Sunday, December 26, 2010

محو الهوية الإسلامية

       الهوية لأي امة تحمل في طياتها أبعادا تاريخية و أبعادا ثقافية و أبعادا دينية و أبعادا اجتماعية و أبعادا بشرية و أبعادا اقتصادية و يلتقي هؤلاء جميعا في بصمات الهوية الحضارية ، و بالنسبة للأمة الإسلامية يمثل عامل الدين الاسلامى العمود الفقري لبقائها بينما تمثل اللغة العربية و هي لغة القرآن الكريم لسانها و وسيلة تعبيرها. و الكثير من التعريفات السطحية للهوية تحاول ربطها ببعض العادات أو المأكولات الشعبية في بعض المناطق و هذه إحدى وسائل الداعين الى تمزيق الأمة من المستشرقين  و تلامذ تهم من الشعوبيين مثل محاولة استحداث هوية لكل قطر عربي.
و نلاحظ في وثيقة  من إحدى وثائق الحكومة البريطانية، و قد سبق الإشارة إليها بطريقة عابرة في مقال سابق بعنوان : هكذا ضاعت الهوية، وفى هذه المرة نترجمها لكي تتضح الصورة اكثر.

قال اللورد مكوللى في خطابه للبرلمان البريطاني في يوم 2 فبراير من سنة 1835 م :

 لقد سافرت في الهند طولها و عرضها ، فلم أجد متسولا أو نشالا، فمستوى الرخاء و مستوى الروح المعنوية العالية وأناس من هذا الطراز من البشر جعلني أرى استحالة استعمارنا لهذا البلد إذا لم ندمر العمود الفقرى لهذه الأمة، و الذي يتمثل في قيمها الروحية و الثقافية.
 و عليه فأنى أقترح استبدال نظامها التعليمي القديم و ثقافتها؛ و على الهنود بعد ذلك أن يقتنعوا بأن كل ما هو أجنبي أو بريطانى جيد و أفضل مما لديهم و بهذا سيفقدون الاعتزاز بأنفسهم و ثقافتهم و يتحولون كما نريدهم إلى أمة مهزومة حقيقة.


       و الذي لم يذكره هذا اللورد أن الهند كانت دولة إسلامية و لمدة عدة قرون، حيث حكمها المسلمون دون أن يدمروا هويتها الهندية، و لكنهم وفروا لها الرخاء و العدل و الأمان بالرغم من أن عدد المسلمين من الهنود كان يمثل حوالي سدس عدد السكان الاجمالى. و كانت حدودها مفتوحة للتجارة مع جيرانها من البلاد المسلمة و كلنا يذكر طريق و تجارة التوابل.
و المهم في هذه الوثيقة هو تخطيط الانجليز و الغرب بصفة عامة لتدمير عرى الهوية الإسلامية للعالم الاسلامى، ولا استبعد دورا للبابا و الكنيسة في مثل هذا الأمر، فقد سبق و أصدر البابا فى العصور الوسطى فرمان بمنع بيع الخشب و المسامير الكبيرة للمسلمين كي لا يبنون سفنا ضخمة تنافس النصارى في البحار. و كلنا يذكر الدمار الثقافى و الفكري الذى ألحقته فرنسا ببلاد المغرب العربي و بلاد جنوب الصحراء و بلاد الشام ، و لا زال أثرها بارزا في مجرى الأحداث في هذه الديار.
 و نفس الأفكار التي استخدمت في الهند نجد معالمها في العالم العربي؛ حيث بدأت بمحاربة حركات النهضة الإسلامية في القرن التسع عشر على طول الأرض العربية من جميع الاتجاهات إلى أن وصل الأمر إلى احتلال معظم هذه المناطق.
 ثم بعد ذلك تم استحداث و إخراج  بعض الزعامات الضعيفة و جعلوها تثق في الغرب و تعتمد عليه في حماية أنظمتها الهشة. و بهذا خلت الساحة لهم ليتمكنوا من ضرب النظام التعليمي تحت شعار تطوير التعليم و تحديث المدارس و إدخال التقنية. و لقد نجحوا بدرجة مكنتهم من فرض الزى الاوربى محل الزى العربي و الاسلامى في كثير من البلاد. و أصبح لدى كل ملك أو أميرعربى مستشار غربي يساعده في إدارة أمور بلاده ، بل و يثق فيه أكثر من أبناء بلده، فيبعد من لا يحب الغرب و ينفى من البلاد من لا يحبه الغرب.
 و بواسطة البعثات الدراسية بين الجانبين تمكن الغربيون من إعداد خبراء و أساتذة  من المسلمين لينوبوا عنهم في الدعوة إلى التخلي عن قيم الإسلام ووصفها بالتخلف و الرجعية، ووصل الأمر يبعضهم إلى قطع الانتماء إلى الأمة و تبنى مناهج الكفر و الإلحاد و محاربة الإسلام . بل و زاد بعضهم على هذا بالدعوة إلى الرجوع إلى الأصول من فرعونية و فارسية فكرا وعقيدة.
و تحت شعار التسامح بين الأديان نرى كيف تم و يتم كل يوم تنصير أعدادا كبيرة من المسلمين في بلاد المسلمين و في بلاد العرب أيضا ، و إذا ساهمت الدول ووسائل إعلامها في زعزعة عرى الإيمان بالبرامج السطحية والإباحية يسهل على المبشرين إقناع البسطاء من الناس بيسر الديانة المسيحية .
و إذا تتبعنا آخر تطورات الأوضاع السياسية في العالم سيتضح لنا أن الغرب سعيد جدا بكل التطورات الديمقراطية في جميع بقاع الأرض إلا ديار المسلمين؛ ففيها تحلو الدكتاتورية و الظلم و الاستبداد و محاربة حقوق الإنسان.
 و لقد تم تفكيك الاتحاد السوفييتي بسلام و برزت دولا متقدمة تنعم بعضوية الناتو و الاتحاد الاوربى و تركيا لا زالت تطرق الباب و يفرضون عليها شروط النسيب الكاره بالرغم من أنها عضو مؤسس للناتو. و أنا هنا لا يهمني أمر تركيا و أحبذ رفضها بالكامل لعلها تعود إلى رشدها و تعرف مكانها بيننا، و لكن للتدليل على وجود مخطط تدميري عالمي يرفض أن نتقدم كعرب و كمسلمين.
 و كلنا يذكر عندما خرج علينا كبار ساسة أمريكا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي بالقول المشهور: أصبح عدونا الأول الآن  الإسلام و العالم الاسلامى، و بذلك انتقل خط المواجهة إلى صقلية .
 و كذلك تلاحظون معي استخفاف الغرب بالدول الموالية لهم، فهم لا يزودونها بالسلاح المناسب للدفاع عن نفسها بالرغم من المبالغ التي تدفعها لهم، بل يتركونها أسيرة للمخاوف المحيطة بها لتبقى على ولائها لهم دائما، كما أنهم لا يساعدونها في بناء التقنية الحديثة لكى لا تنهض، بينما سخروا لإسرائيل كامل جهدهم و علمهم و أموالهم ورجالهم و جعلوها الدولة الأسطورية في المنطقة و القادرة على هزيمة الجميع مجتمعين.
من كل ما تقدم يتضح لنا بان محو الهوية الإسلامية هو طريق الغرب و طريقته للسيطرة على شعوبنا و مواردنا و أراضينا، فهم بدؤوا الحملة وقت غناهم ولا أظنهم يتوقفون الآن عنها في وقت حاجتهم إلى الموارد و الاراضى و العمالة الرخيصة. و لقد بدؤوا هذه الحملة متفرقين و متنافسين و لا أظنهم يتركونها و هم مجتمعون و متفقون عليها و علينا . و نحن ، من نحن؟ لا حياة لمن تنادى.


Saturday, December 25, 2010

الإبداع في تعليم السياقة

     خرجنا من طرابلس قاصدين الشقيقة تونس، حيث قضينا عدة أيام في منطقة جربه و جرجيس. كان الجو جميلا و معالم الربيع بادية في كل مكان، فالخضرة و النظافة و التنسيق العام يبعث على السرور و خاصة أشجار الزيتون الغنية بثمارها و ذلك بفضل كرم الله و عناية الإنسان و عمله.


شجر الزيتون في جربه ، ما شاء الله

في مدينة جرجيس أو زرزيس حسب ما يقول أهلها، تعرفت على مواطن من جرجيس كريم له تعلق خاص بليبيا و أهلها على الرغم من أنه لا يزورها كثيرا و لكنه له صداقات و علاقات طيبة مع الكثير من الليبيين ؛ أسمه عبد الغنى السماعلى و هو من أبناء عكارة  جرجيس و يملك مدرسة لتعليم السياقة كما يقولون في تونس خلافا لما هو متعارف عليه في ليبيا بالخطأ تعليم القيادة .
 و في اليوم الثاني طلبنا مساعدته في التعرف على مكان في المدينة فدعانا للقائه بمقر مدرسته.


مدخل المدرسة

ذهبنا إلى المدرسة وكان علينا أن ننتظره حتى يأتي، و مع دخولنا إلى المكان لفت نظري أسلوب الدعاية و الرسوم التوضيحية فى قاعة الانتظار و كذلك التجهيزات التقنية الحديثة.


صالة الانتظار
  
 بعد ذلك لاحظت وجود فصل تعليمي بالداخل، و هذا أمر غريب بعض الشيء في مثل هذه المدارس، فطلبت أن أطلع عليه، و عندما دخلته كانت المفاجأة السارة.  و تتمثل هذه المفاجأة في استخدام التقنية الحديثة في التدريب على السياقة ، فكما تشاهدون في الصورة يوجد جهاز حاسوب و جهاز محاكي و لوحات تعليم يتم من خلالها إعداد المتدرب للتحكم  في السيارة والتعود على  التصرف في مواجهة حركة المرور قبل الخروج إلى الشارع.


فصل تعليمى مجهز تقنيا

       مثل هذا الأسلوب في تعليم السياقة يوفر الكثير من الوقت في التدريب ، و يوفر جهد المدرب كما ييسر على المتدرب استيعاب الدروس في جو آمن و مريح، و خاصة إذا كان المتدرب من النساء.

 إن هذه الفكرة العصرية في التدريب تدلنا على تفانى السيد السماعلى في إتقان عمله و سعيه لإرضاء الحرفاء أو الزبائن كما نقول نحن . إنها إرهاصات التقدم ، فتحية لكل مبدع مهما كان حجم إبداعه صغيرا و حرى بالعاملين في هذا القطاع في ليبيا أن يستفيدوا من مثل هذه التقنية في تعليم السياقة و ذلك باستحداث مدارس نموذجية لتعليم السياقة في طرابلس و بنغازي تسخر فيها إمكانيات الشباب التقنية في مجالات الحاسوب لتعليم المتدربين بأسلوب عصري.

Tuesday, December 21, 2010

دروس نبوية في التربية

         إن الاهتمام بتربية الجيل الجديد هو أهم عناصر تقدم الأمم الأساسية فهم رجال المستقبل و حملة أفكار الأمة و بذلك يحملون بذور بقائها و استمرارها. و الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم أعطى هذا الموضوع جل اهتمامه فهو كان رقيقا و رفيقا و رحيما مع الأطفال في داخل بيته و خارج بيته، بل كان مدرسة خاصة في مجال التربية تغرس أسس الإيمان في سن مبكرة في نفوس الأطفال بيسر و سهولة. و لقد كان أساس مدرسته يسروا و لا تعسروا، و بشروا و لا تنفروا، و لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، و هذا نلمسه بوضوح في حديث الغلام.
الحديث الشريف
        عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال:
يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف.
 رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح.
    
       تتجلى في هذا الحديث الشريف ملامح أسلوب التربية النبوية في تنشئة الجيل الجديد، فالمصطفى صلى الله عليه وسلم يحمل الطفل خلفه على الدابة و يغمره بالعطف و الحنان فيتحدث إليه كي يستفيد من وجوده معه فينفعه ببعض الكلمات. و الرسول في هذا الموقف لا ينتظر سؤالا من الغلام كي يجيب و لكنه يفتتح الكلام بخطاب ود، فيناديه يا غلام. و في هذا الأسلوب حكمة و بلاغة مع رفق بالمخاطب، فكلمة يا غلام جعلت الأمر يعنى كل غلام، أي كل طفل غير بالغ للتكليف و لو ناداه باسمه لكانت المعلومة تخصه هو فقط و لا تعنى غيره. ثم أفاده بأنه يريد أن يعلمه كلمات كي يجذب انتباهه لما سيقول له، فالتعليم ليس مجرد حديث عابر بل إيصال معلومات تناسب قدرة المتلقي. و هنا يبرز اهتمام الرسول الكريم بتعليم طفل لم يبلغ الحلم، فهو يعطى جزءا من وقته لتعليم الغلام و في هذا تثمين لدور الجيل الجديد فهم سيكونون قادة المستقبل. أما لفظة كلمات فتحمل في طياتها كلمات لها قيمة و وزن و أبعاد فكلما قل الحديث زاد تركيزا و أبعادا، و بالتالي على السامع أن ينتبه لكل كلمة منه فهي ليست بالحديث الطويل و هذا كذلك من الرفق بالمتلقي في مثل هذه السن. ثم بعد ذلك دخل في التوجيهات النبوية فقال له: احفظ الله يحفظك، و كلمة احفظ كلمة جامعة لمعان عديدة فمنها الحفظ بمعنى التذكر و منها الحفظ بمعنى إعطائه ما يناسب قدره و منها التعلق به و محبته و منها المحافظة على السمع و الطاعة أو احترام حدوده و كل هذه المعاني تنمو مع الغلام مع سنوات تقدمه في السن فهو يبدأ بالأصل وهو الحفظ في القلب في الصغر و ينتشر هذا الحفظ ليغطى كل خطوة يخطوها في حياته. و جعل الرسول الكريم جزاء هذا الحفظ أن يحفظه الله، فيبدأ الحفظ في النفس و البدن في الطفولة و ينمو مع الأيام ليغطى الحفظ في الطاعات و الحدود و العقائد و النيات.   و الرسول صلى الله عليه و سلم لم يحدد للغلام كيف يحفظ الله و لم يكلفه بعمل من العبادات بعينه و لكنه شرع له الأساس ألا و هو حفظ الله، و هذا الحفظ ينمو و يتطور مع تقدم سنه و بالتالي بلوغه التكليف في الشريعة الإسلامية. و هذا جانب هام في إستراتيجية منهاج التربية النبوية. ثم يؤكد الرسول الكريم على حفظ الله فالعملية ليست بسيطة في ذاتها و الأجر عليها لذلك مضاعف فيقول له: احفظ الله تجده تجاهك. و هنا يبرز حفظ الله بدوام ذكره و دوام التعلق به و عندها تحدث المعية، و يحضرني نصيحة احد المربين بقوله لغلام من المتأخرين عند ما تغدو إلى فراشك قل: الله معي ، الله شاهد على، الله ناظر إلى. و بطبيعة الحال يتطور الحفظ مع دوام العبادة و التقدم في السن و بهذا تتطور المراقبة لله مع الأيام.
ثم بعد ذلك ينتقل الرسول الكريم من محطة التعلق بالله على نمط التعلق بالوالدين فيتحدث عن السؤال فهو يعرف أن الطفل في هذه المرحلة عادة ما يسأل والديه أو من يرعاه، و هو بالتالي يعرف معنى السؤال و قيمته فيوجهه الرسول الكريم إلى سؤال الله سبحانه و تعالى فيقول له: إذا سألت فاسأل الله. فمن غير الله يعطى أو يمنع، و من غير الله يجيب دعوة المضطر إذا دعاه. و الله  سبحانه و تعالى يسخر من خلقه من يجيب المسألة، فكل الخلق هم أدوات لتوصيل كرم الله و فضله. و الرسول بهذا التوجيه يريد أن يثَبت في نفس الغلام أن الإجابة لكل سؤال تأتي من عند الله. و بعد السؤال ياتى دور الاستعانة فيقول له: و إذا استعنت فاستعن بالله.  فالله هو القادر القاهر و مصدر كل حول و قوة، فهو أولى أن يستعان به في كل حال، و هذا التوجيه منسجم مع قوله تعالى: إياك نعبد و إياك نستعين. و إذا كون الغلام علاقته بالله بدوام الحفظ و توجيه السؤال و الاستعانة فإن الرسول الكريم لا  يريده أن يعلق أماله على البشر و لا أن يخشى منهم بأسا فالله قد كتب له رزقه و نفعه و ضره مثل ما كتب عليه يوم اجله، فيقول له اعلم علم اليقين الذي لا شك معه أو فيه أن اجتماع كل الأمة ما كان لينفعه أو ليضره إلا بشيء قد كتبه الله له أو عليه. و بالتالي عليه أن لا يخشى إلا الله و لا يرجو إلا كرم الله و فضله، إن مثل هذا التوجيه النبوي يعد رجال المستقبل و يؤسس لقادة الأمة فيضع حجر الأساس لتفكير استراتيجي ينمو و يزداد ترسخا و توثقا مع الأيام.
 والرسول صلى الله عليه و سلم لم يكلفه بعمل من أعمال العبادة أو المجاهدة أو حفظ القرآن أو النوافل فهو يعرف أنه غير مكلف و بالتالي أوحى إليه بأصل هذا الأمر ألا و هي المبادئ التي تنبني عليها الحياة الإسلامية. ثم يختم كلامه بأن هذا الأمر رباني و عام و صالح لكل غلام في أمة الإسلام و بأن هذا التوجيه ثابت و مرتبط بكل أحكام الدين و أنه أصل و لا قول بعده حين ما يقول له: رفعت الأقلام و جفت الصحف، أي أن هذا الأمر تم الفصل فيه.
        ألا ترون معي أنه يجب على المربين و المعلمين و الآباء أخذ العبرة من هذا المنهاج النبوي فلا يحملون الأطفال فوق طاقتهم و لا يطلبون منهم أداء فرائض أو نوافل لا تجب عليهم و لا تناسب سنهم، و هذا الأمر هو من أسس فلسفة التربية الإسلامية فالمرء مطالب بمعرفة ما يجب عليه تأديته بحكم الشريعة. و جودة التوجيه و التعليم و قيمة محتواه هي الهدف و ليس كمية أو حجم المعلومات، مع اختيار أنسب الأوقات و ألطف الأساليب.  فالغلام كان منفردا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم و ملاصقا له على الدابة و يشعر بقربه و حنانه و رحمته مثل ما يعرف له قدره و بالتالي كان استقباله رائعا فوعى الدرس و نقل إلينا هذا الحديث ثم كبر مع الأيام ليصبح أحد أشهر علماء هذه الأمة و كان نعم التلميذ لأفضل معلم عرفته البشرية عليه الصلاة و السلام.

جولة فى ربوع الجبل الأخضر

         الجبل الاخضر رمز الإباء و الشموخ و العطاء، رمز الخير و البركة و رمز الكرم و الجود الذى لا ينقطع، كلما مررت به اتذكر قوافل الشهداء فترابه ارتوى بدماء الشهداء و عطاء أرضه دائم طوال العام. تفوح منه روائح الزعتر و الاكليل و البطوم و على مر العصور الشمارى و تتخضب هضابه بالتفاح و الخوخ و العنب و المشمش؛ أنه فى الحقيقة حديقة ليبيا الفيحاء و كل ما يحتاجه هو القليل من الماء و بعض الجهد الجاد و من جد وجد و من زرع حصد.


 من خيرات الجبل الاخضر صيف 2010م

و الجبل الأخضر غنى بالآثار مثلما هو غنى بالثروات و الموارد الطبيعية، و قد يمر المرء مرات عديدة من مكان و لا يتعرف على ما يحتوى عليه منها إما لانعدام التعريف بها أو لسرعة التحرك  خلال المكان. و لقد مررت على المواقع التى سأتحدث عنها مرات و مرات و لكننى لم اكتشفها إلا هذا الصيف، فبينما نحن فى الطريق إلى درنة تعرفت على الاخ اجويده العوامى الذى دلنى عليها و رافقنى فى هذه الجولة و هذا كرم كبير منه.
نبع القبة
        نبع القبة يقع فى مدينة القبة و ينبع من بين الآثار، ماؤه عذب زلال بارد. تحيط بالنبع العديد من الآثار المهملة رغم جمالها و يتضح عليها آثار العبث و الاستخفاف بالتاريخ الليبى و بالآثار و ما تمثله من تراث إنسانى. و هذه المنطقة تعتبر معلم تاريخى بالرغم من عدم التعريف بها و لا زالت تخفى الكثير من دررها تحت التراب.


الماء يصب فى جابية مفتوحة



جانب من الآثار حول النبع

العبث بالآثار
فى غياب أية مراقبة يقوم بعض الشباب بغسل سياراتهم من النبع، بينما يبقى الخزان الرئيسى مفتوحا مما يشكل خطرا على الاطفال و قد يتلوث الماء بسقوط بعض الحيوانات.


خزان النبع مفتوح
      فى الحقيقة المكان جميل جدا و تحيط به مجموعة من الاشجار مما يجعله مناسبا لاستحداث مقهى أو استراحة للسواح و الزوار لو توفرت بعض الخدمات و تمت العناية بالآثار و تم تنظيفها.


المنطقة المقابلة لنبع القبة
جانب من آثار كرسة
تقع قرية كرسة الى الغرب من مدينة درنة و تتميز بشاطئها الجميل حيث يتعانق الجبل و البحر، فتمتزج خضرة الجبل بزرقة البحر فى جو متوسطى جميل صيفا و شتاءا. و من أبرز معالم كرسة الأثرية مجموعة من الكهوف القديمة المنحوتة فى الجبل و التى يرجع تاريخها إلى أمد بعيد ربما يعود إلى قدماء سكان ليبيا من القبائل الليبية القديمة. و يطلق  سكان كرسة على هذه الكهوف اسم" حقاف القرود" و ربما يرجع هذا إلى أن بعض القرود كانت تسكنها فى التاريخ القريب. و يتضح من تصاميم هذه الكهوف وجود منصات أو مساطب للنوم و أبواب و أماكن تعليق القناديل أو المصابيح و هذا يدل على حياة حضرية مستقرة. فهؤلاء القوم ينحتون من الجبال بيوتا منسقة و مزودة بما يحتاجونه من فراغات و ليست كهوفا طبيعية تكونت بفعل العوامل المناخية. كما أن اختيار موقعها يشير إلى دورها كمحطة بحرية، أما مواقع تعليق المصابيح الخارجية فتدل على دورها كمنارة بحرية.

شاطىء كرسة أمام الكهوف مباشرة


كهف فى كرسة

و فى الجانب الخلفى من هذا التجمع العمرانى نرى مشروع إعداد ما يبدو عليه أنه حوض سباحة أو مدرج صيفى تحت الإعداد و لم يتم إتمامه و ربما يرجع هذا إلى حدث أخلى القرية من سكانها.

مدرج أو حوض لم يتم حفره
و استقامة الجدران و شكل المداخل و الفراغات يظهر حرفية و دقة فى النحت و الحفر تحتاج إلى آلات جيدة و مناسبة لهذا العمل.
هوى أحجرى



صورة من الجانب الشرقى للهوى
الهوى باللهجة العامية أو التجويف هو  عبارة عن هبوط أو إنزلاق صخرى عميق فى سطح الارض ذو فوهة كبيرة، و الإنخفاض عند أطرافها شبه عمودى؛ فلا يستطيع المرء الاقتراب من الفوهة خوفا من السقوط فيها إلا إذا كان مزودا بمعدات مناسبة لمثل هذا العمل. و تعيش فيه أسراب من الطيور وبه العديد من الاشجار و قاعه مملوء بالماء فعندا يقذف  فيه المرء حجرا يسمع صوت الماء.

صورة من الجانب الغربى للهوى
 و يقع هوى أحجرى بالقرب من مطار الابرق و توجد إشارة بسيطة تدل عليه عند مدخله مباشرة.  شكله بيضاوى و يقدر أطول محاوره بحوالى خمسين إلى ستين مترا. و هو معروف بين سكان المنطقة القريبة منه و قد جعلوا له مدخل خاص و تم تسييج منطقته.

علامة المكان عند المدخل
 و لقد ألقينا فيه ببعض الاحجار ثلاث مرات و كل منها استغرق نزوله إلى القاع حوالى سبع ثوانى و علي هذا يمكن تقدير عمقه بحوالى 240 متر تقريبا. و هذا الموقع كظاهرة طبيعية جدير بالدراسة من الناحية الجيولوجية من حيث أسباب و تاريخ تكونه و إمكانية الاستفادة منه.
          مثل ما نرى هذه مجموعة غير مشهورة من المعالم و حرى بالمتخصصين فى علوم الآثار و التاريخ و اللغات القديمة أن يسلطوا بعض الضوء على تاريخ  مثل هذه المناطق من خلال مشاريع التخرج و بحوث الدراسات العليا بالجامعات الليبية و تعميم نشرها كى تعم الفائدة من هذه الدراسات.

Saturday, December 18, 2010

غدامس عروس الصحراء

       
غدامس القديمة
  لم تحض غدامس منذ مئات السنين بالاهتمام الذي تشهده الآن و كأني بها فتاة على أبواب الزواج فبدأت تستعد لعرسها . و كعادة بنات غدامس حيث تقوم العروس بتزيين بيت الزوجية بالزخارف المختلفة و تؤثثه بالقطع 
الجميلة التي تحتاجها فها هي غدامس من خلال أبنائها البررة تستعد لعرسها



منظر عام من سطح فندق الواحة بغدامس

  الا ستعدادات على قدم و ساق و العمل يجرى كل يوم و حتى في بعض أوقات يوم الجمعة ، حيث يتم إزالة الكساء القديم من على الجدران ليتم تجديده و توحيد شكله و زخرفته بذوق غدامسي .


منظر عام لأسوار المزارع بعد التطوير
     فكل الأسوار المخالفة للنمط الغدامسى في العمارة يتم هدمها و بناء بديل لها على النمط المطلوب و كل الواجهات للمباني العامة و الخاصة يتم إعادة بناءها ، و كذلك أسوار المقابر و المزارع مع استخدام أساليب البناء الغدامسى التقليدي .

نمط نموذجى جديد لغدامس
  في المقابل عملت يد المزين في أغصان و أوراق النخيل تزيل عنها آثار سنوات من الإهمال و ما عشعش فيها من أفاع و ثعابين و حشرات ؛ و كأني بالعروس قد ذهبت للمزين لتصفف شعرها و تضع تاجها على رأسها استعدادا لمراحل الفرح ، و بدأت مناظر و روائح الزهور و هي تخرج من أكمامها في فصل الربيع لتزداد غدامس جمالا على جمالها الأخاذ  .


زهرات الرمان أنها عودة الحياة
  كل هذا النشاط لا يحدث في غياب الماء ، و بالتالي تمت صيانة حوض عين الفرس و سواقي التصريف اللازمة كما تم حفر الآبار لتوفير الماء للمزارع و البيوت و البناء و هكذا تدب الحياة في عروق غدامس من جديد و يبعث فيها الأمل في غد أفضل و حياة أسعد .



حوض عين الفرس بغدامس فى حلته الجديدة
و النمط المعماري الغدامسى الأصيل يتركز في المدينة القديمة و التي تعتبر كنزا حضاريا و إرثا تاريخيا في مجال العمارة الإسلامية ،  ربما نسلط عليه مزيدا من الضوء في مقالات خاصة . ولقد انفردت هذه العمارة باستيفاء الشروط الشرعية و الوظيفية و البيئية في مبانيها على نمط واحد وفى طراز بديع.

  و مما أثلج صدورنا كذلك ، الشروع في إعادة بناء فندق عين الفرس الشهير و الذي نزلت به صوفيا لورين ، و كذلك مساجدها العتيقة و التي يعود تاريخ بعضها إلى أكثر من أربعة عشر قرنا . إنها غدامس حاضرة الإسلام الكبرى عمارة و علما و أدبا و ثقافة على مشارف الصحراء الكبرى .



فندق عين الفرس تحت التطوير
و لتكتمل التهيئة تم وضع مخطط لإعادة بناء البنية التحتية من طرق و مجار و شبكات مياه و كهرباء و هواتف  داخل مخطط المدينة .


الجامع العتيق بغدامس و لعله أقدم جامع قائم في ليبيا

 أما خارجها فسيتم رصف الطرق إلى المدن المجاورة . و لقد شاهدنا على الطريق العام أرتال السيارات و الآليات و هي تمد أبراج الكهرباء ذات الضغط العالي و كوابل الألياف الزجاجية و كذلك أنابيب النهر الصناعي . كلها تسابق الزمن لأحياء هذه المنطقة و ما حولها بالكامل .
أما أهل غدامس فقد كانوا خير أهل للعروس فالفرح باد على الوجوه ، و الاعتزاز بالانتماء لغدامس جلي في تواضع و حياء.


لقاء اجتماعى فى غدامس


 و أما الكرم فقد كان واضحا في غير إسراف أو تبذير. و الجميع يتحركون في هدوء و سكينة و 
في جو ودي. و ما يلفت الانتباه هو العلاقات الاجتماعية الحميمة و التواصل بين الناس.


عمارة غدامس القديمة

من اجل هذا رأيت أن اسميها عروس الصحراء، و كم هو جميل أن ترى البناء يرتفع بإتقان مع المحافظة على الأصالة. فالتخطيط يتم بروية و تمهل و بمشورة كبرى الديار العالمية للخبرة في مجال ترميم المدن القديمة.  فهنيئا لغدامس عروس الصحراء و هنيئا لأبنائها المنتمين لهذه الأرض و العاملين على أحياء تراثها .


الساقية بعد تطويرها تجوب كل الأماكن

بالطبع كل هذا ما كان ليحدث لولا قرارا نشاء جهاز تطوير و تنمية مدينة غدامس و الذي حالفه الحظ بوجود المهندس البخاري حودة على رأسه مع مجموعة من الخبرات الفنية و التراثية الوطنية الجيدة ، هذا بالإضافة إلى استعانتهم بدور الخبرة العالمية في هذا المجال.


جامع عمر بن الخطاب

 و مع تمنياتنا للمشروع بالتوفيق الكامل نرجو أن تحظى بقية المواقع الأثرية و الحاضرات الليبية بنفس العناية لترميمها و إعادة بنائها بنفس الأساليب التقليدية القديمة من أجل احياء تراثنا الحضاري و أرثنا التاريخي و المحافظة عليه .

Thursday, December 16, 2010

سوق السعد أو السعادة في الصين




البحث عن السعد السعيد
         
مع تطبيق قرار تحديد النسل بطفل واحد لكل أسرة فى الصين بدأت العلاقات الاجتماعية في الانحسار، فأصبح في الصين الآن جيل ليس له أعمام أو عمات أو أخوال أو خالات،  ثم سياتى جيل ليس له أقارب و هذا سيؤدى إلى قلة المعارف و انعدام العلاقات بين الناس. و إذا أضفنا إلى هذا طول ساعات الدوام الرسمي اليومي خلال ساعات العمل و بعد المسافات، تتحول المدن إلى زنزانات انفرادية لسكانها. هذا سوف يؤثر على النسيج الاجتماعي، و على فرص الزواج و ارتفاع نسبة الطلاق بين الشباب في الصين. وفى الغالب في هذا البلد تتم ترتيبات الزواج من خلال الآباء و الأمهات أو الأجداد و الجدات من الجانبين، مما أدى بهم إلى ترتيب أو استحداث ما أسميته سوق السعد في الصين.

سوق السعد

و السعد في اللهجة الليبية هو الحظ أو النصيب أي مشروع الزواج أو رحلة العمر، و كثيرا ما نسمع مقولة" فلان سعده طايح" أو" فلانة الله يوقف سعدها و يرزقها بابن الحلال". و كل منا مرت عليه مقولة" السعد عمى و يريد من يقوده". و كذلك الحال في الصين السعد يحتاج لبعض المساعدة، حيث يتم ترتيب برامج لتقريب طرفي الزواج من خلال لقاءات عائلية أسبوعية تحدث يومي السبت و الأحد اكتشفتها عن طريق الصدفة. فبينما كنا نتجول في مدينة شنقهاى صباح الأحد 19 سبتمبر 2010 م في حديقة الشعب الشهيرة وجدنا سرادقات كبيرة بداخلها و حولها أعداد كبيرة من الناس المتقدمين في السن و معظمهم يحمل في يده ورقة تحتوى بعض المعلومات، كما تم تعليق بعض الأوراق على السياج و الأشجار و الجدران.


لقاءات جانبية و مشاورات

الجميع يبدون في حيرة من أمرهم و الوجوه يبدو عليها الجدية و الاهتمام و لكننا لم نعرف السبب، فقال رفيقي: ربما يكون هذا سوق لعرض الخدمات أو البحث عن عمل أو تبادل المعلومات. و لكننا لم نصل إلى معرفة الحقيقة بسبب حاجز اللغة، و عند عودتنا إلى الحديقة عند الظهيرة لتناول بعض الطعام وجدنا الحشد قد زاد، سألنا بعضهم إن كان يتحدث الانجليزية، فلم ننجح.


البحث من خلال الإعلانات
  لحسن الحظ كانت النادلة في المطعم  تتحدث الانجليزية فشرحت لنا الأمر و قالت: إن العديد من زوار المطعم كان لهم نفس السؤال. فقالت إن ما يحدث هو تبادل بيانات الراغبين في الزواج و البحث عن الزوج الملائم و حاولت أن تبرر ما يحدث بانشغال الشباب بالعمل، و لهذا يتركون الأمر للوالدين. و ربما تكمن الحقيقة في أن الوالدين هم من يتكفل بمصاريف الزواج بما فيها البيت، و لهذا رأيهم هام في هذه العملية بالإضافة إلى أنهم يقومون برعاية الحفيد الوحيد في المستقبل القريب ففي معظم الأسر الأم تعمل خارج البيت. عند ذلك عرفنا أن كلا منهم يعرض مواصفات الطرف الذي يمثله من حيث تاريخ الميلاد و الشكل العام و الجمال و المستوى التعليمي و الوضع المالي للأسرة و إمكانيات السكن و بعضهم يحمل بعض الصور و رقم الهاتف. و بعد المناقشات المبدئية  تبدأ جولات المفاوضات الجانبية، و إذا توفرت الظروف المناسبة يتم ترتيب زيارات و لقاءات لجميع أفراد الأسرتين.


المزيد من السرادقات
      
 يتضح من هذا العرض السريع أن سوق السعد أو سوق السعادة في الصين سعده واقف، نظرا لاهتمام الأسرة بتزويج شخص واحد، فهم يبذلون قصارى جهدهم في سبيل تحقيق هذه الغاية و منهم من قد يستعين بشبكة المعلومات أو الصحف.

وضع الزواج في بلادنا

      و الدرس المستفاد هنا هو محاولة البحث عن حل للعزاب في بلادنا الحبيبة ، ففي الكثير من البيوت الليبية في الداخل و الخارج يوجد شباب و فتيات في سن الزواج و أكثر؛ ولكن لا احد يقدم لهم المساعدة فالدولة مشغولة بمشاريعها العظمى و الآباء و الأمهات إمكانياتهم محدودة؛  و لا يزالون ينتظرون من السعد العمى أن يؤتى إلى بيوتهم بمفرده و بدون مساعدة من أحد بالرغم من الحفر و المطبات في الشوارع و اتساع رقعة المدن، ناهيك عن من يعيش في قرية نائية في الخارج داخل قوقعة الأسرة الصغيرة و ينتظر حلا من السماء دون أن يسعى في طلبه.
 كما أننا جميعا فى المجتمع الليبي لا نريد أن نتحمل المسؤولية في حياتنا و نقلل من سقف تطلعاتنا في المواصفات المطلوبة و في الشروط وفى المظاهر و في المصاريف، بل لا أبالغ إذا قلت أننا في كل عام نضيف عليها. والشباب و الفتيات يجب عليهم آن يتطلعوا  إلى مواصفات ممكنة في الطرف الآخر و تناسب هذا العصر،  فالحياة الزوجية في عصرنا الحاضر شراكة متعادلة و ليست أحلام أو أفلام أو مسلسلات تركية  وهى كذلك واقع مرتبط بالمجتمع الليبي و معطياته و أنماط تفكيره، فكل فتاة تتخطى الثلاثين سنة من العمر يصعب زواجها و كذلك الشاب إذا تخطى الأربعين سنة و هذه الحقيقة كثيرا ما نهملها.  وبالله عليكم ماذا ستفعل فتاة في سن الستين أو السبعين بحياتها إذا لم تتزوج و لم تملأ حياتها ببعض الأطفال، و ماذا ستعنى حياة الشيخ الأعزب الذي يصل الستين بدون زوجة و لا ولد و لا أحفاد.
تيسير الزواج في بلادنا
 الخطوة الأولى لحل مشكلة العزوبية في بلادنا تكمن في تيسير الزواج بالنسبة للشباب بالدرجة الأولى و بكل الوسائل لتوفير أفضل فرص النجاح للزواج و تقديم كل أنواع الدعم المادي و المعنوي المطلوب في الأشكال الآتية:
توفير فرص عمل للشباب، و ذلك بخلق مواطن شغل في الدولة أو باستحداث مشاريع تنموية و استثمارية محلية، مثل توزيع مزارع المشروعات الزراعية على الخريجين الجدد و توطينهم في مناطق المشاريع.
منع استجلاب العمالة من الخارج إذا توفرت العمالة من الداخل.
توفير سكن مناسب لأسر الشباب بتكاليف أو إيجارات اقتصادية تناسب دخولهم المحدودة.
رفع قيمة علاوة الزوجة إلى مئة دينار لجميع الأسر.
استحداث برامج للتوعية الاجتماعية لتهيئة الأسر الجديدة و مساعدتها في التخطيط لمواجهة متطلبات الحياة من النواحي النفسية و المادية و الاجتماعية.
تيسير زواج الفتاة الليبية من العربي المسلم و من المسلم بصفة عامة، و ذلك باكتساب أطفالها الجنسية الليبية تلقائيا، ومنح زوجها حق العمل في ليبيا و اكتساب الجنسية الليبية بعد ثلاث سنوات من الزواج و الإقامة في ليبيا.
تحديد الحد الأعلى للمهور في المدينة أو المنطقة الواحدة حسب العرف المعمول به فيها.

تعدد الزوجات

           عند ما لا يستطيع قطاع الشباب التغلب على المشكلة بالكامل ربما يكون من الأنسب في هذه الحالة طرح موضوع تعدد الزوجات كلما أمكن ذلك و بأي شكل عملي ممكن كحل ثاني و ثانوي؛ و لو تكفلت الدولة بكل المصاريف الأساسية مع تقديم بعض الدعم المادي مثل:
مضاعفة علاوة الزوجة بالنسبة للزوجة الثانية إلى مأتى دينار.            
مضاعفة علاوة السكن في حالة تعدد الزوجات.   
توفير سكن أو بيوت مزدوجة.
    أنا أرى أن الحل ممكن وأقل تكلفة مما سنحصد من مشاكل فى المستقبل، و لكن يجب أن لا يكون على حساب الزوجة الأولى أو الأسرة الأولى؛ و عليه يجب تنظيم هذا الأمر بعد مناقشته من الفئات ذات العلاقة  في المجتمع مثل الهيئات الشبابية و الهيئات النسائية و الهيئات الاجتماعية و عقد ندوات علمية لهذا الغرض ثم وضع شروط مناسبة تضمن نجاحه. و على سبيل المثال في أحدى قرى الجنوب الليبي عند ما تبين للعاقلين فيها  تزايد عدد الفتيات في المنازل بسبب زواج الشباب من خارجها؛ قرر الجميع التعدد على شرط أن تقوم الزوجة الأولى باختيار الزوجة الثانية و برضاها للمساعدة في حل مشكلة الفتيات و القرية.
       و كما يعرف الجميع نحن نستقدم حوالي مليون عامل أو أكثر من خارج البلد، فلماذا لا نعمل على تشجيع النمو السكاني بأسلوب سليم، و لماذا لا يعرض هذا الأمر للنقاش على الجهات التشريعية لوضع الأسس القانونية له، و إذا كانت الثروة ملك للمجتمع فلماذا لا تستثمر في توفير الحياة الكريمة للشعب. و كلنا يذكر أثر مشاريع الإسكان في الستينيات و السبعينيات من القرن الماضي في رفع مستوى المعيشة و توفير الحياة الكريمة للشعب من خلال توفير مساكن مجانية لا زال بعضها قائم حتى الآن.
 وهل للإنسان كرامة إذا كان يعيش معيشة الكلاب السائبة يدور في الشوارع و لا احد يسمع له أو يتحدث إليه، ثم ينتهي به الحال إلي احد الملاجئ أو مستشفى المجانين، و قد عرفت بعض من مات في السبعين من عمره دون أن يتزوج وكذلك بعض السيدات اللاتي تجاوزن الثمانين عاما بدون زواج، صحيح كان عددهم في الماضي قليل و لكنه بالتأكيد سيكون أكبر في المستقبل. ناهيك عمن سيضيعون في مزالق الانحراف و ينتهي بهم الأمر في السجون أو دور الرعاية و الإصلاح أو مراكز معالجة الإدمان أو يصبحون ضحايا للأمراض الفتاكة.
      فلينظر كل منا إلى بيته كم هي نسبة العزاب إلى المتزوجين ليعرف الحقيقة، و من ثم عليه أن يجد حلا،  وعلينا أن نخطط لبناتنا مثل ما نخطط لأولادنا و هذا هو العدل. و لتعلم النساء قبل الرجال أن المصائب عند ما تحل ستدخل كل البيوت و عند ما ينتشر الفساد لن ينجو منه احد، و الله سبحانه و تعالى يقول: و اتقوا فتنة لا تصيبنَ الذين ظلموا منكم خاصة. و اعلموا أن خير قدوة لنا في كل أمر هو رسول الله صلى الله عليه و سلم و صحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين من بعده، تزوجوا في صغرهم و في كبرهم،  تزوجوا البكر و المطلقة و الأرملة و الصغيرة و الكبيرة. فالبيوت لا تبنى على الحب أو الإعجاب فقط، و لكن تبنى على الرحمة و حسن المعاشرة و على التعاون و المساعدة و المساهمة في ستر الناس و في حل مشاكل الناس، فعلينا أن نجعل بيوتنا بيوت خير و بركة و رحمة و توسعة, نجعلها بيوت محبة واسعة بعيدة عن الأنانية المدمرة و المثل الليبي يقول: لما أتطيب النية الدار تاسع مية. و ربما يناسبنا في هذه المرحلة تعدد الزوجات و تحديد عدد الأطفال لكل أم من أجل تهيئة أفضل الفرص للتربية السليمة.
      و على الدولة أن تتحمل المسؤولية و توفر للمواطن الليبي حياة كريمة و مظلة من الضمان الاجتماعى ترفع  بها عن كاهل الشعب ما يرهقه من الديون و المصاريف التي لا تتناسب مع متوسط الدخل العام.  فتدنى مستوى الدخل هو الذي يساهم في عزوف الشباب عن الزواج، أما الفتيات ففي كثير من الأحوال يصبحن الضحية و يقمن بدعم الأسرة ماديا إلى أن يفوتهن قطار الزواج. والزواج في الحقيقة هو أحد أهم حقوق الإنسان التي يشارك بها في رسالة البشرية في عمارة الأرض، ناهيك عن دور الزواج في سعادة الإنسان و استقرار أحواله النفسية و الاجتماعية.

 إن الخطر الذي يداهمنا أكبر و أعم و أخطر من رفع سعر رغيف الخبز أو سعر لتر البنزين فهذا الخطر يهدد الأسرة الليبية من أساسها و يقضى على كل القيم الاجتماعية و يدمر النسيج الاجتماعى.