد الشقيرى مندوب سوريا في الأمم المتحدة

أما دوره في الدولة الليبية فبدأ بفوزه بمقعد في البرلمان البرقاوي بعد إعلان استقلال برقة في يونيو 1949م، كما فاز بمقعد في البرلمان الليبي بعد الاستقلال عن مدينة درنة. لكن ذلك لم يدم طويلا فاستقال عبد الرازق ليتسلم وظيفة وكيل وزارة المالية في الدولة الليبية وهنا حصلت الجفوة بينه وبين أبناء مدينة درنة، حيث كان معظم الناس يرغبون في بقائه في البرلمان ممثلا لجناح المعارضة أو الجناح القومي التقدمي على عادة أبناء المدينة، ولكن عبد الرازق رأى أنه من الأفضل له ولبلاده أن يكون في موقع القرار السياسي ويساهم في بناء الدولة فمصلحة أغلبية الشعب الليبي فوق كل اعتبار. وربما رأى عبد الرازق أن المعارضة موقفا وليست مبدأ، وهذا هو الرأي الصحيح. ولو أن كل متعلم ومثقف رفض العمل في الدولة لشغل جميع المناصب الجهلة أو غير القادرين ناهيك عن عملاء إيطاليا وهؤلاء كانوا يمثلون الأغلبية المؤثرة في الشارع الليبي في تلك الفترة. وقد مال إلى رأي عبد الرازق بعد ذلك أبرز أعضاء جمعية عمر المختار في درنة وبنغازي وانخرطوا في سلك الدولة الليبية.
      بقى عبد الرازق لفترة طويلة وكيلا لوزارة المالية وبالتالي وضع بصماته على أهم أوراق السياسة المالية الليبية، وكان له دور بارز في الحياة الاقتصادية الليبية.و كان من أهم إنجازاته في هذا المجال تلييب قوانين المصارف الليبية من خلال رعايته لمشروع قانون رقم4 لسنة 1963 لتنظيم المصارف بمجهود ليبي صرف و بدون علم الخبراء الإنجليز الذين كانوا يسيطرون على هذا القطاع من خلال إدارة المصارف بقوانين بريطانية و مجموعة من المستشارين. و تمت العملية بطريقة سرية سواء في الإعداد أو الاستصدار من البرلمان و بالتالي تحرر قطاع المصارف من السيطرة البريطانية.
     وهو كذلك من فرسان الدولة الذين وضعوا حجر الأساس لليبيا الموحدة لأول مرة في تاريخها الحديث تحت حكم وطني محلى و كامل الاستقلال. فأكبر معضلة بعد الاستقلال كانت تتمثل في انعدام الكوادر فلم تكن بالبلاد كلية حديثة واحدة، بينما وجد حوالي ستة عشر خريجا معظمهم في العلوم الإسلامية و الآداب و كان في البلاد وقتها ثلاثة محامين و لم يتوفر طبيب ليبي واحد أو مهندس أو مساح أو صيدلي واحد. و على أعلى تقدير لم يتوفر أكثر من ربع مليون مواطن يستطيع القراءة و الباقي أميون، بينما نسبة العمى و محدودي البصر بسبب الأمراض مثل التراكوما تصل إلى حوالي 5% من عدد السكان ناهيك عن تفشى الأمراض المعدية الأخرى مثل السل بين الناس. بالفعل كانوا فرسان تلك المرحلة عندما كونوا دولة ذات سيادة مع كل هذه العوامل بالإضافة إلى نقص الموارد المالية.فلم تزد أول ميزانية ليبية عن مليوني جنيه معظمها مساعدات أجنبية.

رأى من عرفه عن قرب

يجدر بنا هنا أن نورد رأي بعض من عرفه عن قرب ومنهم الأستاذ أحمد فؤاد شنيب عندما قال:
شقلوف كان وطني .. ما فيش كلام .. وطنيته لا شك فيها .. نعم تعاون مع الإنجليز (عندما كان فدائيا خلف خطوط الطليان في الحرب العالمية) وهم بدورهم كانوا يثقون فيه... لكنه لم يخن وطنه.. كان رئيس رابطة الشباب وكنت أنا سكرتيرها.. أفاد الناس وما أفاد نفسه .. كان يملك ناصية المال ،لكنه كان يعطي ولا يأخذ.. أعطى الناس الكثير.. لكنه لم يعط نفسه شيئا ... مات فقيرا...فقيرا.
 رحمة الله عليه .. رجل تاريخ .. لكن هذا التاريخ طمس .. سواء بتجاهل الدولة له" .1
وما يأخذه كثير من الناس على شقلوف هو تهوره في فترة من حياته وإدمانه الخمر ولكنه تاب توبة نصوحا وعاد إلى الله وأقبل على العبادة وتلاوة القرآن وأذكر أننا كنا في الحج في عام 1982 م وكان هو حاجا أيضا وكان طوال وقته منكبا على قراءة القرآن.
أما الكاتب فتح الله سرقيوة فيقول عنه: عبد الرازق شقلوف لم يخن ولم يتآمر، ولم يعرف عنه أنه ظلم أحدا ولا استولى على أموال عامة، لم يغش ولم يزور ولم يملك الجوازات الدبلوماسية ولا المزارع ولا العقارات ولا السيارات الفارهة ولا الحسابات في سويسرا ،وليس لديه عمارات في دول الجوار ولا استثمارات باسمه وجدت بعد رحيله من هذه الدنيا عاش بشرف ومات بشرف ولا حياة إلا للشرفاء. هذا الرجل لم يترك ليبيا لأنه ينتمي لترابها وحب وطنه فوق كل اعتبار، لم يهرب ويقف في أي صف كان ضد الوطن ولهذا قدرت فيه الثورة هذا الموقف النبيل والمشرف والوطني، وأيضاً لم تتعرض له أية جهة في ليبيا بعد خروجه من السجن ومحاكمته.4
 وفى مراسلة خاصة من الأستاذ عبد الرحيم النعاس الذي عمل مع السيد عبد الرازق في وزارة المالية، و عرفه طول حياته، يقول: كان السيد عبد الرازق أمينا على الأموال العامة، و لم يستأثر لنفسه بشيء منها و نزيها في علاقته مع الآخرين ووفيا لمعارفه و العاملين معه. قام بدور إيجابي صادق كبير في تأسيس جمعية عمر المختار و دورها الثقافي في درنة وكذلك دورها في تحقيق الوحدة و الاستقلال و ظل طوال حياته موضع التقدير و الاحترام من جميع عارفيه.3
        كما تحدث عنه السيد بشير المنتصر في شهادته على العهد الملكي فقال: كان لا يستطيع أحد التدخل في سلطات السيد عبد الرازق شقلوف أو في تصرفاته،و كان مستقلا في اتخاذ القرار، و كان هذا موضع تعليق في المجالات الحكومية و الشعبية. وكان في نفس الوقت يتمتع بثقة جميع رؤساء الحكومات الذين عمل معهم لطبيعته السمحة و إخلاصه و نزاهته شخصيًا.كان شهما و متعلما و ملمًا بعمله و يحبه الجميع.5

تقاعده

بعد رحلة طويلة من النضال السياسي و العمل الوظيفي تقاعد السيد عبد الرازق شقلوف في درجة خاصة و هو وكيلا لوزارة المالية و كان معاشه التقاعدي في حدود 300جنيه في أول سنة 1969 و هو ما يعادل ألف دولار. و بعد قيام الثورة تم التحفظ عليه و تقديمه لمحكمة الشعب التي حكمت له بالبراءة و بعد تعديل الدرجات والمرتبات انخفض معاشه التقاعدي إلى 110 دينار أي ما يعادل سبعين دولارا. و هذا الأمر جعله في ضائقة مالية اضطر معها إلى أن يبيع كاطه أي بدلته العربية كي يواجه مصاريف الحياة ،و كلنا يعرف الالتزامات المالية لشخص مرموق بين أهله و أبناء بلدته في مثل هذه السن.و الإنسان في العالم يعمل بإخلاص آملا في أن ينال مرتبا تقاعديا مجزيا يكفل له العيش الكريم، إن مثل هذا الرجل يستحق أعلى الأوسمة بدلا من حياة الضيق و الحاجة و هو بطبعه عصامي لا يطلب و لا يقبل  المساعدة من أحد.

وفاته

  في آخر حياته استقر في مدينة بنغازي إلى أن وافته المنية وانتقل إلى جوار ربه يوم 5 أبريل 2004 عن عمر يتجاوز التسعين سنة وهو في تمام قواه العقلية، و عند تشييع جثمانه من منزل ابنه فيصل خرج وراءه ثلاثة رجال فقط ابنه فيصل و السيدين صالح جبريل و سليمان أمنينه ثم لحق بهم بعض الأصدقاء في المقبرة.
و غادر الدنيا مثلما دخلها فقيرا لا يملك شيئا إلا رجاءه في رحمة الله ورضوانه. لم يترك مزارع في أوروبا ولا قصورا أو أموالا ولكنه ترك أعمالا ومآثر يعتز بها كل من عرفه وعرفها و الله نسال أن يجعلها في ميزان حسناته يوم لا ينفع مال و لا بنون، و هكذا يكون العظماء من الرجال و في الليلة الظلماء يفتقد البدر.
كانت هذه نبذة مختصرة عن فارس من فرسان الاستقلال والدولة الليبية أزفها لمن يبحث عن التاريخ والعبرة و ما أكثر العبر و ما أقل الاعتبار.
المراجع:
1)محمد المفتى، سهارى درنة، 2007م.
2)فرج نجم، مقالات وتراجم ليبية، 2005م.
3)عبد الرحيم النعاس، مراسلة خاصة، 2010م.
4)فتح الله سرقيوة،قراءة في ملف وزير مالية سابق، فيلادلفيا8نوفمبر 2007م.
5)بشير السني المنتصر، مذكرات شاهد على العهد الملكي الليبي، 2008م.